' rel='stylesheet' type='text/css'>

نحو استراتيجية ثقافية عربية

علي ماجد شبو: صوت العرب – عمان.

 

(أدناه، ملاحظات أولية دعماً لمقترح الأستاذ الدكتور سامح مهران لصياغة إستراتيجية ثقافية عربية تهدف الى محاربة الإرهاب)

كشفت أزمة كورونا عن مدى هشاشة وعجز العالم، كما كشفت عن مدى إرتباط وتأثر المجتمعات ببعضها في كل زوايا العالم. وقد برهن ذلك، مرة جديدة، كم هو صغير، ومترابط ومتداخل، وكم هو هش وعاجز هذا العالم. تنبهت كل المجتمعات، صغيرة كانت أم كبيرة، غنية كانت أم فقيرة، وتشاركت اليوم بالعجز، وبالخوف، وبالرغبة في الخروج من المجهول الحالي. غير أن التاريخ يعلّمنا أن في حالات الهلع الجماعي ليس أمام الانسان إلاّ الهرب الى الامام والإرتكان الى الحس الإنساني الفريد في الإبداع الفكري والفني للخروج من هذا الهلع. ويأتي الإبداع الإنساني، كأحد ركائز “المعرفة” وأهم عناصر “الثقافة”.  يأتي الإبداع في كل حقوله، وخاصة في مجال الفن والترفيه، متسرباً الى البيوت، ليكّون الارضيّة الآمنة التي تسمح للأفراد بخلع أقنعتهم (أوكماماتهم) والدفع بالمجتمعات بالتهرب من مخاوفها أو التهادن معها. هنا تلعب الثقافة دوراً علاجيا من خلال الأدب بكل تنويعاته ومن خلال الفن، فالدراما السينمائية والتلفزيونية الجادة والموسيقى على تنوعها كانت سلاح فعال لدى المجتمعات للحفاظ على الأمل وبالتالي الارتهان لأمزجة وسلوكيات التفاؤل.  

على مدى الأشهر القليلة الماضية، تغيّر العالم، وأصبحت الثقافة (بمجموعها الإبداعي في العلم والفلسفة والأدب والفن) أكثر أهمية على صعيد الحاضر، وكذلك فيما يخص المستقبل المنظور، بل وعولت الحكومات، كما المجتمعات، على مساهمات الثقافة في إقتصاديات البلدان، من خلال التوجه المباشر والمشاركة ضمن عناصر التنمية المستدامة.  فخلال أزمة كورونا وإغلاق منافذ الاقتصاد برز بشكل متزايد إعتماد الدول الكبرى ذات التوجه الرأسمالي المعروف على تدابير الرعاية الاجتماعية وبهذا تدخلت الحكومات بشكل مباشر وكبير لإيقاف التردي المتواصل في القدرة الشرائية للمواطنين. وبهذا التدخل وضعت العديد من الحكومات إجراءات سريعة شبيهة ب “شبكة الأمان الاجتماعي”، وهي إجراءات تحدّ، ولو قليلا، من وحشية وقساوة رأس المال. أي اعتماد إجراءات قريبة من “أنسنة” التنمية (اذا جاز لي التعبير). هذه “الأنسنة” هي التي دعمت جميع ركائز الإبداع والفن من إجل إستيلاد حلول بديلة ومبدعة لتنشيط إقتصاديات الثقافة بما في ذلك إختراع أشكال جديدة من التكنولوجيا تساهم في توسيع نشر عناصر الثقافة والفن ضمن ديناميكية التنمية المستدامة بقدر الإمكان. (هناك أمثلة كثيرة لما تمَ في فترة الإغلاق الاقتصادي التام: فتحت كبريات المكتبات العامة أبوابها إلكترونياً لتمكين الناس من إعارة او قراءة مختلف الكتب. زيارة المتاحف إلكترونياً، تقديم عروض مجانية لأوبرات مشهورة وعروض موسيقية، وغير ذلك الكثير)  

إن التفكير في إستراتيجية عربية للثقافة يُحيل المرء الى أمرين أساسيين، الأول يتصدى لما هو بديهي فيما يتعلق بتبريرات وجود الثقافة. وتتشكل هذه التبريرات من الأهمية القصوى التي وصلت اليها مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، ومن التشابك الذي، على الرغم من نعومته الظاهرة، فيظل شديد التعقيد. والأمرالثاني يتبلور حول وضع معايير سلوك، وأسس  لقيم أخلاقية مشتركة، تقود الى تشكيل الهدف الذي ترمي اليه هذه الاستراتيجية، وهو التصدي الى الفكر الإرهابي الظلامي الأسود كما التصدي الى كل مايجرّ حركة التقدم الاجتماعي الى الوراء. والهدف الأسمى من وراء ذلك كله هو إعادة إلبهاء الى الهوية العربية النقية.  والهوية العربية هنا لاتمس العرب فقط بل هي الهوية التي تكون مبنية على التسامح والسلام المجتمعي وتحتضن التنوع الفريد الذي تمتاز به المنطقة العربية من أديان وطوائف وأثنيات مختلفة. 

 

ان صياغة إستراتيجية ثقافية عربية سترتكز بالضرورة على ثقل الثقافة في المجتمع ودقة وصلابة ملامح الهوية فيه. فيما يخص ثقل الثقافة، فأن المنطقة العربية ثرية جداً بإرث ثقافي منوع وممتد الى أعماق التاريخ. أما حاضر المنطقة العربية فهوغالباً ما يحاول أن يفرز خصائص مجتمعه مستفيداً من ثراء إرثه من جهة ومن تلون ثقافته بإحتكاكاتها بالثقافات العالمية المختلفة.  غير ان المجتمع العربي وليد تلك الثقافة التي بدورها وليدة الإحتكاك بالثقافات الأخرى، يُعاني من تشوه كبير في “الهوية”. ومن المنطقي الإستنتاج بإن الهوية المشوهة لمجتمع ما ستنعكس حكماً على ثقافة ذلك المجتمع وتصيبه ما أصابها من تشوه وتشويش. 

ان الثقافة الحالية، أي الثقافة التي في طور التكوين، خلال ومابعد كورونا،  هي الثقافة التي تناقض مضامين المورث العربي في التضامن الإجتماعي. ثقافة ترتكز على التباعد الاجتماعي وعلى تنقيب (وضع النقاب) الرجال والنساء ليس فقط في المحيط الإسلامي بل في جميع المجتمعات أينما كانت حول العالم وبكل تنوعاتها الدينية والإثنية. هي اذن ثقافة كورونا، أي ثقافة الغموض والمجهول الذي ينتهي الى الخوف. وهو مايعني انها ثقافة معادية للسلام الاجتماعي ومحرك شديد للاحباط الروحي عند الأفراد. 

وعليه، سيتوجب علينا، من أجل صياغة إستراتيجية عربية للثقافة، النظر في حاضر هذه الثقافة بعين نقدية قادرة على إستشراف شوائب هذه الثقافة. ومن أبرز هذه الشوائب وأكثرها إلحاحا التخلص من ثقافة “النموذج أو الرمز” الذي يجب ان يُتبع. فالجماهير تدربت عبر قرون من الزمان على “صناعة النموذج” الذي يجب ان تطيعه وان تتبعه. وقد تكرَس هذا النمط من التفكير والممارسة خلال العقود الماضية، فما ان يتخلص المجتمع من “نموذج فردي” متسلط، حتى يقع وهو، منتشيا ومنتصرا بالتغيير، تحت سلطة النموذج الآخر أو المكرر، وهكذا تعاد حلقات الخضوع والطاعة والتبعية والتسلط. الثقافة الحرة المستقلة يجب ان تكون نقية من ملوثات “النموذج أو الرمزالفردي” ومن الإنقياد الطوعي او القسري نحو الطاعة الكاملة العمياء لهذا النوذج وإتّباعه. بمعنى آخر يجب إستنباط ثقافة جديدة تقف ضد شوائب الثقافة في “الرمزية والنموذج” و الإستكانة الى القدرية.  وهاتين الحالتين متلازمتين في الثقافة المجتمعية العربية. 

لاشك أن التوحش غير المسبوق للقوى المتنفذة في العالم، وهزالة القدرات العربية الرسمية لمواجه ذلك التوحش والتنمّر، جعلت التاريخ العربي الحاضر يمرّ بأكثر مراحله إنحطاطاً وقسوه. مما يستدعي إستنهاض حركة ثقافية مدنية واعية مستقلة تماماً ولا تتعكز على إيديولوجيات سياسية أو دينية تفضي الى مزيد من التفرقة والتشرذم. حركة ثقافية تأخذ على عاتقها تنقية الهوية العربية من جميع الشوائب التي أصابتها، وإبعادها عن الأجندات السياسية الرسمية بالالتزام بالاستقلال، وليس الحيادية، وتضع المحدّدات الواقعية والممكنة التنفيذ للعودة الى التاريخ الإنساني الثري من بوابات الثقافة والإرث الحضاري العربي الذي يمكن ان يمثل المجتمع العربي المعاصر وهو على مشارف العقد الثالث من هذا القرن الحادي والعشرين.   

فإذا كان مقياس التقدم من خلال حساب ثروات الدول التي تقاس بالمال والأرقام، من خلال ما يُسمى في أدبيات التنمية “الدخل القومي الإجمالي”،  وهو أيضاً ما كان يُعرف سابقاً “بالناتج القومي الإجمالي”، وهو ببساطة شديدة، مجموع الناتج المحلي والأجنبي الإجمالي داخل البلد إضافة الى عوائد الإستثمار الخارجي. في حين أن المنطقة العربية على ضخامة الثروات التي تحصلت عليها منذ بدء الأزمة البترولية الأولى عقب حرب أوكتوبر/تشرين الأول 1973 لم تستطع أن تجاري التقدم الحاصل في المجتمعات المتقدمة، والأسوأ، بل  والأخطر من ذلك، لم تستطع أن تكبح جماح تيارات التخلف والسلفية التي تنهش في ربيع وشباب هذا المجتمع، والتي شكلت الصورة النمطية للهوية العربية، وهي هوية في أحسن حالاتها تُسبغ بالإرهاب. كما لم تستطع أن تقف بالضد من التيارات الغربية المشّوهة للهوية العربية. 

هذا هو الوضع الحالي بدون رتوش وإذا كنّا جادين في الرد على هكذا مجتمعات، فانا مؤمن بأن الرد يجب أن لايكون بأرقام الدخل القومي الإجمالي بل أن نحوّل هذا القياس على إمتداد المنطقة العربية الى قياس مجموع الإرث الثقافي القومي وهو تراكم الإرث الثقافي على إمتداد التاريخ ورفده من ثقافة الحاضر بما يزيده ألقاً وثراء. وثقافة الحاضر هي قلب الإستراتيجية الثقافية العربية التي ندعو المثقفين العرب الى رفدها بما يخدم صياغتها النهائية أو نقدها بشكل يُبيح لنا إعادة النظر بما نحن مقدمين عليه.

إن الهدف الأساسي للإستراتيجية الثقافية، كما أشرت سابقاً، هو الوقوف بوجه إنتشار الفكر الظلامي السلفي وضد كافة التيارات الفكرية الداعية للإرهاب. فإذا كان الإرهاب مشكلة عالمية تنهش الحريات في الدول المتقدمة وتقضم، شيئاً فشيئاً، أُسس العدالة فيها، فإن هذه الدول ذاتها، ومجتمعاتها تنظر الى المنطقة العربية، كجغرافية وكمجتمع، بإعتبارها مُنتج للإرهاب. فالفكر الإرهابي  الذي غزا المنطقة العربية، بمختلف أشكال الدعم الخارجي، يمثل أحد أسلحة الدمار الشامل في العودة بالمجتمعات وبالتاريخ الى قرون مضت. وليس هناك أدنى شك في ان الثقافة هي أفضل الأسلحة الناعمة وأمضاها ضد الإرهاب. لإن الثقافة تستطيع من خلال جوانبها المتعددة مثل الآداب والفنون، وغير ذلك، ان تؤدي دوراً حاسماً في منع نشوء “العقلية الإرهابية” والقضاء على مايسمى ثقافة العنف والإرهاب، وتهيئة الفضاء الحرّ الداعي الى التسامح والحوار والتفاهم والاحترام وإعادة صياغة الهوية العربية بما يتناسق والقيم الفكرية والأخلاقية لهذه الثقافة. 

ولعل من المناسب التنويه بان الثقافة ذاتها يمكن أن تكون ضحية وهدفاً أساسياً للإرهاب من خلال تدمير المعابد التاريخية، وتدمير الآثار الإنسانية التي شكلت تاريخ الأمم وبالتالي تاريخ العالم. وختاماً، فإن ثقافة منفتحة وحرة وحداثية ومنحازة الى الانسان والى قيم أخلاقية رفيعة يمكن ان تكون عنصراً موحداً وقوياً، داخل المجتمع، في منع التطرّف والعنف وفي توطيد السلام وتعزيز الشعور بالإنتماء للوطن، كما تدعم وتعزز التنوع الثقافي الذي يجعل المجتمعات اكثر توحداً وشمولاً وسلام، وتعيد إنتاج الهوية العربية بما يتناغم وأسس ومعايير هذه الثقافة.      

شاهد أيضاً

بينها مُدن عربية.. مناطق على الأرض أصبحت أشد حرارةً من أن يعيش عليها البشر

عاماً بعد عام تزداد موجات الحر التي تضرب العالم؛ لتصل درجات الحرارة إلى أرقام قياسيّة، …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: