' rel='stylesheet' type='text/css'>

في ذكراها الـ72.. التحالف الإسرائيلي-السعودي يخطط لنكبة جديدة

ديفيد هيرست

تستعيد الذكريات السنوية أحداث الماضي، ولعلَّه يمكن التسامح معك حين تعتقد أن حدثاً وَقَعَ قبل 72 عاماً لهو من الماضي بالفعل.

ينطبق هذا على كافة الذكريات السنوية، باستثناء “النكبة”، حيث تقسيم فلسطين تحت حكم الانتداب في عام 1948 وتأسيس إسرائيل.

النكبة ليست حدثاً في الماضي، إذ يستمر نزع ملكية الأراضي والمنازل، وتحوُّل السُكَّان إلى لاجئين، تقريباً دون توقُّفٍ مذاك الوقت. إنها ليست أمراً حَدَثَ لأجدادك، بل يحدث، أو قد يحدث، لك في أيِّ وقتٍ من حياتك.

كارثة مُتكرِّرة 

بالنسبة للفلسطينيين، تُعَدُّ النكبة كارثةً مُتكرِّرة، فقد هُجِّرَ 750 ألف فلسطيني من ديارهم في 1948، وفرَّ من 280 ألفاً إلى 325 ألفاً من المناطق التي استولت عليها إسرائيل في 1967.

ومنذ ذلك الحين، ابتكرت إسرائيل وسائل أدهى لمحاولة تهجير الفلسطينيين من ديارهم. إحدى هذه الوسائل كانت إلغاء الإقامة، فبين احتلال القدس الشرقية في 1967 ونهاية عام 2016، ألغت إسرائيل إقامة 14,595 فلسطينياً في القدس الشرقية المُحتلة.

وهناك 140 ألفاً غيرهم من سُكَّان القدس الشرقية “نُقِلوا في صمتٍ” من المدينة، حين بدأ تشييد الجدار العازل في 2002، مانعاً الوصول إلى بقية المدينة. وما يقرب من 300 ألف من الفلسطينيين في القدس الشرقية لديهم إقامة دائمة أصدرتها وزارة الداخلية الإسرائيلية.

فُصِلَت منطقتان عن المدينة، رغم أنهما تقعان داخل حدودها البلدية: كفر عقب ناحية الشمال، ومخيَّم شعفاط جهة الشمال الشرقي.

ويدفع سُكَّان الأحياء في هذه المناطق ضرائب بلدية، وغيرها من الضرائب، لكن لا بلدية القدس ولا الهيئات الحكومية تدخل هذه الأراضي أو تعتبرها في دائرة مسؤولياتها.

وبالتالي أصبحت هذه الأجزاء من القدس الشرقية أرضاً مُحرَّمة، إذ لا تقدِّم لها المدينة الخدمات البلدية الأساسية، مثل إزالة النفايات، وصيانة الطرق، والتعليم، وهناك نقصٌ حاد في الفصول المدرسية ومرافق الرعاية.

ولا تلبِّي شبكات المياه والصرف الصحي احتياجات السُكَّان، في حين لا تفعل السلطات شيئاً لإصلاح هذه الشبكات. ومن أجل الوصول إلى بقية المدينة، يتعيَّن على السُكَّان أن يمروا يومياً على سلسلةٍ من الكمائن.

أداة أخرى لنزع الملكية تتمثَّل في تطبيق قانون أملاك الغائبين، الذي حين مُرِّرَ في 1950 كان مقصوداً به أن يكون قاعدةً لانتقال ملكية الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل.

كانوا يتجنَّبون بشكلٍ عام استخدام القانون في القدس الشرقية حتى شُيِّدَ الجدار. وبعد ست سنوات، استُخدِمَ القانون من أجل مصادرة “أراضي الغائبين” من السُكَّان الفلسطينيين في بيت ساحور لبناء ألف وحدة سكنية في مستوطنة هارحوما، جنوب القدس. لكن بصورةٍ عامة، يتمثَّل الغرض من القانون في التزويد بآليةٍ من أجل “توغُّل عمليات المصادرة”.

نكبةٌ راهنة 

يشكِّل محور الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والغرض التشريعي المركزي من حكومة الوحدة الإسرائيلية الراهنة، فصلاً آخر من نزع ملكيات الفلسطينيين في 2020. تلك هي خطط إلحاق ثُلُث -أو في أسوأ الحالات ثُلُثيّ- الضفة الغربية.

هناك ثلاثة سيناريوهات مُحتَمَلَة حالياً: الخطة القصوى لإلحاق وادي الأردن وكلِّ ما أشارت إليه اتفاقية أوسلو بالمنطقة ج، وهذا يُشكِّل حوالي 61% من منطقة الضفة الغربية التي تقع مباشرةً تحت إدارة إسرائيل وهي موطن لـ300 ألف فلسطيني.

السيناريو الثاني هو إلحاق وادي الأردن وحده. وفقاً لاستطلاعاتٍ إسرائيلية وفلسطينية أُجرِيَت في 2017 و2018، هناك 8100 مستوطن و53 ألف فلسطيني يعيشون على هذه الأرض. وتقسِّم إسرائيل هذه الأرض إلى منطقتين: وادي الأردن، ومجلس البحر الميت الإقليمي.

أما السيناريو الثالث، فهو إلحاق المستوطنات حول القدس، وهو المُخطَّط المُسمَّى مُخطَّط شرق 1، الذي يشمل مستوطنة غوش عتيسون ومستوطنة معاليه أدوميم. في كلتا الحالتين، سيُهدَّد الفلسطينيون الذين يعيشون حول هذه المستوطنات، بالطرد أو النقل. هناك 2600 فلسطيني يعيشون في قرية الولجة وأجزاءٍ من بيت جالا، وسوف يتأثَّرون بإلحاق غوش عتيسون، علاوة على ألفيّ أو ثلاثة آلاف بدوي يعيشون في 11 قرية حول معاليه أدوميم، مثل قرية خان الأحمر.

ماذا سيحدث للفلسطينيين الذين يعيشون على الأراضي التي تلحقها إسرائيل؟

من الناحية النظرية، قد تُعرَض عليهم الإقامة، كما كانت الحال حين أُلحِقَت القدس الشرقية. أما عملياً، فسوف تُعرَض الإقامة فقط على قلةٍ مُختارة. ولن ترغب إسرائيل في حلِّ مشكلةٍ بخلق أخرى.

سوف يُنقَل معظم السُكَّان الفلسطينيين من الأراضي المُلحَقة إلى أقرب مدينة كبيرة، كما حدث مع البدو في النقب وأهالي القدس الشرقية الذين وجدوا أنفسهم في مناطق معزولة عن بقية المدينة.

تحذير الجنرالات 

ولَّدَت هذه الخطط ذعراً في أوساط المؤسَّسة الأمنية الإسرائيلية، التي اعتادت على الاستماع، لكنها الآن أصبحت تمارس تأثيراً أقل مِمَّا كان في السابق على صناعة السياسات.

وهذا ليس لأن الجنرالات السابقين كانت لديهم اعتراضاتٌ أخلاقية لمصادرة أراضي الفلسطينيين، أو بسبب أنهم اعتبروا أن للفلسطينيين حقاً شرعياً فيها. كلا، كانت اعتراضاتهم مبنيةً على ما يمكن أن يؤدِّي إليه الإلحاق من تعريض أمن إسرائيل للخطر.

إن سيرةً مُذهِلة لطريقة تفكيرهم تقدِّمها لنا وثيقةٌ مفتوحة المصدر نُشِرَت مُجهَّلةً بواسطة معهد السياسة والاستراتيجية في هرتسليا. يذكرون أن الإلحاق سيؤدِّي إلى زعزعة استقرار الحدود الشرقية لإسرائيل، التي “تتميَّز بقدرٍ عظيمٍ من الاستقرار، ومستوىً هادئ ومنخفضٍ للغاية من الإرهاب”، وأن ذلك سيتسبَّب في “هزةٍ عميقة” لعلاقة إسرائيل بالأردن.

وقالت وثيقة معهد السياسة والاستراتيجية: “بالنسبة للنظام الهاشمي، فإن الإلحاق مرادفٌ لفكرة الوطن الفلسطيني البديل، أي تدمير المملكة الهاشمية لصالح دولة فلسطينية”.

وأضافت: “بالنسبة للأردن، فإن مثل هذه الخطوة تُعَدُّ خرقاً مادياً لاتفاقية السلام بين البلدين. وفي ظلِّ هذه الظروف، قد ينتهك الأردن اتفاق السلام، إلى جانب أنه قد يكون هناك تهديدٌ استراتيجي لاستقراره الداخلي، بسبب الاضطرابات المُحتَمَلَة بين الفلسطينيين في ظلِّ المصاعب الاقتصادية التي يواجهها الأردن”.

ستكون هذه فقط بدايةً لمشكلات الأردن مع الإلحاق. وحتى خيار الحدِّ الأدنى لإلحاق مُخطَّط شرق 1 -المنطقة حول القدس- سوف يفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، ما سيُعرِّض وصاية الأردن على المواقع الإسلامية والمسيحية المُقدَّسة في القدس للخطر.

ويزعم معهد السياسة والاستراتيجية أن الإلحاق لن يؤدِّي إلى “تحلُّلٍ تدريجي” للسلطة الفلسطينية.

مرةً أخرى، ما يثير قلق المُحلِّلين الإسرائيليين هو العبء الذي قد يُلقَى على كاهل الجيش: “سوف تتدهور فاعلية التعاون الأمني مع إسرائيل وتضعف، وما الذي سوف يحل محل ذلك؟ الجيش الإسرائيلي! ما سيجبر العديد من القوى للتعامل مع أعمال الشغب والأمر بانتهاكاتٍ، وصيانة النظام الفلسطيني”.

ويستطرد المعهد الأمني ليقول إن الإلحاق قد يشعل انتفاضةً أخرى، ويوطِّد فكرة حلِّ الدولة الواحدة “الذي يكتسب بالفعل قوةً متناميةً في الساحة الفلسطينية”.

العامل السعودي

وبالنسبة للعالم العربي الأوسع، تشير الوثيقة إلى أن إسرائيل قد تفقد الكثير من الحلفاء الذين تعتقد أنها كسبتهم في السعودية والإمارات وعُمان، وتتسبب في تعزيز حملة المقاطعة دولياً.

وجرى في الدوائر الأمنية الإسرائيلية مؤخراً ذكر الدور السعودي، على وجه التحديد، في إخماد نيران رد الفعل العربي على خطة الضم التي يتبناها نتنياهو. واعتُبِر أنَّ الدعم السعودي حاسماً لأي خطة ضم.

وحسبما هو متوقع، يحاول نظام ولي العهد محمد بن سلمان تخفيف العداء السعودي لإسرائيل في وسائل الإعلام، لاسيما الدراما التلفزيونية. فأنتج تلفزيون MBC السعودي مسلسلاً يُدعى “مَخرج 7” مؤخراً يحتوى على مشهد لممثلين يتجادلان بشأن التطبيع مع إسرائيل.

فتقول إحدى الشخصيتين: “لم تحصل السعودية على أي شيء حين دعمت الفلسطينيين، لابد أن نقيم علاقات مع إسرائيل.. العدو الحقيقي هو مَن لا يُقدِّر وقفتك معه، مَن يسبّك ليل نهار أكثر من الإسرائيليين”.

أثار المشهد رد فعل عكسي على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدَّى في النهاية إلى إصدار بيان سمج من جانب وزير الخارجية الإماراتي دعماً للقضية الفلسطينية.

وأظهرت المحاولة حدود الدولة السعودية في السيطرة على الفكر، والتي ستقل أكثر مع هبوط أسعار النفط ومجيء التقشف في أنحاء العالم العربي.

لن يكون الملك السعودي المستقبلي قادراً بعد الآن على شراء طريقه للخروج من المشكلات.

اللجنة

من الجدير تكراره مجدداً أنَّ الدافع لتعديد الآثار المُزعزِعة للاستقرار التي قد تنتج عن الضم ليس الانزعاج المتأصل من فقدان الممتلكات أو الحقوق. إذ ينبع القلق الأساسي للمؤسسة الأمنية من احتمال تعرُّض حدود إسرائيل الحالية للخطر بسبب التوسُّع المُبالَغ فيه.

وتنبأ عدد من الصحفيين الإسرائيليين أنَّ الضم لن يحدث أبداً لأسباب مماثلة.

وقد يكونون محقين. فالبراغماتية قد يكون لها الغلبة في نهاية المطاف. أو ربما هم يُقلِّلون من أهمية الدور الذي تلعبه الأصولية الدينية القومية في حسابات نتنياهو، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، والملياردير الأمريكي شيلدون أديلسون، وهم المهندسون الثلاثة للسياسة الحالية.

وفي حين انكشف منذ زمن طويل زيف الدور الأمريكي كـ”وسيط نزيه” في الصراع، فإنَّ هذه هي المرة الأولى التي يمكنني أن أتذكر فيها سفيراً أمريكياً ومُموِّلاً أمريكياً كبيراً يدفعان المستوطنين للحماسة أكثر مما يدفعهم رئيس الوزراء الليكودي نفسه.

وفريدمان هو رئيس اللجنة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة بشأن ضم المستوطنات، والتي ستقرر حدود إسرائيل بعد عملية الضم. ولا تعني هذه اللجنة شيئاً من الناحية الدولية، لأنَّها لا تُمثِّل أي طرف آخر في الصراع، ناهيكم عن الفلسطينيين الذين قاطع قادتهم العملية.

وصرَّح مصدران منفصلان من اللجنة المشتركة لموقع Middle East eye بأنَّ اللجنة تميل إلى توسُّع إسرائيل في الضفة الغربية دفعة واحدة، وليس توسعاً تدريجياً. وقال مصدر إنَّ اللجنة ستسعى لضم كامل المنطقة “ج”، بعبارة أخرى، ستسعى إلى الخيار الأقصى.

ومجدداً، قد يكونان مخطئين. وكلاهما يقولان إنَّ النهج المُختار للضم سيتماشى مع ما جاء في “صفقة القرن” التي طرحها ترامب، والتي تقلص نسبة الـ22% المتبقية من فلسطين التاريخية مع الفلسطينيين حالياً ويحولها إلى مجموعة من “البانتوستانات” المتناثرة حول “إسرائيل الكبرى”.

الذروة

ما تزال النكبة، التي يصادف اليوم ذكراها الثانية والسبعين، حية وتنفث سماً. فالنكبة لا تتعلق فقط باللاجئين الأوائل، بل وكذلك أحفادهم، الذين يوجد اليوم منهم نحو خمسة ملايين مؤهلين للحصول على خدمات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا).

وأشعل قرار ترامب بوقف تمويل الأونروا، وإصرار إسرائيل على أنه ينبغي الاعتراف فقط بالناجين الأصليين عام 1948، حملة دولية يوقَّع فيها الفلسطينيون إعلاناً يرفضون فيه التخلي عن حقهم في العودة.

يقول الإعلان: “إنَّ حقي بالعودة إلى الديار التي هُجِّرنا منها في فلسطين هو حقٌّ أصيل، فردي وجماعي، غير قابل للتصرف، كفله القانون الدولي وسائر الأنظمة والمواثيق الدولية. وليس لأحد الحق في انتقاصه تحت أي ظرف كان. وإنَّ مشاريع التوطين والوطن البديل، وكل حلٍّ أو مبادرةٍ أو قرارٍ يناقض الطبيعة الأساسية لحق العودة، هو قرارٌ لا شرعي لاغٍ ولا يمثلني”.

ومن الأهمية بمكان أنَّ الإعلان أُطلِق في الأردن، في إشارة على أنَّ المشاعر في تصاعد هناك.

إنَّ التقدير الأمني الإسرائيلي بأنَّ حل الدولتين انتهى في عقول غالبية الفلسطينيين صحيحٌ بالتأكيد. فغالبية الفلسطينيين ينظرون إلى الضم باعتباره ذروة المشروع الصهيوني لإقامة دولة ذات غالبية يهودية، وكذلك باعتباره تأكيداً على اعتقادهم بأنَّ السبيل الوحيد الذي سينتهي به هذا الصراع هو الذوبان معاً.

لكن من نفس المنطلق، ينبغي أن تكون خطط الضم الخاضعة للنقاش دليلاً أمام المجتمع الدولي، إن كان يحتاج دليلاً، على أنَّ إسرائيل -البعيدة كل البُعد عن كونها دولة تعيش في خوف وتحت الهجوم الدائم من الرافضين اللاعقلانيين لها الذين ينتهجون العنف- هي دولة لا يمكنها تقاسم الأرض مع الفلسطينيين، ناهيكم عن التسامح مع حق الفلسطينيين في تقرير المصير في دولة مستقلة.

فإسرائيل، في ظل صيغتها الحالية، لا تعرف إلا توجهاً واحداً: تعميق الهيمنة على شعبٍ سلبت أرضه ولا زالت تسلبها.

شاهد أيضاً

“إسرائيل مش أعداءنا وناس حلوين”.. ناشطة سعودية تدعو بلادها للتطبيع مع تل أبيب (فيديو)

صوت العرب – أثارت الناشطة السعودية سعاد الشمري جدلاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي، خاصةً …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: