هورفيتز في مهرجان أفينيون.. الكذب لحفظ أسرار الموتى  - صوت العرب اونلاين ' rel='stylesheet' type='text/css'>
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / هورفيتز في مهرجان أفينيون.. الكذب لحفظ أسرار الموتى 

هورفيتز في مهرجان أفينيون.. الكذب لحفظ أسرار الموتى 

 

معمر عطوي – صوت العرب 

من خلال حدث سياسي أمني هزّ العالم، 11 سبتمبر 2001، ندخل إلى عوالم خاصة قد تبدو بسيطة أمام هول ما شهدته مدينة نيويورك في الولايات المتحدة، ذلك اليوم. بيد أن موقع الإنسان وأهمية وجوده في هذا الكون والأنساق العلائقية المعقدة داخل المجتمع البشري، تجعل من أحداث مسرحية “لا يتكلم المرء عن شر الموتى”، قضية هامة على الصعيد الاجتماعي والإنساني. لعلها تجسيد لفلسفة ضبط النفس الغريزي إزاء تناول مساويء الأشخاص الراحلين في حياتنا، واحترام غيابهم في سياق موضوع الأكاذيب لحفظ الأسرار العائلية.

هي مسرحية « On ne dit pas du mal des morts »، التي تُعرض هذا الشهر في مهرجان أفينيون للمسرح وفنون الأداء، ضمن الأعمال المُدرجة من خارج البرنامج الرسمي “Avignon Off” على خشبة مسرح نوتردام، في المدينة الفرنسية الجنوبية على ضفة نهر الرون. نص للكاتب الأميركي المُخضرم إسرائيل هوروفيتز، يتولى إدارة مسرحيته ميرتييه بوتنير ويخرجه ماريون هيننفنت، بينما كان الآداء لكل من كاثرين ديفين- بوتيرو (بينيلوب)، جاك رون (جون)، أليكسيا شاردار (ويلا)، وباتريك تولان (النادل والروائي). 

سقوط البرجين

يبدأ العمل بمقطع روائي مُصوّر سابقاً، للكاتب هوروفيتز، يتم عرضه في الخلفية على شاشة سينمائية صغيرة، حيث يتحدث عن صدمة 11 سبتمبر، فيما تظهر صورة لمكان سقوط البرجين  وإعلانات العائلات التي تشعر بالقلق وصور العائلات المفقودة. في الناحية الأخرى يظهر طابور من نحو ألف شخص للتبرع بدمائهم، كإشارة الى التضامن الأميركي مع الضحايا في هذا الحدث الأليم. في الوقت ذاته، يقوم باتريك تولان بترجمة فورية على غرار الحكواتي أو الراوي، لكلمات الكاتب التي يقولها بلكنته الأميركية. 

تتعامل هذه القطعة المسرحية مع موضوع الأكاذيب والأسرار العائلية، على خلفية سقوط البرجين التوأمين. من خلال أسرة تسكن في نيويورك، حيث يعمل الوالد تاجراً في مركز التجارة العالمي الذي تم استهدافه من الإرهابيين.

زوبعة الأكاذيب

تبدأ الأحداث بحوار مألوف بين الأم وإبنتها مشحون ببعض التوتر على خلفية قضايا عائلية، وشيئاً فشيئًا ، ينقلنا المؤلف إلى زوبعة الأكاذيب التي تُحاك لتغطية أزمة الزوجين. هذا قبل الهجوم، وسط عائلة عادية؛ الأب (Jack Rogne) والأم (Catherine Desvignes) والإبنة (Alexia Chardard) و Patrick Tulasne. الأم تعيش حالة عصبية مصحوبة بمرض الزهايمر. 

يموت الأب في الهجوم في اليوم الذي خطط فيه لـ “التحرك” ومغادرة منزله من أجل العيش مع عشيقته، الأمر الذي باح به لإبنته واخفته بدورها عن والدتها حتى بعد موته. لكن هذا الموت الوحشي غير المعلن للأب، يؤسس لعلاقة أخرى بينه وبين زوجته وإبنته من خلال شبحه الذي يزور المنزل باستمرار، حيث تدور الحوارات وتبادل العتاب بروح فكاهية تتصاعد درامياً في بعض الأحيان لتنتشل المشاهد من رتابة السرد. 

لعل الرسالة من هذه الحبكة العائلية الخاصة جداً، هو محاولة لفهم أن ضبط النفس والاحترام الداخلي لشخص متوفي، هو شكل من أشكال التعبير عن حكمة متفوقة ولكنها غريزية وغير واعية، موجودة في كل كائن بشري. إضافة إلى ذلك، يعتقد الكثير من الناس، المشبعين بالمفاهيم المادية المهيمنة للغاية اليوم ، أنه بعد الموت لم يتبق شيء. والموت سيكون العدم المطلق للمتوفى.

سؤال وجودي

يريد الكاتب من خلال هذا النص تجاوز مسألة المعالجات المباشرة والخطاب السياسي في بعض الأعمال الفنية، بعد 11 سبتمبر، ليدخل إلى نوازع النفس البشرية ومآسيها من خلال الأحداث. ستبقى الأم وابنتها تتحاوران وسط جمل غير معلن عنها. هو ذلك السر المكبوت الذي تحاول الزوجة معرفته بينما الإبنة تريد حفظ هذه العلاقة بين والديها حتى رغم موت أحدهما. هذا الصراع بين الأم والابنة يولد قصة جميلة جداً ومؤثرة. وعندما يظهر شبح الأب الميت من أجل إنهاء المناقشات، يصبح الجو أكثر توتراً وصراحة مع بعض الحميمية.

المسرحية تدور حول هذا الصراع بين الأجيال والسؤال الوجودي: ماذا نفعل بعد الهجمات؟ وتخلص إلى أن: الحياة حزينة للغاية لدرجة قد لا تكون مضحكة، أو جميلة جدًا.

البطل الذي يطارد المنزل ليس سوى رجل يرى الهذيان الأميركي الذي يريد تحويل ضحايا القصف الوحشي إلى أبطال وطنيين. لعل هذا النص هو مسرح حقيقي حيوي، يروي ويلمس الجراح على نطاق ضيق.

“لا يتكلم المرء عن شر الموتى”، آداء أكثر من رائع للجميع يعبّر عن المواهب العظيمة لكل منهم، سيما أن كاثرين بوتيرو تعمل في المسرح إلى جانب عملها كطبيبة في مستشفى مرسيليا وموهبتها في النحت. كان من الممكن أن يكون الموضوع ثقيلًا، لكن هذا الآداء المميز وقدرة المخرج والمدير على تطويع النص لمسرحته تمكنا من إعطائه خفة تتناقض مع رعب الدراما.

ومن اللافت أن هذا العمل يأتي في سياق نحو 1600 مسرحية يتم عرضها هذا الموسم من خارج برنامج دورة 73 للمهرجان الرسمي في أفينيون والذي يدخل في سياقه أعمال بهلوانية وعروض مسرحية والعديد من فنون الأداء إضافة إلى أفلام سينمائية ومعارض فنية تشكيلية. بذلك تتحول المدينة الى معترك إعلاني وفني صاخب، وتجمعاً ضخماً لصالات مسرحية تشمل حتى غرف البيوت وأماكن عامة ومحلات تجارية ومآرب السيارات.

الكاتب المخضرم

أما الكاتب الذي يحضر المهرجان ويلتقي مع متابعيه في الثاني والعشرين من يوليو فهو من مواليد 31 مارس 1939 في ويكفيلد، ماساتشوستس، كاتب مسرحي وممثل ومخرج. مؤلف لأكثر من خمسين مسرحية تُرجِمت حتى الآن الى عشرين لغة مختلفة ولُعِبت في جميع أنحاء العالم، بل أكثرها في فرنسا. لدى الكاتب علاقة خاصة مع فرنسا، حيث يقول: “في فرنسا سأنهي أيامي، أنا مقتنع. أشعر بأن بلدي هناك”. 

كان عمر هوروفيتز 17 عامًا فقط عندما تم عرض أول مسرحياته في بوسطن. بعد سنوات قليلة ، بدأ في نيويورك بأربع مسرحيات خلال موسم 1967-1968 وحده، ممثل ومخرج وروائي. لم يتوقف عن الكتابة منذ ذلك الحين. أشهر أعماله برزت من خلال آداء نجوم هوليوديين مثل آل باتشينو و ريتشارد دريفوس وجيل كلايبيرغ وديان كيتون وجيرارد ديبارديو وجين بيركين وغيرهم.

يبقى السؤال الأساسي لهذه القطعة المُعبّرة: لماذا نواجه هذه الصعوبة في ذكر مساوىء موتانا؟ لماذا يوجد هذا النوع من ضبط النفس الغريزي؟ حتى في التراث العربي- الإسلامي نقول “أذكروا محاسن موتاكم”.

الصور: روبرت آل

شاهد أيضاً

اختطاف ممثلة مشهورة وتصويرها عارية لانتقادها رئيس بلادها (صور)

صوت العرب – وكالات – تعرضت واحدة من أشهر الممثلات الكوميديات والساخرين السياسيين في زيمبابوي …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم