' rel='stylesheet' type='text/css'>

نقابة الموسيقيين المصرية تتحول إلى دار إفتاء غنائية

نقابة الموسيقيين المصرية تتحول إلى دار إفتاء غنائية

  • فتح الخلاف بين نقيب الموسيقيين في مصر المطرب هاني شاكر وفناني المهرجانات الباب على مصراعيه أمام البحث في خلفيات الأزمة التي يرى بعض النقاد الموسيقيين أنها جعلت النقابة كدار إفتاء تحلل وتمنع وفقا لقناعات مسيّريها، ويعيدها البعض الآخر إلى عقود ماضية وإلى اختلالات متوالية أصابت الحركة الفنية. وفيما يصر هاني شاكر على موقفه بحظر عدد من أسماء مغني المهرجانات، يقول نقاد إن ذلك يعدّ فرصة ذهبية للمزيد من انتشار “المحظورين” بدلا من تقنين أوضاعهم وإخضاعهم لإشراف النقابة.

القاهرة – صوت العرب 

 تصر نقابة الموسيقيين على المضي قدما نحو طريق الحظر والمنع للتعامل مع الصعود الطاغي لفناني المهرجانات (الأغاني الشعبية) دون وجود رؤية عامة تنتشل سوق الغناء من أزماتها المتفاقمة التي ترتب عليها خفوت العديد من الأصوات الفنية المعروفة وتراجع الأغاني الكلاسيكية التي شكلت قاعدة أساسية للغناء المصري على مدار سنوات طويلة.

وأصبحت نقابة الموسيقيين ونقيبها المطرب هاني شاكر أشبه بدار إفتاء غنائية، فأمثاله يريدون مصادرة المواهب لأنه عاجز عن التغيير أو تطوير الأغنية، في حين أن ما يعتبره عبثا هو جزء من الفن، فما معنى أن يكون كل شيء محسوبا بالورقة والقلم؟ فمن “العبث” الفني خرجت أنواع مختلفة من الموسيقى والمسرح، وحقق أصحابها نجاحات كبيرة، وتحولت إلى مدارس فنية تم الاعتراف بها على نطاق واسع، بالتالي فالمصادرة المسبقة للمواهب تعد قيدا على الإبداع.

عدم احتواء فناني المهرجانات يشكل خطرا ويؤدي إلى المزيد من الإنتاج التجاري الاستهلاكي ذي الطبيعية “التخديرية”

تكمن المشكلة في أن هاني شاكر وجد من يدعمون موقفه بذريعة الحفاظ على الذوق العام، وقبضوا على مفتاح الصلاحية، فقد وافقت لجنة الإعلام بمجلس النواب قبل أيام على تعديلات قانون إنشاء اتحادات نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية.

وتضمنت التعديلات استحداث ما يسمى بالضبطية القضائية لتلك النقابات للتعامل مع المخالفين لشروطها، وهو ما يشير إلى أن الباب بات مفتوحا أمام تحويل الجدل الفني المتصاعد بشأن أغاني المهرجانات إلى قرارات أمنية وقضائية لا تتماشى مع طبيعة الأزمة التي ظلت حتى وقت قريب مهنية وإنتاجية، وبدت نقابة الموسيقيين تنفذ أجندة تتعلق بمضاعفة التضييق على الحريات الغنائية.

وينظر مفتي الغناء المصري هاني شاكر إلى أغاني المهرجانات ومطربيها باعتبارهم يمثلون فنا رديئا ومبتذلا، وبدلاً من أن تسهم نقابته في وضع المسألة داخل إطار تنظيمي كأحد الألوان الفنية التي لها جاذبيتها ويُستفاد من رواجها تمعن في خنقها من خلال ما تملكه من أدوات رقابية تبتعد عن دورها في خدمة أعضائها اجتماعيا وليس تقويمهم فنيا.

وتشير تطورات الأزمة إلى أن نقابة الموسيقيين ذاهبة باتجاه معارك إجرائية وقانونية وربما أمنية لا طائل منها، لأن الشباب الذين حققوا انتشارا بأغاني المهرجانات والراب والتراب، وكلها تندرج تحت المسمى الواسع “الشعبية”، زادهم شاكر ورفاقه صلابة ولم تنقطع الاستعانة بهم داخل مصر وخارجها، كما أن الفضائيات لم تتوقف عن استضافتهم، وهو ما يثبت أن نقابة الموسيقيين دخلت معركة خاسرة.


موسيقى فاضلة وأخرى رديئة

“فتاوى” لا تراعي تغير الأذواق الموسيقية

 


هناك توقعات فنية بأن فن هاني شاكر الكلاسيكي من أكبر المتضررين من أزمة رآها البعض من النقاد مفتعلة، وقد تكون نتيجتها المزيد من إقبال الجمهور على مطربي المهرجانات الذين تحول بعضهم إلى نموذج فني؛ ففرقة “البيتلز” لم تكن محل اهتمام في بدايتها، ووجدت رفضا من البعض، وعندما أعيد اكتشاف موسيقاها اجتاحت دولا كثيرة.

وبالمثل يمكن أن تؤدي حملة هاني شاكر ورفاقه إلى تكريس الألوان الشعبية في الموسيقى وليس دحرها، حيث باتت المهرجانات بديلاً عن الأغنية الكلاسيكية التي حققت تراجعًا لافتا على مستوى مشاهداتها على موقع يوتيوب.

وثمة اتفاق سائد بين أستاذة النقد الموسيقي، وبينهم من وجهوا هجومهم إلى مطربي المهرجانات، يرى أن الجمود الذي يسيطر على تطور الموسيقى العربية يتحمل جزءا من مسؤوليته شاكر وأمثاله؛ فقد قبلوا بالجمود واستسهلوه، لأسباب بعضها يرتبط بالنص الغنائي الذي لم يعد جاذباً وتراجع الإنتاج الشعري الذي يتلاءم مع اهتمامات جمهور يشكل الشباب الجزء الأكبر منه، والتصميم على الاستمرار في أشكال غنائية حققت نجاحاً سابقا دون أن تستهوي الجيل الجديد.تتجاهل النقابة حقيقة أنه لا وجود لموسيقى فاضلة وأخرى رديئة أو منحطة، كما الحال بالنسبة إلى السينما، بعد أن تراجع مفهوم انتشر في السابق تحت عنوان “السينما النظيفة” وهو ما يريد البعض تطويره إلى “الموسيقى النظيفة” على اعتبار أن الخطاب الفني هو خطاب جمالي أساسا، والحديث عن الجوانب الأخلاقية يتجاهل موروثات لم تمنع أو تحظر الأغاني الشعبية التي حوت ألفاظا يراها شاكر خادشة للذوق العام.

حلمي بكر: الفنانون يتحملون مسؤولية ترك الساحة خاوية لمغني المهرجانات

صعدت نقابة الموسيقيين في مصر إلى أعلى الشجرة وبدت عاجزة عن تقديم مقترحات أو حلول تسهم في مجاراة اهتمامات الشباب الغنائية، ويقود إصرارها على الحظر إلى سد المنافذ أمام رؤى فنية وغنائية يمكن تطويرها لتكون مُعبرة عن العصر والذوق الفني، وباتت القضية وكأن المجتمع أمام أزمة مزدوجة تتمثل في جمود الأنماط الغنائية وعدم وجود أفق للتطور يجري وفق منهج يشارك في وضعه أساتذة موسيقى ونقد ومطربون يمثلون ألوانا متباينة.

قال الموسيقار حلمي بكر   إن هبوط الغناء المصري وعدم القدرة على التطور أمران كان لا بد من حدوثهما لأن أجيال المغنين التي ظهرت بعد خفوت عمالقة الستينات والسبعينات لم تكن على نفس القدر من القوة والموهبة، “ومن كنا نعتقد بأنهم نجوم الصف الثاني بعد وفاة عبدالحليم حافظ لم يتمكنوا من الوصول إلى مكانته، ولا توجد قوة ضاربة من الأصوات تستطيع أن تحتل الصف الأول”.

وأضاف أن الأجيال الحالية من الفنانين تتحمّل مسؤولية ترك الساحة خاوية لمغني المهرجانات، وتدخل في القضية عوامل أخرى تتعلق بعملية الإنتاج الغنائي بعيداً عن قوة الصوت واللحن والتوزيع، ما قاد إلى ظهور جيل لا يجيد الغناء ولديه قدرة على جذب الجمهور، بما أفسح المجال أمام دخول أشخاص دون مؤهلات فنية كافية وقدموا ما يمكن وصفه بـ”الغناء المغشوش”.

ويمثل هذا الوصف انحيازا إلى حملة نقابة الموسيقيين على مطربي المهرجانات، لأن الغناء المغشوش عندما يستهوي الكثيرين يجب احترامه وليس التقليل منه.


أبعاد فنية

جمهور لا يوافق هاني شاكر الرأي

يعتمد مطربو المهرجانات بشكل أساسي على تعديلات الصوت ويجدون صعوبة في الغناء وسط فرق غنائية دون الاعتماد على “الفلاشة” التي تسجل عليها الأغنية ممزوجة بتدخلات تكنولوجية تسهم في تحسين جودة الصوت وتفرز في النهاية نمطا مغايرا للحقيقة.

إيهاب صبري: تراجع سلطة الناقد الموسيقي يفضي إلى ظهور ألوان غنائية شاذة

وأوضح حلمي بكر أن “الملحنين الذين ظهروا في العقد الأخير لم يكونوا بالقدر الذي يسمح بالحفاظ على تطور الموسيقى وتماشيها مع العصر، وبدا أن هناك اعتمادا على الموزعين الذين أسهم دخولهم سوق الغناء في تردي الأعمال المقدمة، التي جرى تفصيلها وفقا لإمكانيات المطربين الفنية، والأمر ذاته بالنسبة إلى الشعراء الذين تلتصق أسماؤهم بالنجوم المعروفين”.

ويبرهن أصحاب وجهة النظر هذه على صحتها بأن الأعمال الغنائية القوية التي تعتمد على إيقاع موسيقي قديم مازالت قادرة على المقاومة والنجاح وتمكنت من حجز مساحة من وقت المستمعين لأنها تعبر عن مكنوناتهم، على عكس الكثير من الأغاني التي ذاع صيتها لأوقات قصيرة دون أن تحفر مكانها في وجدان الجمهور وكان من السهل على مطربي المهرجانات إزاحة جزء منها والاستحواذ على المساحة التي شغلتها سابقا.

ويؤكد هؤلاء أن الأزمة مع أغاني المهرجانات يصعب وضعها في إطار الاعتراض على الكلمات كما يصور الأمر هاني شاكر نقيب الموسيقيين، لكن المشكلة الحقيقة تتمثل في إخفاقها في المساهمة في الإبداع الموسيقي على المدى البعيد، لذلك فأصحابها لا يتحدثون عن التطور الذي أحدثوه بقدر تركيزهم على المتابعات المليونية على مواقع التواصل الاجتماعي.

يعد ذلك أحد أشكال الأزمة التي لا يتحدث عنها كثيرون، حيث تبدو المعركة حول ما إذا كان مطربو المهرجانات يطبقون المعايير الأخلاقية أم لا، وما إذا كانوا يسيئون إلى سمعة مصر أم لا، في حين أن عشوائية الظهور في ظل عدم احتوائهم وتقنين أوضاعهم من قبل نقابة الموسيقيين هي التي تشكل خطرا يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الإنتاج التجاري الاستهلاكي ذي الطبيعية “التخديرية”.


أطلال التراث

تطورات الموسيقى يجب أن تتماشى مع روح الأجيال الجديدة

أكد رئيس قسم الموسيقى بمعهد النقد الفني التابع لأكاديمية الفنون إيهاب صبري أن تراجع النقد الفني والموسيقي لا ينفصل عن التراجع في مجال الغناء، لأن ممارسة النقد مازالت على أطلال التراث القديم الذي لم يعد له وجود حاليا، وهو أمر بحاجة إلى إعادة نظر بحيث يكون هناك اهتمام بتطورات الموسيقى بما يتماشى مع تطورات الأجيال الجديدة وما تريده والبحث عن تقديم ألوان موسيقية تتماشى معها.

وأشار  إلى أن “تراجع سلطة الناقد الموسيقي وحضوره على مستوى توجيه أفراد المنظومة الغنائية، من شعراء وموزعين وملحنين ومغنين، قد يفضي إلى ظهور ألوان غنائية شاذة، ولذلك جرى إطلاق وصف ‘المهرجان’ على أغاني لا تتوفر فيها مواصفات أغاني المهرجانات بحسب التعريفات العلمية”.

ويتفق العديد من النقاد على أن ارتباط الأغاني بالأفلام والمسلسلات على نحو أكبر أدى إلى تراجع المسرح الغنائي الذي خرجت من تحت مظلته ألوان غنائية متطورة، أبرزها موسيقى الأوركسترا الأوبرالية التي وصلت إلى العالمية، بجانب استفادة المسرح المصري من تطورات ألوان الموسيقى العالمية وإعادة استخدامها بمضمون محلّي.

شوكت المصري: أساليب الحظر والمنع الحالية تمنح أغاني المهرجانات قيمة مضافة

وذكر أن “هذا التراجع كانت له نتائجه على مستوى عدم استغلال المواهب الغنائية و القامات الفنية على نحو سليم، وبدت هناك أصوات غنائية تستحق أن تطفو على السطح لكن لا تجد الفرصة المناسبة لها بسبب توجيه الاهتمام نحو مطربين بعينهم، في حين أن شركات الإنتاج استفادت من الترهل الفني لتحقيق أكبر قدر من الأرباح دون أن تضيّع المزيد من الوقت لاكتشاف المواهب وتقديمها”.

ولفت الأستاذ المساعد في النقد الأدبي بأكاديمية الفنون شوكت المصري  إلى وجود كتلة حرجة في المجتمع تقود نحو ظهور مطربي المهرجانات، وهي الأكثر نشاطاً على مواقع التواصل الاجتماعي وذائقتها الفنية تختلف عن الجمهور الخامل الذي ينغمس في مشكلاته الحياتية، ومن الواضح أن هناك اهتماما طاغيا بالظاهرة، في حين أن الواقع قد يكون مغايراً بعض الشيء.

ولم ينف وجود أزمة غناء سببها الرئيسي سيطرة بعض رجال الأعمال على الإنتاج الفني لفترات طويلة، وجاء الاهتمام باتجاه الألوان الشعبية التي تحقق شهرة وانتشارا أكبر، بينما هناك الكثير من الفنانين ظلوا أسرى لعقود الاحتكار التي تحظر غنائهم بعيداً عن تلك الشركات.


وأشار شوكت إلى أن المهرجانات كظاهرة ربما لا تتوفر لها القدرة على الاستمرارية، والدليل أن الكثير من المطربين الذين ظهروا خلال العقد الأخير اختفوا وطفت أسماء أخرى ستأخذ فترات قصيرة قبل أن تخفت، كما أن المتابع لحركة مشاهدات الأغاني على يوتيوب يدرك أنها تقف عند حد معين ومع مرور الزمن قد تتوقف عن التقدم.

وتظل الأزمة مفتوحة إلى أن يؤمن مفتى الغناء العربي هاني شاكر بأن المنع لن يحسّن ذائقة الناس الغنائية، وأن مطربي المهرجانات لهم الجمهور الذي يستمع إليهم، وزادته رغبة نقابة الموسيقيين في الحجر عليهم عنادا وتشبثا بمواصلة الاستماع إليهم.

لكنه اعتبر أن أساليب الحظر والمنع الحالية تمنح أغاني المهرجانات قيمة مضافة، وتضعها في بؤرة الاهتمام بشكل مستمر، بينما الحل السليم يتمثل في دفع القبح الموسيقي بدعم كل ما هو جميل، وتقديم الحوافز المطلوبة لزيادة الإنتاج الغنائي الذي تراجع بشدة، ودعم الأنشطة الموسيقية والفنية في المدارس وقصور الثقافة التي من المفترض أن تستقطب الملايين من المواطنين.


موقع العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: