' rel='stylesheet' type='text/css'>

كلمة “د.خالد شوكات”.. في افتتاح الندوة العربية المنعقدة بمدينة المنستير يومي السبت والأحد 23 و24 نوفمبر 2019، حول : ” محمد مزالي: المشروع الحضاري الوطني في بعده العربي الإسلامي”.

 

صوت العرب : تونس.


أصحاب المعالي الوزراء ،أصحاب السعادة السفراء،الأساتذة الأجلاء.
الحضور الكريم .


إنه لشرف عظيم لنا جميعا أن نشارك في إقامة هذه الندوة الفكرية العربية، وفاء لذكرى الراحل الأستاذ محمد مزالي، رائد الفكر الوطني في بعده العربي الإسلامي، الحاكم الأمين صاحب المشروع الحضاري الإنساني، والابن البار لهذه المدينة العظيمة “المنستير”، والتلميذ النجيب لخالد الذكر الزعيم الحبيب بورقيبة.


إن المعهد العربي للديمقراطية ينظر للاستاذ محمد مزالي باعتباره عَلَماً من أعلام الحركة الديمقراطية العربية، ذلك أنه من أوائل من كتبوا تبشيرا بها، كما أنه من أوائل حكام المنطقة العربية الذين سعوا جدّيا لتنزيل أفكارهم في التعددية والحريّة إلى أرض الواقع، رغم إكراهات هذا الواقع وتحدّياته الكثيرة وعقباته الجمّة.


لقد كان الاستاذ محمد مزالي – الذي اصبح رئيسا للوزراء بمحض الصدفة ذات يوم من سنة 1980 عندما ألم بسلفه المرض- هو من أقنع الزعيم بورقيبة بضرورة إضفاء جرعة من التعددية على المشهد السياسي المتأزّم، وبالتالي اتاحة الفرصة للمعارضة للمشاركة في الانتخابات وإدارة الشأن العام، وعلى الرغم من تعثّر التجربة الانتخابية لسنة 1981، إِلَّا أن بذرة التغيير بقيت عالقة في الأرض التونسية، وعلى أساسها تبنى تجارب التعدّديّة اللاحقة.


ان زمن الأستاذ محمد مزالي كرئيس للوزراء بين 1980 و 1986، كان سنوات التحوّلات العميقة التي تزعزع أركان المنطقة والعالم، حيث عاشت تونس انفتاحا سياسيا غير مسبوق، تأسست من خلاله عشرات العناوين الصحفية، وتحرر النشطاء الحقوقيين والنقابيين من كثير من القيود، وعبّر المجتمع المدني عن أشواقه في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.


لم يكن الاستاذ محمد مزالي مطلق اليدين في السلطة، ولا كان الرجل الأول في البلاد، في ظل وجود زعيم كبير واستثنائي في حجم الحبيب بورقيبة، ولكنّه حاول وهو يرأس الحكومة أن يكون حاكماً صاحب مشروع حضاري وطني يعمل على استكمال الاستقلال، ومن هنا طرحه رؤية اصلاحية متعددة الأبعاد، فقد تحرّك الرجل في كل الاتجاهات، في الداخل عبر زياراته الميدانية لجميع ولايات الجمهورية، وفي الخارج من خلال تواصله مع محيطه العربي الاسلامي النوعي، وانفتاحه على البعد الأفرو-آسيوي خاصّة، ولعلّ كل ما يوصي به خبراء التنمية اليوم، نجد له أثرًا في مسيرة الاستاذ الحافلة بالمنجزات.


لم يخن الاستاذ محمد مزالي مرجعيته الفكرية المتشبّثة بهوية بلاده العربية الاسلامية، كما لم يخن الحاكم “المفكر” و”المثقف” الذي بداخله، وظلّ إلى إلى جانب رئاسته للحكومة، مديراً مسؤولا عن مجلّته “الفكر” التي صدرت بانتظام كما لم تصدر أي مجلّة شهرية تونسية أخرى طيلة واحد وثلاثين عاماً بشكل منتظم، وكانت خير سفير لتونس لدى شعوب الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.


توجد مباحث كثيرة تحتاج جهود الباحثين في فكّرَ الأستاذ محمد مزالي وسيرته النضالية والوزارية المديدة، مشروعه الديمقراطي ورؤيته للهوية ومفهومه للتنمية ونظرته لاستكمال الاستقلال وصلاته بالعالم العربي الإسلامي وجولاته الافريقية والاسيوية، وإصداراته الأدبية والفكرية، وعلاقاته الانسانية، وأطروحاته التربوية. لقد كان شخصية متعددة المواهب والاهتمامات، فقد كان سياسيا ومثقفا و أديبا ومفكرا ورياضيا..وهو نموذج لرجل الدولة الوطني ذو التكوين المعرفي المتين وصاحب اليد النظيفة المظلوم حيّاً وميّتاً.


لقد كان لي شرف صحبة الاستاذ محمد مزالي ومرافقته والسفر معه طيلة السنوات العشر الأخيرة من حياته المديدة، وإنّني لأفخر بأنّني من تلامذته وحملة أمانته الفكرية والسياسية، وعلى قناعة تامّة بأن توجهاته الكبرى كانت في مجملها صحيحة، دون عصمته من الخطأ أو تبرئته من اجتهادات قد لا تكون صائبة وقرارات قد لا تكون في محلّها، لكن الثابت عندي إلى اليوم ومنذ ثلاثين عاما، هو ما ثبّته الاستاذ في عبارته السديدة:” نحن مسلمون ولسنا إسلاميين، و عروبيون ولسنا قوميين عرب، واجتماعيون ولسنا شيوعيين، وديمقراطيون ولسنا مستبدين”.


لقد كان الأستاذ محمد مزالي مؤمنا بالوحدة المغاربية، عاملا على تجسيدها، ومؤمنة بالتكامل العربي ساعيا إلى التمكين له، ولعل السير في شوارع العاصمة من قبّة المنزه إلى كورنيش البحيرة، ومن يسافر من بنزرت حتى بنقردان، سيقف على إنجازات هذا الرجل وآثار محاولاته الدؤوبة في التأصيل والتجديد، وفي الديمقراطية والتنمية.


لقد تمكن الاستاذ محمد مزالي عبر العقود، من ربط شبكة من العلاقات الانسانية المتينة، خصوصا مع محيطه العربي الاسلامي، عمل بكل اخلاص على توظيفها لصالح بلاده، في مسعاها للتقدم والرفعة، لكن حقائق عصره لم تتجلى في كثير منها الا بعد وفاته، كما ان حقائق مشروعه الحضاري ما تزال محجوبة في أغلبها ولم يظهر بعضها إلا بعد جهاد ومكابدة، ومن ذلك ان تنظيم هذا المؤتمر قد تعثر عدة مرّاتٍ لظروف مستجدة وبعض العقبات التي صنعها بعض البشر وساعد على تذليلها أصدقاء أعزاء أوفياء، لو لاهم ما جلسنا اليوم لنواصل حمل مشعل الفكر الوطني وعقيدة المساهمة في بناء الوطن، مصداقا لقول الراحل رحمه الله، ” ماذا سيبقى منا بعد الموت الا هذا الاثر الطيب وتلك الكتب”.


لقد غادر الاستاذ محمد مزالي أشهرا قليلة قبل الثورة هذه الدنيا الفانية، وفي قلبه كما اعلم غصَّة وحسرة، لانه كان يطمح إلى رؤية بلده مختلفا، أكثر حرية وأكثر كرامة، وأكثر أصالة واكثر معاصرة، ولكنّه ككل من يكتب سيبقى.. سيبقى في دعوته لهوية وطنية متجذرة في بعدها العربي الإسلامي، وسيبقى في دعوته لإقامة نظام ديمقراطي عصري ودولة مدنية محترمة، وسيبقى في مسعاه لتحقيق استقلال مكتمل بالتنمية العادلة والشاملة والمستدامة، وسيبقى حاضرا بيننا في ما ينتجه الكتاب والاُدباء والشعراء الذين وهاهم، كما سيبقى حاضرا في دعمه لقضية الامة العادلة، قضية فلسطين المغتصبة.


يستحق الأستاذ محمد مزالي الجهود البحثية والمداخلات العلمية الجدية التي تتضمنها أشغال هذه الندوة، فكل الشكر لمن ساهم ولو بكلمة طيبة في إنجاح هذه التظاهرة وتخليد هذه الذكرى. والسلام عليكم ورحمة الله

 

شاهد أيضاً

يضعف نفوذ حزب الله، ويضمن صعود طبقة سياسية من الحراك.. مبادرة ماكرون لقادة لبنان

صوت العرب – بعد لقائه مسؤولين لبنانيين، التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادة الأحزاب اللبنانية، …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: