' rel='stylesheet' type='text/css'>

فيلم “الشخص الثالث” يخوض في لعبة قصص متقاطعة وشخصيات محطمة

فيلم “الشخص الثالث” يخوض في لعبة قصص متقاطعة وشخصيات محطمة

عبد الله الساورة


صوت العرب- ليس من الصعب تتبع شخصية بول هاجيس كمخرج وكقاص وكاتب سيناريو؛ لأن أعماله السينمائية ترتكز على لعبة التقاطعات القصصية والمكانية، وتنبني على التوازن الدقيق في تدفق معلومات القصص بجرعات مناسبة.

يقدم فيلم “الشخص الثالث” (137 دقيقة / إنتاج بريطاني / أمريكي / إخراج بول هاجيس /2013) بصيغة الغائب، يحاول المخرج إخبارنا بعمق وحياة الشخصيات المحطمة إلى أجزاء بينما القصص تتقاطع قسرا حتى خيط النهاية.

ثلاث قصص وثلاث أمكنة

ما يفعله المخرج هاجيس هو اقتراح رحلة مستمرة تنتقل من قصة إلى أخرى تتخطى الآثار المترتبة عن كل قصة بمجرد النظر إلى قصة أخرى وتفرعاتها. ويلفت الانتباه إلى أن القصص المتقاطعة هي ذاك الرسم التخطيطي الذي اشتغل عليه الكثير من السينمائيين في التسعينيات من القرن الماضي، حتى أصبح فيما بعد أداة مكررة لصانعي الأفلام المبتدئين. نجد هنا، بعد عقدين من الزمن (2013) ومع استنفاد الصيغة/ الأداة تماما، المخرج يعيد الاشتغال على فكرة القصص المتقاطعة في فيلم “الشخص الثالث” بجغرافية دولية (روما / باريس / نيويورك) كمحاولة منه لتكرار عناصر فيلم “كراش” (2004)، والنجاح الكبير الذي حققه المؤلف، بما في ذلك نيله لجوائز الأوسكار، ربما من خلال واجهة أكثر تعقيدا بعض الشيء ومن خلال ثلاث روايات رومانسية مستقلة تتجول في دوائر الثقة والخيانة كموضوع مركزي.

بصيغة الغائب نتعرف على قصة ثلاثة أزواج مختلفين تجري أحداثهم في عواصم مختلفة من العالم. في نيويورك لدينا ريك (جيمس فرانكو)، رسام ناجح يبذل قصارى جهده لمنع زوجته السابقة والمضطربة نفسيا (ميلا كونيس) من الاقتراب من ابنه. في روما يوجد شون (أدريان برودي)، الذي يحاول مساعدة مونيكا، وهي امرأة غجرية تريد إنقاذ ابنتها من المتاجرين بالبشر. وفي باريس يلتقي مايكل (ليام نيسون) وهو كاتب ناجح.. عشيقته السابقة وهي كاتبة شابة.. عصية وطموحة (أوليفيا وايلد).

سرد بصيغة التقاطع

من الحتمي أن تنتهي إحدى القصص الثلاث بفرض نفسها على القصص الأخرى. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن تمرين التقاطع له علاقة كبيرة بعدم معرفة كيفية إدخال قضايا معينة في القصة الرئيسية، وبسبب الكثافة في المستوى والمنسوب الدرامي أو بسبب اقتران الأمرين؛ لكن الملاحظ هو أن قصة الكاتب المشهور والكاتبة الشابة التي تقوم ببطولتها أوليفيا وايلد وليام نيسون تلقي بظلالها على باقي القصتين وتداعيات كل منهما.

ترجع الكوريغرافيا السردية في العمل جزئيا إلى الانتصار السردي لداريو ماريانيلي غير المنتظم، الذي يقدم هنا أحد أفضل أعماله كمؤلف. لا تعمل الموسيقى التصويرية فقط كحلقة وصل بين القصص وأقواس بين مشاهد الحوارات؛ ولكنها أيضا تبني خطابا صوتيا أصيلا يفوق في بعض المناسبات الخطاب الذي تقترحه القصة نفسها. يرتفع العمل الموسيقي المصاحب للفيلم، ويتخطى حدود حججه، ويلقي الضوء على مقاصد فيلم لم يعرف كيف يعرضها إلا من خلال هذا الاستخدام. عند الاستماع إلى الموسيقى، يتذكر المرء كم كان ضروريا على بول هاجيس أن يضع ثقته في الصور والأصوات وفي ما تفعل السينما بالسينما.

لهذا السبب تصدر القصص المتقاطعة في فيلم “الشخص الثالث” بعض الصرير، حيث يوجد دائما بعض الأشياء أكثر إثارة للاهتمام من غيرها أو أكثر منطقية من غيرها في الحبكة العامة. ومع ذلك، فإن الجهد المبذول لبناء حكاية متقاطعة مثيرة للاهتمام تستحق الثناء.

ثلاث قصص متوازية، على ما يبدو، لا رابط بينها ظاهريا ويخفي بول هاجيس رابطها حتى نهاية الحبكة إلى درجة أنه من السهل فك شفيراتها قبل منتصف الفيلم تقريبا. ويقدم المخرج المعلومات بتقنية السقي قطرة قطرة، بالإضافة إلى استخلاص المشاهد للاستنتاجات في وقت قريب جدا، وينتهي به الأمر إلى بناء سردي تبقى فيه قطع عديدة ببياضات لا تحترم ذكاء المشاهد.

البعد الاجتماعي

تتحدث القصص الثلاث التي يقترحها هاجيس عن الثقة والخيانة الزوجية والحب والاختلافات الاجتماعية والمافيا التي تتاجر بالبشر. يعطي التركيب القصصي للمشاهد انطباعا بأنه يشاهد ثلاثة أفلام مختلفة، على الرغم من المحاولات الشاقة لجمعها معا. على الرغم من تقديرنا لعمله الرائع عندما يتعلق الأمر بتحديد جرعات المعلومات التي ستكشف خصوصيات وعموميات القصص الثلاث بفضل استخدام مونتاج ممتاز.

ينخدع المتلقي في بناء الشخصيات وتطورها على مدار الفيلم؛ لأنها شخصيات غير مكتملة وغير متجانسة مع بعضها البعض يقوم بأدوارها مجموعة من الممثلين الكبار في الخطوط الأمامية بنوع من التردد وقلة الحماس.. مثل الممثل ليام نيسون وأوليفيا وايلد والممثلة ميلا كونيس التي أبدعت في أدائها والممثل أدريان برودي وجيمس فرنكو والممثل كيم باسنجر… تبدو هذه القافلة من الممثلين غير مرتاحة على الإطلاق في مظهر شخصياتها. وتبقى قصة الغجرية / ميلا كونيس وسارق الماركات/ أدريان برودي أكثر اقتناعا بحضورهما ونهاية قصتهما.

يحاول المخرج بول هاجيس في فيلمه “الشخص الثالث” جاهدا استعادة صيغة القصص المتقاطعة ولعبتها والإيقاع المحموم والنهايات الشافية والمفاجئة التي أكسبته أكثر من جائزة الأوسكار قبل بضع سنوات؛ لكن هذا الفيلم يفتقر إلى نهج واضح وقابلية قليلة للتنبؤ، وقبل كل شيء يفتقر إلى العاطفة.


Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: