' rel='stylesheet' type='text/css'>

قصص صادمة من تونس .. مذكّرات تعذيب معارضي “بن علي”.. !

صوت العرب – تونس – جرّدونا من كل ملابسنا، وضربونا في أماكن حساسة من أجسادنا”، بهذه العبارة بدأ محمد الجماعي (50 عاماً)، أحد ضحايا التعذيب في عهد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، الذي أطاحت به ثورة يناير 2011.

وفي رواية تجربته المريرة  يحكي “الجماعي”، وهو ناشط سياسي في حركة “النهضة” الإسلامية المعارضة، قصته داخل أقبية التعذيب عندما كان في مطلع شبابه.

يقول الناشط: “داخل الغرف المظلمة التي لا تتسع لشخصين، تعرضت لانتهاكات فظيعة جداً؛ كالتجريد من الملابس، والضرب في أماكن حساسة، والصعق بالكهرباء، فضلاً عن الشتم والألفاظ النابية، دون ذكر لأساليب أخرى؛ حفاظاً على الكرامة الإنسانية”.

ويؤكّد “الجماعي” أنه تعرض للاختطاف عندما كان في عُمر 19 عاماً، وأنه سُجن، وعايش خلال فترة سجنه كل أساليب التعذيب والمحاصرة، كما أنه مُنع بعدها من مواصلة دراسته.

ويذكر أن محاصرته خارج السجن فاقت محاصرته داخله، حيث فُرضت عليه المراقبة اللصيقة، والمداهمات الليلية من عناصر النظام السابق.

ويتابع: “كنا ندفع كإسلاميين معارضين ضريبة كل توتر تشهده البلاد، وأحياناً التوتّر الذي تشهده الشقيقة الجزائر، رغم ذلك لم تنصفنا البلاد حتى بعد هروب جلادنا (الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي)”.

“الجماعي” ليس الوحيد، فـ”يوسف دخيلة” (73 عاماً)، عانى هو الآخر ملاحقات أمنية ومضايقات مهينة، بسبب انتمائه إلى حركة النهضة.

ويقول “دخيلة”  إنه مُنع آنذاك من الدراسة والعمل، حتى إن أبناءه تعرَّضوا للإهانة في مدارسهم، ولُقِّبوا بـ”أبناء الإخوانجي الخائن”.

ويضيف أن التعويضات المادية التي يطلبونها من الحكومة لا يمكن أن تعوض لهم العمر الذي ضاع بين مراكز الأمن، والسجون، والإهانات التي تعرضوا لها أمام عائلاتهم، ولكنهم ما زالوا ينتظرون الاعتذار وجبر الضرر المعنوي.

شهادات صادمة وجرائم

في السياق ذاته، كشف القيادي البارز في حزب النهضة التونسي “عبد الفتاح مورو”، بتاريخ 10 أكتوبر الحالي، عن شبهة في دفن جثة معارض إسلامي للنظام السابق قُتل تحت التعذيب بقنطرة (جسر) في شارع الجمهورية، بهدف طمس الجريمة.

وقال مورو، وهو محامٍ ونائب رئيس الحركة التي كانت معارِضة لنظام بن علي وظلت محظورة طيلة حكمه، إنه أدلى بشهادته عن تلك الشبهة نقلاً عن سجين سياسي آخر أمام القضاء.

وتقول شهادات متطابقة في الشارع التونسي: إنه “قُتل تحت التعذيب، لكن لم يتم الكشف عن جثته حتى بعد سقوط حكم بن علي في 2011”.

وروت والدة “فيصل بركات”، المعارض الإسلامي في عهد بن علي، قصته التي ظلت في أذهان التونسيين، عندما داهم 30 عنصراً من الحرس الوطني منزل العائلة مطلع أكتوبر 1991، لكنهم لم يجدوه فاحتجزوا شقيقه بمركز الحرس.

ولاحقاً، تم اعتقال فيصل، الذي تعرض لشتى أنواع التعذيب؛ إذ وضعوه في شكل “الدجاجة المصلية”، وهي أحد أكثر أساليب التعذيب وحشية، كما تقول والدته.

وتناوب عناصر الأمن على ضربه بالعصي على أنحاء جسمه كافة، كما تعرض لأساليب وُصفت بالوحشية، وفق ما كشفه تقرير الضحية الذي نشرته هيئة الحقيقة والكرامة (مختصة بتحقيق العدالة الانتقالية)، مؤخراً.

وصرح جمال بركات، شقيق الضحية، الذي كان موجوداً لحظة جلب شقيقه إلى مركز الحرس، بأنه كان يستمع إلى صياح واستغاثة فيصل في أثناء تعذيبه، مردداً: “اللهم إني مظلوم فانتصر.. أنا لم أفعل شيئاً! يا رب يا رب”، وذلك حتى لفظَ أنفاسه الأخيرة.

كما هزت شهادة “سامي براهم” (50 عاماً)، وهو اليوم باحثٌ في العلوم الإنسانية، خلال جلسة أذاعتها هيئة الحقيقة والكرامة مباشرة على التلفزيون الرسمي، مشاعر الكثير من التونسيين.

وروى براهم حجم المعاناة التي عاشها طيلة 8 أعوام قضاها بـ14 سجناً مختلفاً في حقبة التسعينيات، ولم يتمالك نفسه من البكاء حين توجّه بالسؤال التالي بخصوص جلاديه: “لماذا فعلوا كل ذلك؟ هل تم إجبارهم على ممارسة تلك الفظاعات؟ ما كانت غايتهم من إرغام سجين على البقاء عارياً طيلة أسبوع كامل؟ لماذا اعتدوا عليَّ جنسياً؟!”.

6200 ملف

وتُعتبر تونس، من خلال العدالة الانتقالية، أول دولة عربية تحاول الكشف عن حقيقة الجرائم التي حدثت خلال 60 سنة من حكم الرئيسين الأسبقين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. كما يعمل القضاء التونسي على التحقيق مع المجرمين وتمكين الضحايا من حقوقهم.

ودعماً لذلك، استحدث المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) هيئة الحقيقة والكرامة؛ لتسهيل عمل القضاء، والتسريع بإرساء العدالة الانتقالية في البلاد.

وبدأت الهيئة، في 17 نوفمبر 2016، عقد جلسات استماع علنية لضحايا انتهاكاتِ حقوق الإنسان في تونس، كل واحدة من تلك الروايات لا تقلّ عن الأخرى إثارة للمشاعر، ومن روايات لنساء ينتمين إلى التيار الإسلامي تعرّضن باستمرار للتعذيب والاعتداء الجنسي والحرمان الاقتصادي والتضييق الإداري.

كما استمعت إلى أمهات “شهداء” من الثورة التونسية، يحكينَ كيف مات أبناؤهن رمياً بالرصاص حينما كانوا يتظاهرون سلمياً بالمناطق المحاصَرة في الرقاب وقصرين وتالة (مناطق محرومة بالوسط التونسي)، وتونس العاصمة.

أضف إلى ذلك، أشقاء نشطاء من اليسار أو اليمين يحكون عن تزوير السلطات تقارير الطب الشرعي؛ من أجل إخفاء حقيقة وفاة أقاربهم تحت التعذيب.

وأكدت رئيسة “لجنة جبر الضرر وردّ الاعتبار” بهيئة الحقيقة والكرامة حياة الورتاني، أنّ الهيئة تلقت 6200 ملف، وأنّ الحالات الواردة إليها متشابهة، تعلَّقت أغلبها بالتعذيب، واغتصاب الرجال والنساء، والموت تحت التعذيب، والاختفاء القسري.

وأضافت الورتاني  أن بعض الانتهاكات فظيعة جداً، منها مثلاً اغتصاب الزوجة أو الأخت أو الأم أمام الضحية، مشيرةً إلى أن تأثير هذه الانتهاكات كان جسيماً جداً على نفسية الضحايا، الذين ما زالوا يعانونها إلى اليوم.

وفي شهر مارس 2018، رفض مجلس نواب الشعب تمديد مهمة هيئة الحقيقة والكرامة سنة إضافية، أي إلى حدود شهر مايو 2019، على الرغم من أن تقريرها النهائي لم يكن جاهزاً بعد. وبعد أخذ وردٍّ، من المنتظر أن تنتهي أشغال الهيئة في ديسمبر 2018، لتبقى الآلاف من الملفات عالقة.

حنان جابلي – الخليج أونلاين

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: