' rel='stylesheet' type='text/css'>

نَواميسُ الصُدفَةِ

نَواميسُ الصُدفَةِ
بغداد – علي الجنابي – صوت العرب
إن وَصَفَكَ شيّخٌ حكيمٌ , أَنّكَ كائِنٌ مٌسيَّر على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما قالَ طُرفَة, وإن قَصَفَكَ فيّحٌ عظيمٌ, أَنّكَ كائِنٌ مٌخَيَّرٌ على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما مالَ حَرفُه .
كِلا الفريقينِ حقٌّ, وكلٌّ مِنهُما لهُ راياتُهُ وعُرفُهُ..
فذاكَ الشّيخُ الحكيمُ  وبعدَ أَن عُمِّرَ ونُكِّسَ في الخلقِ وإنهارَ جُرفهُ , نظرَ فَبَصُرَ فَعَلَمَ أَنَّ عروضَ الدَّهرِ كانَت كلُّها عَرَضاً وصُدفَة, وما كانَت فَذلَكَاتُهُ في بُطونِ أَقدارِها إِلّا تَلَبُّثَاً بِميراثِ خَلفه , أو  تَحَدُّثاً بأحداثِ سَلفه , أو تَشَبُّثَاً بأضغاثِ حِرفَة! فمن ذلكَ أنّهُ حينَ نَوى يوماً أن يدرُسَ الطِّبَ في (لندن) مُتَكَلِّفاً عَناءَ غُربَةٍ وجمعِ دِينارٍ وصَرفِه, لَقِيَهُ صاحبٌ لهُ في عَتَبَةِ دائرةِ الجَوازاتِ صُدفةً, فبادَرَهُ بتَوبيخٍ ثمَّ بِنُصحٍ وَدُودٍ وَأُلفَة :
(دَع عنكَ لندنَ وصَخبَها ولسانَها اليسير أَلفَهُ, وتَرَجَّل مِن بَغلَةِ الطَبِ ونَهيقِها  العَسير خَطفَهُ, وإمتَطِ  حِصانَ هندسةٍ سأُنزِلُكَ في مِضمارِهِ -في دويلةٍ جَنبَها- وسأُغزِلُ لكَ خيوطَ  كشفِه, وذاكَ حصانٌ لَهِيبٌ ألوانُهُ, رحيبٌ جنانُهُ ونجيبٌ في وَثبَاتِهِ وَلَفِّه, ولن تَتَأَبَّطَ  كُلَفَ مَعيشةٍ ولا تقتيراً في جمعِ دينارٍ وصرفِه, وإنَي لأراكَ مُتَفوِّقاً ومُحقِّقاً لشروطِ سّلطانِنا في بَعثِكَ لامتطاءِ كَتفِه, فَبِمَ تَرُدُّ عليَّ يَا صَاحِبي عاشقَ الطّبِ ومِشرطِهِ وصُحُفِه)؟
بَلِ القولُ ما قلتَ يا (عبدَاللهِ) وإنَّ المرءَ الطموحَ لا يُقَيِّدُهُ عِشقٌ ولا يُحَيِّدُهُ فِسقٌ, بل سُموُّ هدفٍ وسبُلُ خَطفِهِ. إليَّ بملفِ حصانِ جيرانِ لندنَ وضوابطِهِ و وصفِه.
وإن هيَ إلا سنينَ مرَّت حتى أمسى فارساً في مضمارِ الهندسةِ ونسيَ بغلةَ الطبِ وشغفَه. وكلُّ أولئكَ كانَ عَرَضاً وكانَ في الأحقابِ صُدفةً.
وأمّا وإن قَصَفَكَ فيّحٌ عظيمٌ , أَنّكَ كائِنٌ مٌخَيَّرٌ على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما مالَ حَرفُه , وإنَّ سِجلاتِ الاقدارِ مَطوياتٌ بيمينكَ نهاراً ومن الليلِ زُلَفَهُ, مادمتَ مقبلاً على الحياةِ بعنفوانٍ وقوةٍ وحِرفَةٍ, مالأحدٍ عندَهُ عليكَ من حَجزٍ  في كَسفِ مرامِكَ وخَسفِه, ولافي نَجزِ مهامِك لا بتمامِ جُهدٍ ولا بنصفِه, عليك الكفاحُ وَقَعَ, وعليكَ الصمودُ أمامَ تقَلّباتِه وعصفِه. لن يقومَ أحدٌ بمهامِك, عابداً كان أم كان معبوداً رغم جلالِهِ وتوفيقِهِ ولُطفِه.
ثمَّ ستعلمُ يا ذا حِجرٍ بعد نفحاتِ خريفِ العُمرِ, وكَأنَّ لَبَنَ الأمرَ كلّهُ إنبَجَسَ من مَراضِعِ الصدفةِ!
وستعلمُ يا ذا عزٍّ بعدَ نَفَخاتِ الخريفِ وإنبلاجِ ضَعفِه, ووسوسةِ سَكَراتِه, وعسعسةِ بَكَراتهِ, وتَيَبُّسِ سَعفِه, أنَّ صاحبَنا (صلى الله عليه وسلم) مَا ضَلَّ وما غَوى في عَرضِ بَيانِه, ونَبضِ بَنانِه, وفَيضِ قَطفِه,  إذ أنبَأنا بحَريصِ قولٍ وَوِدِّه ولَهفه :
(إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا..) وفي جَحيمِها مُنتهى فذلكاتهِ وتَقَلُّبِه ونَسفِه.
(..وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَدْخُلُهَا) خالداً ومن كَوثرِها سَينالُ طيبَ رشفَة.
هكذا حالُ كلُّ فؤادٍ إن أسَرَّ القولَ, أو جَهَرَ بهَ في قُعودِه وفي مَضجعهِ وحينَ وقفِه.
كأنَّي -يا صاحُ- بالنفس معادلةٌ رياضيةٌ من ثلاثةِ مجاهيلٍ ومعلومٍ؟
فأمّا المعلومُ فعالَمٌ هي فيهِ  ملموسٌ مهموم, وأمّا المجاهيلُ فَعَالَمُ أجنةٍ, وبرزخٌ فعالمٌ أبديُّ مقضيُّ ومَرقوم.
تلكَ عوالمٌ غُلِّفَت بغيبٍ مطلقٍ مُحكَمٍ مَختوم, فلا تعلمُ النفسُ الجنينُ شيئاً كيف كانت عَبَراتُ خافقِها وخلجاتُه وكيف ستكونُ في عَالَمٍ مَعصوم. عوالمٌ لا تُلقي النفسُ لها بالاً, وغيرَ ذي شأنٍ عندها مَفهوم, لأنّها جُبِلَت على أن تُقَيّدَ مُتَعَها ومَتاعَها بِقيّدِ يومٍ مُجَسَّمٍ مرسوم, تعيشُهُ مابينَ شروقِ شمسٍ وغروبٍ مُقَدرٍ مَحتوم, مُتعٌ ومَتاعٌ من شطيرةِ لحمٍ مُؤَمَّنَةٍ, وعصيرٍ من برتقالٍ مدعوم, أو من بصيرةِ علمٍ مُخَمَّنَةٍ وحصيرٍ تحتَ ظلالٍ مبروم, وقد أستلطَفَت النفسُ دورانَها في فلكِ عالَمٍ محسوسٍ مفهوم, تحسُّهُ وتلمسُهُ أوهكذا خُيِّل إليها أنّها تعلمُه فركنَت إليه بفَمٍ مَكموم, وفَصَلت بحِجرٍ حَجَرَ بَينها وبينَ تلكَ العوالمِ مُبهمٍ ملغوم .
ولربما تكونُ النفسُ دَنَت ذاتَ مرّةٍ فدَلَّت بدلوِها في بئرِ تلكَ العوالمِ, فَكَلَّت فمَلَّت بَسَأمٍ مذموم, ثم حَلَّت عندَ البئرِ كرةً أخرى, فَغَلَّت فَضَلَّت فَمَلَّت فَكَرَّت عَوداً لعالَمِها المقسوم, فإستسلمَت فأسترخَت رغمَ أنّهُ عالَمٌ زائلٌ مأثوم, أمَدُهُ في سجلِّ الزّمانِ يومٌ أو بعضُ يومٍ مهضومٍ ومظلوم. عالَمٌ وَقَعَ ترتيبُهُ ثانياً في متواليةِ عوالمٍ أربع, ترتيبٌ غيرُ معدوم. عوالمٌ كأنّها أستحوذَت لنفسِها الرقمَ الأعلى(تسعةً)رقمٌ مُكَرَّم محشوم: تسعةُ أشهرٍ, فتسعونَ عامٍ, فتسعةٌ بأصفارٍ مجهولٍ عددُها لكنّهُ مُحَدّدٌ ملزوم, ثم تأتي تسعةُ الختامِ التي يَمَّمَت نَوافِذ أصفارِها شطرَ بحرِ سرمديٍّ رغيدٍ أو مَغموم. ترتيبٌ تَتضاعفُ آمادُهُ بتصاعدٍ رهيبٍ مُقَدَّرٍ محسوم ..

ومادامَ أمرُ الحياةِ الدنيا صُدفَةَ يومٍ أو بعض يومٍ مَرحومٍ أو مَرجوم , فأرمِ الخطى هوناً ونقِّب عن كأسِ الفضائلِ ليُسقيَك , وعَقِّب في لحظاتِ استرخائِكَ آثارَ طيِّبِ القولِ ليشفيَك, إذ أنتَ تحتَ أمواجِ بحرِ الحياةِ تعلوكَ فتَبتَليَكَ, وإذ أنت تهمسُ البحرَ بِشكواكَ فيعتليَك, وإذ انتَ تَرمي بسنّارةِ صيدِك خلفَ أمواجِهِ لتنالَ حظّاً ليَكفيَك..

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: