' rel='stylesheet' type='text/css'>

نجم جزائري يخط مجده بأقلام المعاناة والتهميش.. يوسف بلايلي من مستنقع الكوكايين إلى أضواء النجومية

نجم جزائري يخط مجده بأقلام المعاناة والتهميش.. يوسف بلايلي من مستنقع الكوكايين إلى أضواء النجومية
بلايلي لم يكن أحد يتوقع له أن يصبح لاعبا "عالميا"، بمشاركته في كأس العرب وتتويجه باللقب العربي

صابر بليدي


صحافي جزائري


لأنه من بيئة فقيرة تقيم بحي شعبي في مدينة وهران، لم يكن مساره نحو النجومية مرناً ولا سلسا، فقد تعثر أكثر من مرة، وكاد أن يختفي من المشهد تماما، لولا إرادته وعزيمته وشغفه بلعبة كرة القدم. فرغم أنه أبهر منذ صغره العارفين بفنياتها، ونال تزكية أسطورة كرة القدم الجزائرية لخضر بلومي ليكون خليفته، إلا أن يوسف بلايلي قضى عامين في ذروة سن الشباب بعيدا عن الميادين والنوادي بسبب العقوبة التي سلطت عليه لتعاطيه الكوكايين.

سيناريو تراجيدي

خلال فحص روتيني للجنة محاربة المخدرات التابعة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم العام 2015، في لقاء جمع بين مولودية العلمة واتحاد العاصمة برسم المنافسة القارية، تم اكتشاف تناول بلايلي لمادة الكوكايين، وهو ما أوقعه تحت طائلة العقوبات الناظمة التي أصدرت في حقه قراراً بالفصل من ممارسة اللعبة لمدة أربعة أعوام.

نجم الجزائر الصاعد ينتظر هوية النادي الأوروبي الذي سيتعاقد معه، يشده الطموح إلى التتويج بالنجمة الثالثة مع المنتخب الجزائري الذي سيشارك في كأس أفريقيا بالكاميرون في يناير الجاري

نجم المنتخب الجزائري حاليا دخل آنذاك في سيناريو تراجيدي، خاصة حين حزم حقائبه من نادي اتحاد العاصمة بعدما فسخ العقد المبرم بينهما، وأثيرت حوله الكثير من التعليقات والأقاويل إلى درجة التشفي، لاسيما وأن الفعل أساء كثيرا لصورته وللعبة وللدوري الجزائري، ولم يجد إلا القليل من الذين تضامنوا معه وآمنوا بقدراته على الخروج من المستنقع.

بلايلي الشغوف باللعبة منذ ولادته وصاحب الموهبة الكبيرة وجد نفسه من لاعب صاعد في الدوري الجزائري وفي أحد أعرق النوادي المحلية يمارس هوايته في الشوارع والأحياء بمدينة وهران، وأمام أعين رفاقه وأساطير اللعبة في مشاهد استعراضية يغمرها الأسى والأسف على مصير الموهبة الكروية الأولى في البلاد.

ولأن التحديات الكبرى تصنع في رحم المعاناة، فإن إرادة وعزيمة الرجل كانتا سلاحا قويا للخروج من المستنقع ومن الضياع، وبفضل تضحياته وتضحيات المقربين منه، أعاد اللاعب طرح ملفه مجددا مستعينا بكونه تعرض لفعل كيدي، واضطرت العائلة لبيع كل شيء من أجل دفع أتعاب محام تونسي طعن في القرار لدى الهيئات الكروية الدولية، واستطاع تقليص مدة العقوبة من أربعة أعوام إلى عامين، وصنعت عودة اللاعب من جديد إلى الميادين وإلى المنتخب أفراح الأنصار في تونس والجزائر خاصة بعد دعوته من طرف المدرب الوطني جمال بلماضي لتقمص ألوان المنتخب العام 2019، حيث توج حينها باللقب الأفريقي، وكررها مؤخرا بالتتويج باللقب العربي المنتظم مؤخرا في دولة قطر.

لا أحد كان يظن أن بلايلي بمشاركته في كأس العرب وتتويجه باللقب العربي سيصبح لاعبا “عالميا”، خاصة بعد إمضائه لهدف رائع أمام المنتخب المغربي، أخرج به الجماهير الجزائرية إلى الشوارع، ليصبح حديث الصحافة العالمية التي اعتبرته معجزة كروية وبإمكانه ارتداء ألوان أي فريق أوروبي ومزاملة أحسن اللاعبين في العالم.

عاشور العاشر

المقربون من بلايلي يقولون إن اللاعب لم يحظَ بالحماية الكافية من اتحاد الكرة الذي تعمّد تدميره

قصة الدولي الجزائري أو “عاشور العاشر” كما يحلو للأنصار تسميته، قد تصبح يوما فيلما سينمائيا، قياسا بما عاناه في صغره وشبابه، قبل أن يتحول إلى النجم الأول في الجزائر، وإلى ساحر الجزائريين من كل الأعمار بمن فيهم تلك العجوز التي خرجت تحتفل في شوارع العاصمة، وتعهدت لأشبال مجيد بوقرة بـ”قصعة من الكسكس ودجاجة لبلايلي لوحده إذا توجوا بالكأس العربية”.

“عاشور العاشر” هو عنوان سلسلة درامية فكاهية هادفة، أدى فيها الفنان القدير صالح أوقروت دور البطولة خلال سنوات ماضية، لكن رسائلها السياسية الهزلية كانت عميقة، ولذلك ألبس الجمهور ثوب حاكم المملكة العاشورية لبلايلي بالنظر إلى ما تقاسمه مع أوقروت من إسعاد المشاهدين وتحقيق المتعة لهم سواء على الشاشة أو المستطيل الأخضر.

“قصعة الكسكس والدجاجة” هي واحدة من المحفزات التي شحذت أشبال بوقرة، وجعلت بلايلي يكتب ملحمة كروية جديدة بتجاوز أعرق المنتخبات العربية على غرار مصر والمغرب وقطر وتونس، والتتويج لأول مرة بالكأس العربية، فتعم الأفراح والاحتفالات في ربوع الجمهورية، رغم ما تمر به البلاد من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، ورد عليها عبر وسائل الإعلام قبل النهائي “حضري الكسكس والدجاجة أنا قادم”، لحدسه بأن المنتخب سيحقق الإنجاز.

ورغم أنه من مواليد مدينة وهران بغرب البلاد، ورغم الطاقات التي يمتلكها، إلا أن أكبر نوادي المدينة رفض إدراجه في الفئات الشبانية لأسباب مجهولة، ويذكر مدرّبه الأول عزيز عباس أنه أول من رقّاه من فئة الآمال إلى الأكابر بنادي برج بوعريريج خلال الموسم 2009 – 2010.

النقاد الكرويون يشهدون أن مستوى بلايلي تطور كثيرا، وأصبح قطعة أساسية في المنتخب، وأنه يستطيع اللعب في أي فريق عالمي، فمستواه متقارب مع لاعبين كبار على غرار نيمار وميسي

وقال عباس في هذا الشأن إن “بلومي هو من جلبه إلى البرج، وما دام قد جاء من طرف أيقونة الكرة الجزائرية، فهو لاعب له إمكانيات كبيرة، خاصة وأنه اعتبره خليفته، ومن هناك بدأت انطلاقته الحقيقة من نادي برج بوعريريج، ليعود بعدها إلى مولودية وهران التي لعبها لها موسمين كاملين، ثم انتقل بعدها إلى الترجي التونسي الذي لعب له موسمين كاملين، ليعود إلى الجزائر، ويحط الرحال باتحاد العاصمة”.

يقول النقاد إن مسيرة النجم الجزائري تميزت بعد الاستقرار والتذبذب قبل عودته من العقوبة، وحمّلت المسؤولية لمحيطه الذي لم يحسن تكوينه واستثمار قدراته الخارقة، ولذلك تراوح النجم بين مراحل متباينة، قبل أن يستقر به المقام في صدارة محاربي الصحراء ويتوجه إلى الاحتراف في أوروبا خلال الميركاتو الشتوي الحالي.

إلا أن المقربين منه والمعجبين بفنياته لهم رأي آخر، وهو أن اللاعب لم يحظَ بالحماية الكافية من اتحاد الكرة الذي تعمد تدميره بمضاعفة العقوبة إلى أربع سنوات، على عكس ما ينص عليه القانون في حالته، فقد كان ضحية معركة كسر العظم بين رئيس اتحاد الكرة آنذاك محمد روراوة، ورئيس نادي اتحاد العاصمة علي حداد، فالخلاف بين الرجلين دفع ثمنه اللاعب الموهوب.

ويضيف هؤلاء أن الإصرار على تحطيم بلايلي كان لأسبابٍ تسويقية لها علاقة بالفساد الرياضي في الجزائر، كما يقول عميد رؤساء أندية كرة القدم الجزائرية عبدالمجيد
ياحي الذي يضيف أن رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم السابق محمد روراوة لم يساعد اللاعب لتفادي العقوبة، وحاول تحطيمه، لأنه لا يتماشى مع خطته التسويقية المعتمِدة على لاعبين أجانب.

ولأن المحن تصنع الرجال، فقد قالها صراحة إن “يوسف قبل العقوبة ليس هو يوسف بعدها”، في رسالة تنم عن استخلاصه العبرة من ماضيه، وصرح “قطعت وعدا على نفسي أن أحقق بطولة أفريقيا مع الترجي التونسي والمنتخب الجزائري”.

وقبل شهرين من انتهاء عقوبته العام 2017، تواصل مع رئيس نادي أنجيه الفرنسي المنحدر من أصول جزائرية سعيد شعبان، وغادر إلى فرنسا. لكنه لم يتأقلم فعاد إلى الترجي الرياضي التونسي العام 2018. وهناك عاد اسم يوسف إلى التألق، ولا شك في أنه لن ينسى أبدا لحظاته مع الفريق التونسي، لأنه عاد إلى منصات التتويج، حيث حقّق لقب الدوري التونسي، وذهب أبعد من ذلك بتحقيقه للقبين في دوري أبطال أفريقيا؛ الأول في عام 2018 والثاني في موسم 2018 – 2019، ليغادر تونس مرصّعا بالذهب إلى الأهلي السعودي، ومن ثم ينضم إلى قطر القطري.

تألق بلا حدود

بلايلي لم يكن أحد يتوقع له أن يصبح لاعبا “عالميا”، بمشاركته في كأس العرب وتتويجه باللقب العربي

أحد المقربين من بلايلي كشف بأنه “لما كان يوسف معاقبا، وأثناء تواجد جمال بلماضي في عطلة بوهران حضر في دورة كروية شارك فيها بلايلي ليتفاجأ بإمكانياته الكبيرة إلى درجة أنه قال لمقربيه يومها إن هذا اللاعب يستطيع أن يلعب لأحسن الأندية الأوروبية، ولا بد من أن يعود إلى الميادين، بدليل أنه مباشرة بعد قدومه إلى الخضر اتصل به وأكد له حاجته إلى خدماته والعودة إلى مستواه المعهود، وهو ما حصل فعلا ليصبح بين عشية وضحاها أحد اللاعبين الأساسيين، وأزاح حتى ياسين براهيمي من التشكيلة الأساسية، وأصبح هدافا تارة وممررا تارة أخرى، وحتى مدافعا بطلب من مدربه بلماضي الذي أعاده إلى الواجهة.

ومن رحم المعاناة بدأ مسلسل المجد، فبعد إنجازات الترجي التونسي، تلقى بلايلي دعوة بلماضي قبل خوض منافسات كأس أفريقيا العام 2019، فكان للرجل دور كبير في تتويج منتخب بلاده بكأس أفريقيا، وكان أحد أحسن اللاعبين الجزائريين بشهادة الجميع وخاصة بلماضي الذي منحه مجالا للحرية في الملعب بسبب إمكانياته الكبيرة، ما جعله يحصد في العام 2020 جائزة أفضل لاعب أفريقي داخل القارة، خلال حفل جوائز الأفضل في أفريقيا الذي أقيم في مدينة الغردقة بمصر، متفوقا على النجم طارق حامد لاعب وسط الزمالك، والتونسي أنيس البدري نجم الترجي، وثاني أحسن لاعب في كأس العرب بعد المتألق ياسين براهيمي.

وفي التصفيات المؤهلة إلى المونديال القطري، كان قطعة أساسية في تشكيلة بلماضي، حيث كان العقل المدبر للتشكيلة، وهو الذي يفك الشيفرة في مرات عديدة، خاصة وأنه يسمع بشغف نصائح مدربه بلماضي وقائده رياض محرز.

الجمهور الجزائري يلبس ثوب حاكم المملكة العاشورية لبلايلي بالنظر إلى ما تقاسمه مع الفنان صالح أوقروت من إسعاد المشاهدين وتحقيق المتعة لهم

ويقول نقاد كرويون إن مستوى بلايلي تطور كثيرا، وأصبح قطعة أساسية في المنتخب، وأنه يستطيع اللعب في أي فريق عالمي، ومستواه متقارب مع لاعبين كبار على غرار نيمار وميسي، فهو يفعل ما يريد بالكرة، إنه لاعب مهاري يستطيع إيجاد حلول أثناء تواجد المنتخب أمام صعوبات أثناء اللقاءات.

أما الدولي السابق بلال دزيري فيقول عنه “كنت أقول عنه منذ أن كان في اتحاد العاصمة إن إمكانياته كبيرة جدا، ويستطيع أن يلعب في أي فريق كان، وما قام به في كأس العرب والهدف الذي سجله أمام المغرب دليل على ما أقول، وأنتظر منه الكثير خاصة في كأس العالم، وفي اللقاء الفاصل المؤهل إلى نهائيات كأس العالم بقطر 2022”.

أما نجم الثمانينات علي فرقاني فيرى أن بلايلي لاعب موهوب يستطيع التسجيل في أي فرصة تتاح له، مثلما حدث أمام المغرب، ويضيف “تنبأت بأنه سيكون وراء الفوز، لأنه يحب التحدي الذي اكتسبه من التجارب الكروية التي عاشها، وهو ما منحه القوة ليكون دائما في المستوى”.

وفيما ينتظر نجم الجزائر الصاعد هوية النادي الأوروبي الذي سيتعاقد معه، يشده الطموح إلى التتويج بالنجمة الثالثة مع المنتخب الجزائري الذي سيشارك في كأس أفريقيا بالكاميرون بداية من التاسع من يناير الجاري، حيث أكد في كل التصريحات الصحافية أن الجمهور الجزائري وراء تألقه وسيعمل كل ما في وسعه للظفر بالتاج الأفريقي والتحضير بجد لمباراة الفصل المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم القادمة.


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: