في أسباب العنف المسرحي - صوت العرب اونلاين ' rel='stylesheet' type='text/css'>
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / في أسباب العنف المسرحي

في أسباب العنف المسرحي

*حاتم التليلي محمودي

صوت العرب – تونس – يبدو الناقد -في سياق الملّة المنتمية إلى حقول المسرح- قربانًا بائسًا، منبوذًا وغريبًا، كما لو أنّه “شخص نابتة” بكلّ ما تحمله هذه العبارة من استهجان أفلاطوني، إنه الوحيد الذي لم يجد حتى اليوم إقامةً له في تلك الحقول؛ فالممثل كما المخرج والكاتب و السينوغراف وغيرهم لهم الأركاح والشركات والهياكل التي من خلالها يترجمون حياتهم المسرحية، أمّا بالنسبة إلى الناقد فلا فضاء له في عوالم هذا الفن وخرائطه، بشكل يكاد يكون كليًا، لذلك فهو كائن هامشي، يتمّ إقصاؤه من دائرة الاهتمامات الملحّة والضرورية التي يسعى لها أصحاب هذا الفن في سياق المقاومة المسرحية، بوصفها تجعل المسرح فنًا يجدّد آلياته في كل مرّة، ويهدم ذاته ليتجدّد ويجدّد في منظوراته وتصوراته الجمالية والفكرية.

لقد تمّ تسيير تلك المغالطة الكبرى والعنيفة، هذه التي وجدت نشاطها في ذلك الادعاء القائل بتعدّد أفضية النشر الإلكترونية والورقية، باعتبارها -في رأي البعض- وطنًا لأولئك النقاد. وعلى الأغلب هي الآن تقصيهم على نحو علني وسافر؛ إذ تتنافى وخصوصيتهم، فهم ليسوا إعلاميين أو كتّابًا تحت الطلب، لذلك هي تُفقدهم صفة النقد بقدر ما تكدّس نصوصهم مع نصوص أخرى مبتذلة ورديئة، يكتبها الإعلاميون أو بعض المنتسبين إلى الفعل المسرحي انتحالًا. وعلى الأرجح أيضًا: إنّ تلك الأفضية بتعدّدها وتنوعّها تبدو كما لو أنها أسواق تتكدس فيها نصوص متهافتة، مثلها مثل البضاعة، فيختلط الجادّ بالتافه، والجيّد بالضعيف، ما يولّد -فيما بعد- صعوبة كبرى في فرز المهمّ والأهمّ من التافه والرديء. لقد جعلت تلك الأفضية مهمّة النقد عاطلة عن العمل، وفسحت المجال للابتذال النقدي الذي بات يقدّم نفسه كأطول الواقفين في حقول الابتذال المسرحي.

ما يحدث -أيضًا- في الكرنفالات والمهرجانات، ينمّ هو الآخر عن مغالطة جديدة، وجدت نشاطها في اقتطاع مؤهّلات كبيرة لبعض النقاد وإلصاقها في نشراتها، وعوضًا من أن تكون تلك المجلات أو المنشورات فضاءً تقييميًا ونقديًا يلامس مواطن الضعف في الأعمال المسرحية المشاركة، أو سياسيات المهرجانات القائمة، فقد تحوّلت إلى محض ورقات، مهمّتها لا تتعدّى حدود التوثيق لدورة من دوراتها، أو إلى لسان حال منظّم تلك الدورة وبوق دعاية لما يحدث، وأن يتواجد ناقد في تلك المساحة، فعليه أن يخضع لتلك السياسات، ويتحوّل إلى أحد أولئك الذي وصفهم أدورنو-أحد كبار مدرسة فرانكفورت- بـ “كلاب فلاسفة الثقافة”.

نحن لم نعد في حاجة إلى نقّاد، هذه هي الحقيقة التي يقرّ بها راهن مسرحنا الآن، لقد ماتوا مثلما مات الإله المسيحي في عيون فيلسوف الديناميت، أمّا رائحة دمهم المشوي، فنحن نشتمّها هنا، في تلك الأفضية والنشرات التجارية. وعلى نقيض من ذلك، صار على بعضهم أن ينجو من تلك المكيدة. لهذا نحن لا نقرأ لهم هنا في هذه الحقول التي تمّ تسميم كرومها المسرحية، بل من خلال كتبهم الأكاديمية، وهي ذات طابع نظري أكثر منه نقدي، لذلك هي الأخرى لا تعالج أعمالًا مسرحية أو تشرحها أو تفكّكها، بقدر ما تتركها شريدة، دون أيّ حسّ حواري يصاحبها، لغاية النقد والتجاوز والتطوير. لقد سبق أن علت صرخة رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد) بالقول: “هكذا، تمّ تقطيع أوصال الناقد من خلال قوتين متعاكستين: الميل إلى جعل النقد الأكاديمي عملية داخليّة تعنى بنفسها وتهمل الحكم والتقويم، والزّخم الذي اكتسبه النقد الصحافي والعام، ليصبح فعّالية أكثر ديمقراطية وانتشارًا، بحيث لا تُتْرَك بين أيدي الخبراء“.

ليس موت النّاقد حدثًا مهمًّا علينا مواكبته بإعلان عرس جنائزيّ له، فالفنّ المسرحي نفسه -اليوم- يشهد أزمات كبيرة، تحرّض على الدفاع عن براءته من المسرحيين، حتى المخرجون والكتّاب والممثلون هؤلاء -هم أيضًا- يمثّلون خطرًا على هذا الفن، وربّما لو نقرّ بفكرة النهايات التي سادت منذ فقدان الثقة بسرديّات المشروع الحداثيّ، فلن يكون ثمّة قتلة غير هؤلاء، لأنّهم المسؤول الأوّل عن تجديد آليات المقاومة المسرحية: وإلّا كيف يمكن تفسير موجة الانتحال والاستنساخ التي ضربت المسرح كالطاعون؟ وكيف يمكن تفسير ذلك الانحدار الأيديولوجي الذي يجرفه الآن إلى واقعية جدانوف وابتذالها القائم على المباشراتية، واحتكامها إلى منطق أيديولوجيّ صرف؟ وكيف يمكن تفسير تحوّل البعض إلى مجرّد متسوّل باحث عن الدعم؟ وكيف يمكن تفسير لهث هؤلاء وراء الإعلاميين بغاية الدعاية لأعمالهم؟ ربّما يمكن تبرئة البعض بالقول: إنّ ثمّة مبررّات إنتاجية تدفع إلى ذلك؟ لكن أن يتحوّل ذلك إلى هدف بعينه، وأن يسقط الفنّ برمّته طريدة سهلة في قبضة سياسات التبضيع التجاريّة ومحافل الدعاية الاقتصادية، فيا لوطأة العزاء المسرحي، ويا لغيبة ذلك الناقد الذي مات، وإِنْ هو عاد إلى الحياة المسرحية، بوصفه مشغّلًا للكراهية والحقد، بعد أن أصبحت مهمّته الآن لا تتعدّى تنشيط ثأر عظيم من تلك الأعمال، ليس أمامه غير أن يكتب كي يحطّم تلك المسارح والأعمال السّائدة، وعليه أن يستغلّ مهاراته الكتابية ومعارفه من أجل النجاح في تنشيط الكارثة؛ هكذا يتحوّل موته إلى موت مضاعف وجماعيّ. إنّه الآن بلا فضاء ولا مشروع فكري، وغير مرغوب فيه، لكن من حقّه الدفاع عن وجوده، وهو –كذلك- في معادلة تقول بفكرة النهايات، وليس لها غير أن تشرّع لثقافة السوق وحرب الأيديولوجيات، ولا مجال فيها للكتابة الجماعية أو الحرّة: فليسحب قلمه هو الآخر، لكن عن ماذا سيكتب؟ عن مقالات الإعلاميين وقراءاتهم للفعل المسرحي والأعمال الإبداعية، كي يردّ عليها بغاية فضح نزعتها التجاريّة وقحطها الفكريّ؟ عن غربته في حديقة المسرح التي لم توفّر له فضاءً ما؟ أم هل سينافس الكتّاب المأجورين في ذلك الإسطبل الفني؟

في كلّ الأحوال، هو الآن سيكتب بشكل فيه كثير من المواجهة لا المقاومة، وهو الآن لا بدائل لديه غير فلاحة التخريب؟ ولكنّه وحيد، ونابتة، وغريب؛ يا لهذا القربان المسكين، والمحارب العدمي!!

إنّه لمن الحيف اليوم أن نقرأ لبعض النقّاد فنكتشف أنهم يهاجمون منجزًا مسرحيًّا ما! إنّهم على جهل واضح وبالغ الصفاقة بخلفيات ذلك العمل.

هكذا يردّد أحد المسرحيين من المختصين في الإخراج أو الكتابة أو التمثيل، لكن أحد النقاد من أولئك المتّهمين بالعداوة يمكنه الردّ بإجابة كهذه:

لنتفق أوّلا على ذلك المنجز أيمكن تصنيفه مسرحًا أم هو شيء آخر؟

سيجيب نفس المسرحي:

ذلك عائد إلى التجريب، إنّه مسرح يتنزّل في حالة “ما بعد الحديث”، وهو أقرب إلى الأشكال التعبيرية الجديدة.
سيضحك الناقد مستهترًا هذه المرّة، ونظنّ أنّه على حق، وإلا كيف نفسّر احتفاء ذلك المسرحيّ، في المقابل، بمقال كتبه أحد الإعلاميين، ووصف من خلاله العرض نفسه بأنّه ينتمي إلى البنية الأرسطية، وهو الذي كان يتحدث عن منعطفات جمالية جديدة. يا لوطأة الضحك فعلًا.

إنّ الأمر سيبدو كما لو أنّه محض ثرثرة مسرحية لا طائل ولا جدوى منها؛ إذ صرنا نزجّ بعوالم الكتابة النّقديّة ضمن مدارين لا ثالث لهما: المديح أو الهجاء، ثمّة ثقافة مسرحيّة قائمة على الاجتثاث والاستئصال، وثمّة ما يدعو الآن إلى البحث عن مدار ثالث، توجّه فيه العلاقة بين النقّاد والمبدعين إلى معادلة مغايرة، ولا نعتقد أنّ عمليّة إيجادها يمكن أن تكون بمعزل عن عودة المسرح إلى حقوله الفلسفيّة والفكريّة وينابيعه الأنطولوجية، إذ لن تعود الحياة إلى النّاقد دون عودتها للفنّ برمّته.
(جيرون)

*باحث وناقد مسرحي من تونس.

تعليقات من فيسبوك

شاهد أيضاً

ما لم يقله محمد حسنين هيكل؟

القاهرة – صوت العرب – وكالات – قليلون أولئك الذين يمكن وصفهم بالأساطير. يعمل ملايين …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم