موريتانيا وتحدّيات ما بعد التداول السلمي للسلطة - صوت العرب اونلاين ' rel='stylesheet' type='text/css'>
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أخبار افريقيا / موريتانيا وتحدّيات ما بعد التداول السلمي للسلطة

موريتانيا وتحدّيات ما بعد التداول السلمي للسلطة

*د.عبد الحسين شعبان .

صوت العرب : بيروت.

كان يوم الأول من أغسطس (آب) الماضي مميّزاً في موريتانيا، فلأول مرّة منذ استقلالها  في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1960 يتم فيها تداول السلطة سلمياً، وفي أجواء احتفالية تسلّم الرئيس محمد ولِدْ الشيخ الغزواني مقاليد الأمور من سلفه الرئيس المنتخب محمد ولِدْ عبد العزيز. وعلى الرغم من التنافس الحاد الذي شهدته الانتخابات، إلّا أن الهدوء الذي أعقبها كان الإشارة الأولى إلى أجواء القبول بالنتائج للممارسة الديمقراطية، وهو أحد الظواهر الإيجابية الجديدة في الحياة السياسية الموريتانية، حيث كانت المراحل السابقة تتّسم بردود أفعال حادة، وتتّجه إلى الانقلابات العسكرية، خصوصاً حين يتم التضييق على المعارضة.

جاء ولِدْ الغزواني من خلفية عسكرية وتدرّج في العمل الوظيفي وصولاً إلى المواقع العليا، وهو وإنْ ساهم في وضع حدّ للحكم المترهّل للرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، إلّا أن المهمات التي تولّاها كانت تنفيذية، سواء في فترة حكم العقيد ولِدْ محمد فال  مدير الأمن الوطني لنحو عقدين من الزمان والذي تولّى السلطة لنحو عام واحد، أو في فترة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، ولاحقاً في فترة حكم صديقه الحميم محمد ولد عبد العزيز التي دامت عشرة سنوات، الذي درس معه في كلية مكناس العسكرية بالمغرب.

كان الخطاب الأول الذي ألقاه الرئيس ولِدْ الغزواني تطمينياً وموحّداً وجامعاً لجهة تركيزه على ثلاثة أبعاد لعملية التحوّل الديمقراطي في إطار برنامج وطني عام وشامل وهي: المواطنة والتنمية والإدارة الرشيدة، وذلك ضمن تأكيده على تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي المجتمعي لجميع التكوينات.

واكتسب ولد الغزواني خبرة جيدة وطويلة من خلال مواقعه التنفيذية المتقدّمة، وقد جعلت منه هذه الخبرة المتراكمة مراقباً وراصداً لخريطة الحكم وعلى معرفة تفصيلية بتضاريسه ومنعرجاته، ناهيك عن وعورة بعض دروبه، وحين انتقل إلى الموقع الأول بصورة سلسة وسلمية، حرص على تنمية الأجواء الإيجابية وروح المصالحة.

فما أن انتهت الانتخابات حتى كانت البيئة السياسية أكثر انسجاماً  ولغة الحوار أوفر حظاً، واتّضح ذلك من الترحيب بالرئيس الجديد، الذي يحمل في إرثه جوانب إيجابية قويّة: أولها– تربيته الدينية ومكانة عائلته التي تتبّع الطريقة الصوفية ذات الأبعاد الزهدية التواضعية والممتد إشعاعها الروحي قروناً عديدة من الزمان ، وهو ما أكسبه ثقافة وحكمة ، فضلاً عن حبّ قيم العمل والتواصل مع الآخر، وهو ما ساعده على التفاعل مع المعارضة التي انفتحت عليه هي الأخرى، وكأن بهذا التفاعل يُراد إلى تأسيس عقد اجتماعي في المرحلة الانتقالية الجديدة تمنحه تفويضاً يعمل على ضوئه، مثلما حصل على تأييد ودعم المجتمع الدولي لتنفيذ برنامجه الحكومي وإحداث التنمية المنشودة والمواطنة الحيوية والإدارة الرشيدة، خصوصاً بتوسيع  دائرة الحريات وفضاء الحوار.

وثانيها- تكوينه العسكري وقيادته للجيش في فترة عصيبة وسعيه لعصرنته وتحديثه وتسليحه، إضافة إلى نجاحه في مواجهته للإرهاب والتصدي للجماعات الإرهابية وطردها خارج البلاد، على الرغم من الحدود الشاسعة التي تمتلكها موريتانيا.

وقد تمتع ولِدْ الغزواني بطول نفس ومرونة عالية في التعاطي مع القوى والحركات السياسية والانفتاح على الآخر ولقاءاته مع قيادات المعارضة، وخصوصاً إعلانه “أن زمن المواجهات قد ولّى”، وأن “بابه  سيبقى مفتوحاً للتشاور”، وذلك في إطار سعيه لإشاعة جو من الثقة والأمل بدعواته للمصالحة الوطنية، ما وجدت فيه المعارضة أو قسم كبير منها توجهاً إيجابياً.

لكنّ ثمة تحديّات عديدة تواجهها موريتانيا والرئيس ولِدْ الغزواني، ولعلّ أهمها يتلخّص بالفساد المالي والإداري الذي استشرى في البلاد على نحو شديد، الأمر الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وحثيثة لمكافحته ومحاسبة الفاسدين، لاسيّما الرؤوس الكبيرة والقوى المتنفذة ، وذلك يتطلّب إرساء المؤسسات من خلال تعزيز دور الدولة والإدارة وإعلاء شأن “حكم القانون” وجعله المرجعية الأساسية التي تعلو على جميع المرجعيات، حيث ينبغي أن يخضع له الحاكم والمحكوم، فالقانون وفقاً لمونتسكيو هو “مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً”.

أما التحدي الآخر فيتعلق بتعزيز الحرّيات واحترام حقوق الإنسان، وذلك من خلال تطوير منظومة القضاء وأجهزة إنفاذ القانون وإصلاح الأجهزة الأمنية.

وعلى الجبهة الاقتصادية والاجتماعية ، فلا بدّ من إيجاد فرص عمل للعاطلين والحدّ من ظاهرة البطالة وتشجيع القطاع الخاص، وإعادة النظر في أنظمة التعليم والتربية وتحسين الخدمات الصحية والشروع بإقامة مشاريع أساسية، وهذا يحتاج إلى بنية تحتية متطورة تستطيع مواكبة المتغيّرات الدولية، خصوصاً إمكانية استثمار حقول الغاز، حيث يمكن أن تكون موريتانيا أغنى الدول الإفريقية، بل من أغنى الدول العربية، كما يوجد فيها الذهب واليورانيوم ومعادن أخرى.

وبعد كل ذلك فهناك مثل يقول: إن موريتانيا يمكن أن تُدار بالحكمة وليس بالثروة وحدها، والحكمة ثروة كبرى لا تضاهى، إذْ أنّ تحقيق نجاحات تنموية ستعوّض الشعب الموريتاني ما عاناه من فقر وفاقة وتخلّف جرّاء الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية وسوء الإدارة واستشراء الفساد.

*أكاديمي ومفكر عراقي.  

تعليقات من فيسبوك

شاهد أيضاً

“تخفيف قيود الاختلاط” .. مطاعم السعودية لم تعد ملزمة بمدخَلين منفصلين للرجال والنساء

الرياض – صوت العرب – وكالات – أعلنت السلطات السعودية الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول 2019، …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم