' rel='stylesheet' type='text/css'>

مَسارَحُ اللَّيلِ

مَسارَحُ اللَّيلِ

(سطور من كتابي ؛ ” صديقتي النملة”)..

بغداد – علي الجنابي – صوت العرب 

 أزفَ الليلُ..
أزِفَ فَطَمَسَ بجِلبابِهِ كلَّ كبرياء تَتَمَطّى، فأسكَتَ شِعرَ قصائِدها، وأسبَتَ نثرَ جرائدِها،
ودعسَ بحِجابِهِ كلَّ خُيلاءَ تَتَخَطّى، فأكبَتَ بذرَ مكائدها، وأخبَتَ جذرَ حقائدها.

قد كنسَ الدُّجى تَصَعُّرَِ الخُدودِ بسَبتٍ قاهرٍغَشّاها، فباتَ سَواءٌ فيها واليها ومولاها، مُتَعافيها ومُبتلاها،
فلا فضلَ لنفسٍ على نفسٍ، إذ الوِسَادَةُ باسِطةٌ يدها بِطَغواها، وإذ الأرواحٌ مُنسَلِخَةٌ من أهوائِها ومَداها، ومن أجوائِها وصداها.
جثثٌ هامدةٌ، وكلُّ جثّةٍ فاغرةٌ بسذاجةٍ فاها، لتكونَ مسرحاً لهوامِ الليلِ وسحاياها، المَرئيّ من عظاياها، والمِجهريّ من خفاياها، لتسرحَ الهَوامُ كما يشاءُ مزاجُها وتشاءُ نواياها.

لكأنَّ الأفواهَ مسارحٌ لهَوامِ اللَّيل، ولكأنَّ المرءَ ماهو إلّا فاهٌ محمولٌ مُسخَّرٌ لبلاياها؟ ثم تراهُ يأتيها صاغِراً كدَكَّةٍ لرقصِها وعَزفِها ورَزاياها، رغم أنّهُ وللتوِّ قضى نهارَهُ، يصولُ في تفسيرِ المَسائِلِ وفي تسخيرها، ويجولُ في تبرير الدلائِلِ وفي تزويرِها. وهاهوَ ذا أمسى غثاءً مُتَفقِّعٍاً من شَخيرٍ، وهَبَاءً مُتَقطِّعٍاً من زَفيرٍ، ويَستوي في ذلك الشّخيرِ الزّعيمُ في قصرهِ والحالِمُ الفقيرُ، ويستوي في ذلك 
الزّفير الفَاجرُ في قعرِهِ والعالِمُ البَصيرُ.
كلُّ فاهٍ يَشخرُ،
وفي كلِّ فيهٍ فيهِ هوامُ اللَّيلِ تَمخُرُ،
لتُبَتِّكَ في أبوابهِ مَليحَ  إزرارِها، وتُفَكِّكَ بأنيابِها فسيحَ أكوارِها، وتُهَتِّكَ بين طيّاتِ لِسانيّهِ “صَريحَ أسرارِها” و”قبيحَ أوزارِها”، مُطلِقَةً هَزَّها وأزَّها والصَّفير.

لكنَّ جلبابَ اللَّيلِ له حِجابٌ آخرُ غير. 
حجابٌ من رُضابٍ في فَرْشٍ عفيف، وقولٍ شريفٍ لطيفٍ، ومُغدِقَة نَفَحاتُهُ في فضاءٍ كفيفٍ أليف، تُشِعِرُ العابدَ أنّهُ وحدهُ ولا خَلْقَ غيرَهُ عند معبودهِ المُضيف، فَتراهُ عَوّاماً بلا تَجديف، لَوّامَاً بلا تَخويف، حاضرة نبضاتُهُ إذ يُناجي معبودَهُ، فيُبادلُهُ معبودُهُ النّجوى وليفاً لوليف.

إنّكَ يا ليلُ لصادق الوعدِ فلا تستأخرُ ميقاتَكَ طَرفَةَ عينٍ، فلا فتورَ ولا تسويف، ولاتستقدمُهُ طَمعاً في غايةٍ أو تحريف, ثمَّ وليأتيَ الفجرُ يطلبُكَ حثيثاً لايسابقُكَ في تكليف، فكلاكما في فَلَكٍ تسبحانَ بتقديرٍ مُذهلٍ وتَصريف.

وأيا ليل! هاهو الفَجرُ قد غَمَزَ بخيطِ حاجبهِ من حُضنِكَ متَرَسِّمَاً بتَلْهِيج، ومتَبَسَّمَاً بسَجيّةٍ شَجيّةٍ كأنّهُ رضيعٌ في حُضنِ أمّهِ يتَبَسَّمُ بتَدريج، ومتَنَسَّمَاً من عَبقِ حنانٍ ودودٍ وشيج. ومُتَجَسِّماً بعطرٍ تَغارُ منهُ بقيّةُ ساعاتِ اليومِ ودقائقُهُ لما فيهِ من مزيجٍ بهيج. عطرٌ غَمَزَ ليَلمِزَ أنَّهُ ولادةٌ لأمَلٍ حاملٍ لأريج، وغَمَزَ ليَرمزَ أنَّهُ إعادةٌ لعَمَلٍ كافِلٍ وحُبُكٍ من نسيج.

وهُسْ ياليل! ف
الفجرُ الرضيعُ متَوَسَّمٌ لإستقبالٍ له من الأنامِ حافلٍ وبهيجٍ، مابينَ عجيجٍ وحجيج. وماعلِمَ أنَّ غَمَزَاتَهُ بارت وباتَت إثنانِ وحسب بها مُتَوَلِّعَان، وإثنانِ منها مُتَقَلَّعَان من القَومِ:
فأمّا المُتَوَلِّعانِ؛ فرفيقُهُ الدّيكُ المُتَرَنمُّ بتغريدةِ الفجرِ والقاهرُ للنّوْم، أبداً اليومَ وكلَّ يَوْم. ثمّ شيخٌ بهِ مُتَوَلِّعٌ ويتهادى بالبدرِ الى مسجدهِ لصلوةٍ، ورُبَما نافلة من صَوْم.

وأمّا المُتَقَلِّعانِ؛ فخَمَّارٌ مُتَقَلِّعٌ مُتَسَكِّعٌ خَرَجَ لِتَوِّهِ من خمّارةٍ، يَتَنادى بِسُوءِ لفظٍ، وبخربشاتِ من لَوْم.

وأمّا رابعهُمُ..

فذلكَ صَبيٌّ (يتيمٌ) 
مُتَوشِحٌ رأسُهُ كيسَ وبرٍ فارغٍ كأنَّهُ له قاربُ عَوْم، ليَتَفادى كلَّ فُجاءةٍ فجريةٍ وحَوْم، إذ هو مُبكرٌ إلى سوقِ الخضرِ وذلك دأبُهُ كلّ يوم. ولئن…

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: