' rel='stylesheet' type='text/css'>

يوم الحج الأكبر

يوم الحج الأكبر

[tooltip text=”صوت العرب – رقية القضاة” gravity=”nw”][/tooltip]

 

شمس عرفة تؤذن بالمغيب، القلوب التي ارتبطت فيه برباط القرب والطاعات، يعز عليها وداعه، العيون التي امتزجت دموعها ذرات ترابه في سجودها تمتليء بدموع الحنين ، ترنو إلى أرجائه الحبيبة، في نظرات تأمل بالعودة القريبة ، ومواكب السائرين إلى المزدلفة تعج بالتكبير والتحميد ،في محطة جديدة في هذه الرحلة العبادية ،ويحط الركب رحاله سويعات ، في المزدلفة ثم يتابع المسير إلى منى ، ينتظر شروق شمس يوم الحج الأكبر .

وهناك في الخيام التي نصبت للحجيج ،يتوارد إلى الأذهان رحلة الحبيب المصطفى ،منذ بدء الدعوة إلى توحيد الله ، وما رافقها من ضنك وعذاب واستنكار وتهجير، مرورا بذلك اليوم الذي عاد فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم من الحديبية ،دون أن يسمح له بأداء عمرته، وملء عينيه من نور البيت الحرام ، ثم هاهو يؤيد بنصره من الله وفتح قريب ، تفتح مكة ويقف النبي صلى الله عليه وسلم في الحرم مناديا ،يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ وتأتي الإجابة المنصفة من نفوس عرفت في قراراتها دائما أن محمدا رسول الله ، [ أخ كريم وابن أخ كريم] وسماحة النبوة ورأفة الرؤوف تنطلق جوابا حانيا ،[ اذهبوا فأنتم الطلقاء] .فيكون التسامح عنوانا لشريعة محمد ولأمته صلى الله عليه وسلم وتذكيرا لها بأن نصر الله قريب.

وهاهي سنة تسع للهجرة تهل بالكثير من الانتصارات والتباشير الطيبة لدولة الإسلام ،وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يحج مع أصحابه يطوف ويسعى ويقف بعرفة ونزل عليه القرآن ، [ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] ويستأذن ربنا بعزته وقدرته ،يوحي إلى نبيه بآيات كريمة ترسم للأمة ملامح العلاقة الأبدية بين الحق والباطل، والرشد والغي ،بين فسطاطي كفر وإيمان لا التقاء بينهما ،ولا تآلف عقائدي ولا توائم منهجي،ولا اندماج اجتماعي أو خلقي في كلمات حاسمة ،وبراءة خالصة {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله} فتتوقف القلوب المؤمنة الأمر بـ الإذعان والقبول والرضى ،والثقة بتشريع الله ورسوله ،وتظل هذه البراءة منهجا يتّبع و قرآنا يتلى، ونصوصا لا تقبل اللّي ولا التطويع، فالكفر كفر والإسلام إسلام.

وتشرق شمس يوم النحر بالتكبير والنحر، والرمي والقربات ،ويتردد في إسماع أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وصيته الخالدة لأمته الرشيدة ، نصوصا تظل على امتداد الزمان شرعة ومنهاجا تستنير به الأمة ، وهدايا تتبعه دون تردد ،وتواجه به متغيرات الزمان ، و مرجعا تعود إليه كلما تنكب جادة الصواب، وابتعدت عن المسلك القويم ، ونسيت استحقاقات أخوّة الإسلام ،{ ياأيها الناس أي يوم هذا؟قالوا:يوم حرام قال :فأي بلد هذا؟ قالوا:بلد حرام قال:فأي شهر هذا؟قالوا:شهر حرام ال:فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا اللهم هل بلغت اللهم قد بلغت.فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض}.

وتلهج الألسن بالدعاء إلى الله في هذا اليوم العظيم ،يوم الحج الأكبر، بالدعاء أن يحقن سبحانه دماء المسلمين ، وقد استباحها أعداء الأمة، بل وبعض ولاة أمرها الذين نسوا أمانة الله التي حملوها ، وجعلوا من بلدانهم سجون كبرى ،ومن رعاياهم أسرى وسجناء، ومن خيرات أرضهم نهبة يغتنمها بلا قيد ولا رقيب.

هناك في منى وهنا خارج حدودها، وبكل الآفاق الإسلامية ،تسارع النفوس المتلهفة إلى الطاعات، ذبح الأضحيات ،وصلة الأرحام ،ومختلف القربات، في إعلان واضح وعملي ،أن الأمة موحدة في عباداته ،متوحدة في مشاعرها ،متآلفة في دعوتها ومقاصدها ،وأن ما يمر بها من تفرق وما يعتريها من ضعف ،ماهو إلا عارض زائل بإذن الله ، وأن العود الحميد إلى رحاب الله بات وشيكا ،وأن النصر آت لا محالة ،ولكنها سنن تجري بها أقدار الله ،فإذا ما وفينا باستحقاقات النصر والتمكين أتانا من حيث لا نحتسب ،{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} لقد ارتضاه سبحانه لنا، و ارتضيناها لأنفسنا ،،فيامن من الله عليكم بزيارة بيته ابشروا برضاه ،واكثروا من الدعاء لأمتكم ويا من لم تقدّر لكم هذه الوفادة ،أكثروا من صالح الأعمال في هذه العشر المباركة، عسى أن لا يخيب رجاؤك ،وعسى أن يصلح الله بكم حال الأمة إنه سميع مجيب.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: