' rel='stylesheet' type='text/css'>

(قَالَتْ نَمْلَةٌ)

(قَالَتْ نَمْلَةٌ)

(سطور من كتاب؛ حواري مع صديقتي النَملة)

 

علي الجنابي


تَطَوّفتُ أنا وطفتُ في لطائفَ أطيافِ أهلِ تّفسيرِ القُرآن المُبارك وبتَرتيل، وصَفَفتُ باحِثاً عن تفسيرِ(قَالَتْ نَمْلَةٌ) وما قيل فيها من تأويل، وكنتُ قد أقسمتُ جازماً في نفسي -إذ كنتُ صبيَاً- بأنَّ أمّةَ النّملِ أمّةٌ مثلُنا تتكلّمُ بتفصيل، وأنَّ اللهَ صادقُ إذ قالَ (قَالَتْ) وتركَ مادون ذلكَ من (أشارت، أوحت، أومأت،..) ومن مفرداتٍ لتمثيل، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا فيما قالهُ في محكم التنزيل، فتَأففّتُ من تعسفِ أهلِ التّأويلِ بعباراتٍ من مثلِ (هذا غيرُ مَستبعَدٍ، واللهُ تعالى قادرٌ على أن يخلقَ فيها العقلَ والنطقَ) والترتيل!

(غيرُ مستبعدٍ)! ويحَ عيني! كأنّي بكَ لستَ مؤمناً بتبجيل! وما ذاك إلا تخلخلٌ فيكَ ولقدرةِ الألهِ تقليلٌ، رغم أنك ذو تغلغلٍ في التأويل؟ ويحكَ وقد طغت عليكَ الأسبابُ وصبغةُ التحليل، فخُيِّلَ لك أن ذاك الأمرُ يستحيل! ورُبَما خشيتَ أن تُقذَفَ بتضليل وتهويل.

ولمّا تعففتُ عن تآويلهم قَففتُ أثرَ نملتي (دلدل) لتُفسِّرَ هيَ ليَ قولَ؛ (قَالَتْ نَمْلَةٌ) بتعليلٍ وتأصيلٍ وتفصيل، وهي خيرُ شاهدٍ وخيرُ دليل؛

-فأنبؤني بربِّ الكعبةِ 
يا(دِلدِلَ) عمّا يحصلُ في اروقةِ قراكُمُ التي شاركني ملكيةَ مسكني بلا إستإذانٍ ولاإستئجارٍ ولا إحراجْ؟ أم أرانيَ أنا المُحتَل لمساكنِكم وأخطُبُ فيكم بسذاجةٍ عن الإستذان والإحراجْ؟ بأيِّ لسانٍ تتبادلون من الحديث طرف، وبأيِّ بيانٍ تتجادلونَ بلجاجْ؟ أمِن أحدٍ منكم يُخبرني بإنشراحٍ ومزاجْ، ولايبخلَ عليَّ بقبسٍ من سراجْ؟ نعم، يا(دِلدِلُ) تحدّثي، هيّا وهل لي في ذا الأمرِ سواكِ من معراج؟
-أليسَ في كتابِكمُ يا سيدي تبيانٌ لكلِّ شيءٍّ، قِيَماً وعربيّاً وغير ذي إعوجاجْ: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}.

-بلى دِلدِلَ، وهوعذبُ الكَلِمِ، وما كانَ فيهِ حرفٌ من أُجاج. بل وأكرمَكم فيهِ بسورةٍ وجعلَ جنسكم لها عنواناً بسياجْ، وقال؛ {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، فهَلْ عِنْدَكِ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجيهِ ليَ نقيّاً  كالزّجاج، وكيف تسنى لنملةٍ جمعَ الحكمةِ كلِّها، فما مالت ولا غالت في العلاجْ؟ أوما تَرَينَ إنَّها في آيةٍ واحدةٍ (أحسَّت فبادرَت ونادَت ونبّهَت وأمرَت ونَهَت وأكَّدَت ونصَحَت وبالَغَت وبَيَّنَت وأنذرَت وأعذرَت ونَفَت) الظلمَ عنِ الأفواج. فقد(أحسّت) بالجيش ف(بادرت) بالتحذير،و(نادت) بياء النداء و(نبهت)بهاء التنبيه، و(أمرت)ب”أدخلوا”، و(نهت)”لا يحطمنكم”، و(أكدت) بنون التوكيد، و(نصحت)، و(بالغت)” يحطمنكم” أجمعين، و(بيّنت) الخطر، و(أنذرت)قومها، و(أعذرت) جند سليمان، و(نفت) عنهم الظلم بإستنتاجٍ وإستدراجْ. ولقد جمعت الإعجازَ البلاغيَّ كلَّهُ في عبارة رداؤها من سندس و ديباجْ ! فهل إتصالكُم بينَكمُ هو تواصلٌ (صوتيٌّ) كأفراد، أم إتصالٌ كيميائيٌّ  كما يسودُ علميّاً الإعتقاد، وأنَّ بحثاً لعالِمٍ يُدعى(هيكلنغ) رصينٍ العلمِ والإعداد، قد أثبتَ في مجلة الاهتزازات والصوت JOURNAL OF SOUND AND VIBRATION، ونشرت بحثَهُ بعدَ طولِ تجاربٍ وإجتهاد، قال فيه ؛ (عندما حَشَرتُ نملةً بينَ جدارٍ وصندوق مع تَرقُّبٍ منّي وإرصاد، وكانت في وضعٍ مُهلكٍ بإضطراد، ولَم تستطع إنقاذ نفسها لا بتقدُّمٍ ولا بإرتداد، ويقول(هيكلنغ): لقد تمكَّنْتُ من رؤية الحقيقة بيقينٍ وإعتماد؛ “إنَّ النملةَ بدأتْ تصدِرُ نبراتِ إستغاثةٍ مدوّيةٍ للإسترشاد، فأقبلَ النّملُ وأدّى مهمةَ الإنقاذِ بسرعةٍ وبرشاد”.

أعلم -يا دِلدلُ- أنّهُ كَلِمٌ إلهيٌّ معجزٌ بيانُهُ، وسؤاليَ صعبٌ ولايقدرعليه أحكم الحكماء بإنجادي. كيف تسنى  لنملةٍ أن تَفْجُرَ ثلاثةَ عشرَ شأناً في بديعِ الخطابِ بسلاسةٍ وبإتّقاد. ومارأيكِ يا دلدلَ بقولٍ (هيكلنغ): أهو لسانُ للنملِ عامةً مثل ماعندنا من لسانِ الضاد، أم إختصّت به نملةُ سُليمانَ آنئذٍ بإنفراد؟

– ياسيدي، قد بينَ هذا الأمرَ ربُّنا لكم جليّاً، فسبحانَ ربِّ النّملِ في البلاد، فعن أيٍّ (هيكلنغ) تخاطبني! وما هذا الشّكُ منكمُ وهذهِ الريبةُ منكم، وماهذا العناد!

فأمّا عن لغتِنا فلغةٌ(صوتيةً)، وهلِ لغتُكم إلا صدىً لأصواتٍ لرموز مثل الألفِ والباء والياء والضاد؟ ثمَّ إنَّ سليمانَ “تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِن قَولِها” ومعلومٌ أنَّ (القولَ) هو نطقٌ وإتصالٌ صوتيٌّ وحديثٌ وتناد. ولو كانت روائحٌ ل(فورمونات) إتصالٍ كيميائي لتَبَسَّم سليمانُ ضاحكًا من رائحةٍ كان أنفُهُ لها غيرَ مُعتاد.نعم نحنُ يا سيدي نتكلمُ “مثلما أنَّكم تنطقونَ نبرةَ التاء والثاء والحاء والخاء والقاف والكاف والصّادِ. وقد بيّنَ لكمُ ربُّكمُ ذلكمُ بقرآنٍ يُتلى على الجنِّ وعلى العباد. ولئن جهِلتُمُ أمرَ لغتنا، لتقاعسٍ حجزكم عن إستكشافٍ، وعمَّ عجزكِم في البلادِ، فلا ينبغي ولا حقَّ لكمُ أن تؤمنوا ل(هيكلنغ) وتُنكِروا تبيانَ ربِّكم ببَطَرٍ وإعتداد، وتلكمُ لعمري معرّةٌ فيكمُ كبيرةٌ قد هوَيتمُ فيها لِنَبذكمُ يقيناً بالذِّكرِ، وإيمانَاً كإيمانِ سلفِكم من الأجداد، فكنتمُ بجهلِكُمُ كفاقدٍ لجنحي الحياة: “علمَاً بإتقادِ وإيماناً بإنقيادِ “. ويا ويح جَهِلٍ فيكمُ كان لنَفْسِهِ عَدُواً، ولغَيْرِهِ لن يكونَ ذا نفعٍ وذا وِداد. وما مالَ “أبن أبي الصَّلْت” لمّا قالً:

وَقَد يَقتُلُ الجَهلَ السُؤالُ وَيَشتَفي * إِذا عايَنَ الأَمرَ المُهِمَّ المُعاينُ
وَفي البَحثِ قِدمًا وَالسُؤالُ لَذي العَمى * شِفاءٌ وأَشفى مِنهُما ما تُعاينُ
وأمّا عن بلاغةِ الآيةِ فتلك بلاغةٌ إلهيةٌ، شَعَّت ويشُّعُ وسيشُّعُ بيانُها على مدى الآماد وعلى رؤوسِ الأشهاد، سواء على أهلِ توحيدٍ منهم أوأهلِ إلحاد.

وأما عن تدفقِ الحكمةِ على لسانِ نملةِ سليمانَ: فنحنُ النّملُ يا سيدي نتحدثُ بقلوبِنا لا بأفواهنا، ولانتكلّفُ باجتهاد! 
فترى أحدَنا إن أطلقَ كلماتِهِ كانت وافيةُ الآمادِ، كافيةَ الأبعادِ.
وهل يُخطئُ إمرؤٌ جذرُ حديثِهِ من عروقِ الفؤادِ؟ 
وإن لم يكُ قولُ المرءِ بسدادِ، فلن يُشكَرَ في حضورٍ، ولن يُذكَرَ بإفتقادِ.
أنا يا سيدي أُتكلَّمُ بلهجتي وبها أسترشدُ وبها إنشادي، وكذلك الأشجار تتكلمُ، والأنهار تتكلّمُ وكذا الأعوادِ، وكذا الأقمارُ والأحجار والأطواد، وكلُّ ما خضعَت رقابُهُ لإحصاءٍ وتعداد.
كلُّ ماسَكَنَ في اللّيلِ والنّهارِ لهُ لسانُهُ، إمّا لِيُسَبِّحَ به أو قاعداً أو قائماً أو هو في الركبِ حادي، أولِيُصَبِّحَ به على بني جنسِهِ من جماعاتٍ وأفرادِ، أو لِيُقَبِّحَ به مَن بغى عليهِ بأحرفِ من تضادِ، وإنما ذؤابةُ اللسانِ في أن يُسَبِّحَ بهِ معبودَهُ حينَ أُنسِهِ بإنعقادٍ وإنقيادٍ، وحين يأسِهِ بإستنجاد وإستناد.

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}..
Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: