' rel='stylesheet' type='text/css'>

فقراء مصر.. جناة أم مجني عليهم بسبب سياسات الحكومة

فقراء مصر.. جناة أم مجني عليهم بسبب سياسات الحكومة

  • شواهد كثيرة أقنعت الحكومة بأن الفقراء ليسوا معدومين فقررت إلغاء الدعم.

  • أثار إلغاء الحكومة المصرية الدعم عن السلع الأساسية تساؤلات عن الطريق التي تدير بها علاقتها مع البسطاء، وإذا ما كان هؤلاء جناة أم مجنيا عليهم، خاصة أنها في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي وضعت حياة هؤلاء وواقعهم المعيشي على سلم أولوياتها، قبل أن تفاجئهم بتصعيد غير متوقع باعتبار أنه لم تجرؤ أي حكومة في العهود السابقة على رفع الدعم.

أحمد حافظ

كاتب مصري


القاهرة – تبدو الطريقة التي تدير بها الحكومة المصرية علاقتها مع البسطاء عصية على الفهم بالنسبة للكثيرين، حيث اعتادت خطب ود الفقراء ومحدودي الدخل في أغلب رسائلها الموجهة إلى الشارع، وتتحدث عن برامج الحماية الاجتماعية، وتوفير حياة كريمة للفئات غير المقتدرة، وأصبح ذلك هو الشغل الشاغل لمؤسساتها، ثم تخطط لرفع الدعم نهائيا عن السلع الغذائية التي تمثل أهمية كبيرة لنفس الشريحة، وربما تعد مسألة حياة أو موت.

شهدت الأيام الماضية تصعيدا غير مسبوق من جانب الحكومة تجاه البسطاء بعدما خرقت كل الخطوط الحمراء في ملف الدعم، وبلغ الأمر حد التلميح العلني بأن أيام الدعم لرغيف الخبز صارت معدودة، وهناك نية حقيقية لتحرير سعره بعد أيام قليلة على قرار وزارة التموين رفع أسعار الزيت والسكر والبقوليات والأرز، وهي السلع التي كانت تدعمها الحكومة وتقدمها للبسطاء بأقل سعر منذ عقود.

كريم العمدة: فكرة الدعم موجهة أساسا للمواطن المصري المحتاج فقط

بات الفقراء أنفسهم يسألون: هل نحن جناة أم مجني علينا من الحكومة؟ لماذا فجأة، ودون مقدمات سابقة تحوّل الخطاب الرسمي، من وضع البسطاء على رأس أولويات الدولة، بتوفير سكن كريم واقتحام مشكلات الريف المصري لحلها خلال ثلاث سنوات وتخصيص مبالغ ضخمة لتحسين مستوى حياة السكان الفقراء فيها، وفي نفس الوقت يتم رفع الدعم جزئيا تمهيدا لإلغائه كليا خلال فترة قصيرة؟

غضب من البسطاء

المتابع للخطة التي تتحرك الحكومة المصرية من خلالها في علاقتها بالبسطاء، يكتشف بسهولة أنها قائمة على مبدأ لن ندعمكم بالطريقة التي تريدونها ولن تستمر الحكومة في تنفيذ التوجهات التي تعودتم عليها على مدار عقود، واعتبرتموها من الثوابت، بل بالأسلوب الذي تراه الدولة، فلن يتم تخصيص 90 مليار جنيه تقريبا للدعم الغذائي، والحكومة مستعدة لدفع أضعاف هذا الرقم في قطاعات أخرى تستهدفكم أيضا.

بدت الحكومة أكثر امتعاضا من تعاطي البسطاء مع الدعم التمويني باعتباره من الحقوق المكتسبة التي لا يجوز تحت أي ظرف، الاقتراب منها، وكأنها من المحرمات، أو المحظورات، فهي تريد كسر هذا الحق لترفع العبء عن نفسها وتتحرر من هذا القيد الجبري، انطلاقا من أن أموال الدعم لا يتم حسابها على أنها إنجاز قدمته الحكومة للفقراء، بل جزء من الإرث القديم، هي مسؤولة عن توفيره برغبتها أو رغما عنها.

يرفض الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن يسير على نهج سابقيه في أيّ ملف يستهدف حياة الفقراء أو غيرهم، ويريد أن تكون له طريقة خاصة في الحكم والإدارة، لذلك يتعامل مع ملف الدعم كورطة يجب التخلص منها بأي وسيلة، مهما كان المقابل السياسي، لذلك لا يمانع تخصيص 700 مليار جنيه لتطوير قرى الريف التي يقطنها البسطاء، ويرفض تخصيص 10 في المئة من هذا الرقم كدعم لغذاء نفس الشريحة سنويا.

توحي الكثير من الشواهد بأن ملف الدعم في عهد السيسي قارب على نفسه، فهو الذي وجه الحكومة بأن تكون البطاقة التموينية لشخصين فقط، وحرمان المتزوجين الجدد من بطاقات التموين، وأبدى غضبه الشديد من إمكانية شراء 20 رغيف خبز بثمن سيجارة، واتهم الدعم مباشرة بأنه أحد الأسباب التي عرقلت النمو الاقتصادي، حيث يلتهم جزءا كبيرا من الموازنة العامة للدولة، ويقوم البعض بالحصول عليه عبر التلاعب في الأوراق الرسمية.

اختبارات الصبر

☚ السيسي يرفض أن يسير على نهج سابقيه في أيّ ملف يستهدف حياة الفقراء، ويريد أن تكون له طريقة خاصة في الحكم، لذلك يتعامل مع ملف الدعم كورطة يجب التخلص منها

تدرك الحكومة أن البسطاء مهما تحاملت عليهم في ملف الدعم لن يتأثروا بالقدر الذي يجعلهم يخرجون في الشارع للاحتجاج، فمن صمت في بادئ الأمر على تحريك أسعار سلع وخدمات كانت بالنسبة له ذات أهمية كبيرة، لن يثور لمضاعفة السعر، وتبني الحكومة رؤيتها في هذا الشأن على ما جرى مع أسعار المواد البترولية والكهرباء ومياه الشرب وتذاكر القطارات والمترو وغيرها، وفي كل مرة ينتهي الأمر إلى لا شيء ويستمر صبر البسطاء وتحمّلهم.

وقال ياسين محمد، وهو رب أسرة ريفية يقيم بإحدى قرى محافظة الشرقية شمال القاهرة، إن الحكومة اختبرت صبر البسطاء لمرات عديدة، ومع كل تحريك في أسعار السلع والخدمات المفترض أنها مدعومة تمر الأمور بهدوء لأسباب كثيرة، أولها أن الفقراء ليسوا دعاة ثورة ولا يغضبون لقلة الحيلة، فقد تعودوا على ذلك طوال حياتهم، وبإمكانهم تدبير أمورهم بطريقة تبعدهم عن الصدام مع الدولة، وعندهم قناعة بأن الاستغناء عن الضروريات حل لا بديل عنه.

وأضاف لـ”العرب” أن بعض الفقراء كانوا يعبثون بالدعم الذي تقدمه الحكومة، وبينهم من اعتاد وضع الخبز المدعوم للطيور ليقدمها لها كغذاء يومي لانخفاض سعره، وهناك أسر تحصلت على دعم سلع مع أنها ليست من الفقراء، وهناك شريحة ثالثة من أصحاب المخابز اعتادت بيع الدقيق المدعوم في السوق السوداء بالتعاون مع أفراد في قطاع التموين، نظير مبلغ مالي شهري، أيّ أن الأزمة مسؤول عنها الطرفان: من يقدم الدعم، ومن يتحصل عليه.

ولأن الحكومة أخفقت في إدارة ملف الدعم بشكل صحيح، بما يضمن وصوله إلى مستحقيه فقط، وجدت أن الحل الأمثل لوقف السرقات التي تحدث أن تلغي هذا البند من حساباتها كليّا، وتوجه أمواله في قطاعات أخرى تلامس حياة البسطاء أنفسهم، إما في شكل بناء مسكن مدعوم أو تقديم دعم نقدي شهريا لمن تنطبق عليهم الشروط، فيما يعرف بمبادرة “حياة كريمة”، أو توجيه هذه الأموال إلى أبناء الفقراء غير القادرين على دفع المصروفات التعليمية، وإعفائهم من الرسوم الدراسية نهائيا.

هناك شريحة ليست بالقليلة من المصريين لديها الكثير من الطرق الملتوية في الاستفادة من الدعم المقدم للبسطاء، وتوجد عائلات كانت تحصل على سلع تموينية مدعومة، رغم امتلاكها مساحات شاسعة من الأراضي والعقارات، وعندما قررت الحكومة صرف إعانة شهرية خلال جائحة كورونا للعمالة غير المنتظمة لمواجهة صعوبات هذه الفترة تم تزوير بعض الأوراق وتقدم أفراد ينتمون إلى أسر ميسورة الحال للحصول على هذه الإعانة، بسبب الفساد الموجود داخل العديد من المؤسسات الرسمية.

البحث عن بدائل

 

فقراء مصر يئنون تحت وطأة الزيادة في الأسعار

تدرك الحكومة جيدا أن البسطاء بإمكانهم البحث عن بدائل كثيرة في حال تجرأت وقررت إلغاء الدعم كليّا، فلديهم اقتصادهم الخاص الذي قد يغنيهم عن حفنة الأموال التي تقدمها الدولة شهريا في صورة دعم على السلع الغذائية أو حتى رغيف الخبز، وهناك الكثير من الشواهد التي أثبتت لصانع القرار السياسي أن الفقراء ليسوا كلهم فقراء.

أقرب مثال على ذلك أن شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، قالت في أحدث تقرير لها عن عام 2021، إن المصريين، أغنياء وفقراء، اشتروا 40 طنا من الذهب، وهو رقم ضخم، إذا ما قورن بأسعار الذهب عالميا في الآونة الأخيرة، أيّ أن الفقر لم يمنع شريحة من شراء المجوهرات، إضافة إلى ارتفاع معدلات الزواج في المناطق الريفية والشعبية، رغم التكاليف الضخمة التي تحتاجها الزيجات حاليا، وبالتالي فإن الاقتصاد الخفي للفقراء بإمكانه تعويض رفع الحكومة يديها عن الدعم، هكذا تعتقد أجهزة الدولة المعنية بالدعم.

المثال الأكثر وضوحا للعامة أن ظاهرة “المستريح”، وهو المحتال الذي يقوم بجمع الأموال من البسطاء في القرى والمناطق الشعبية المعروف عنها الفقر وقلة الحيلة، أصبحت منتشرة في غالبية المحافظات، ويقوم هؤلاء المحتالون بجمع عشرات الملايين من الجنيهات بدعوى توظيفها ومنح أصحابها مبالغ مالية شهريا، كعائد لها، ثم يهربون بالأموال التي جمعوها، وتكتشف أجهزة الأمن أنها مبالغ ضخمة، ويفترض ألا تتناسب مع حياة البسطاء الذين دائما ما يشتكون من الغلاء وصعوبات المعيشة.

أضف إلى ذلك ظاهرة الإنجاب الزائد عن القدرات المادية للبسطاء، وهي المعضلة التي عجزت الحكومة عن حلها بالترهيب والترغيب، ووجدت أن رفع الدعم السبيل الأمثل لإجبار الأهالي على الاكتفاء بعدد معين من الأبناء، لأنه ليس من المنطقي أن ينجبوا فوق طاقاتهم، وتتولى الدولة الإنفاق عليهم، وقد يجعل إلغاء الدعم كل أسرة مسؤولة عن قرارها، وتوفير احتياجات أولادها من الغذاء، لكن المشكلة في اعتماد الكثير من البسطاء على زيادة الأبناء في جلب الرزق، وهنا اعتقدت الحكومة أن الدعم بالنسبة لهؤلاء بلا جدوى ولا قيمة له.

الحكومة قدوة للشعب

وفق هذه الشواهد، اقتنعت الحكومة بأن الدعم سواء استمر أو انقطع، فإن حياة شريحة كبيرة من البسطاء لن تتأثر بالقدر الذي تروج له أصوات معارضة، فهم يسايرون حياتهم وفق الحدود المتاحة دائما، بل إن الدعم الحكومي في السلع والخدمات لم يحسّن مستوى معيشتهم، وبإمكانهم الاستغناء عنه، اعتمادا على الاقتصاد الخفي لهم.

وأكد كريم العمدة، الباحث في شؤون الاقتصاد السياسي، أن نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ورث فكرة خاطئة عن الدعم، واستمرت نفس التركة في عهد السيسي، وهذا لم يعد يصلح استمراره، فلا يمكن أن تكون الدولة مسؤولة عن الطعام والشراب والتوظيف، والمواطن نفسه يتكل على الحكومة في كل شيء، هذه تربية خاطئة للشعب على ثقافة التواكل.

وذكر لـ”العرب” أن الحكومة قدوة لشعبها، فإذا كانت مبذرة سيكون الناس كذلك، وبالفعل ليس كل الفقراء فقراء، لكنهم شاركوا في صناعة فقرهم بالتعويل على الحكومة، وهناك شواهد تشير إلى أن جزءا من البسطاء بإمكانهم تجاوز فكرة الدعم، لأن لديهم بدائل أقوى من المئة جنيه التي يحصلون عليها من الدولة كدعم على بعض السلع والخبز، أما الفئات المنعدمة فهذه تستحق المساندة من الدولة، طالما أنها لا تمتلك البدائل التي تعينها على أن تعيش الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

ولفت إلى أن فكرة الدعم موجهة أساسا للمواطن المحتاج فقط، مع أن هناك بسطاء في الريف استطاعوا التغلب على ظروفهم بالتفكير خارج الصندوق، وصار لديهم اقتصادهم الخاص، والمطلوب من الحكومة أن تكون لديها قاعدة بيانات للمعدومين لتخصص لهم دعما يتناسب مع ظروفهم، أما الحاصل حاليا فإن منظومة الدعم غير عادلة، حيث تقدم لمواطن الريف مثل الحضر، مع أنها يفترض أن تكون متغيرة من منطقة إلى أخرى حسب ظروف السكان وحياتهم، وبالتالي باتت مطلوبة على وجه السرعة إعادة هيكلة الدعم وفق ظروف كل منطقة.

  • الحكومة تدرك أن البسطاء بإمكانهم البحث عن بدائل في حال تجرأت وقررت إلغاء الدعم كليّا، فلديهم اقتصادهم الخاص الذي قد يغنيهم عن حفنة الأموال التي تقدمها الدولة شهريا في صورة دعم على السلع الغذائية أو رغيف الخبز

ونادرا ما يشتري بسطاء الريف سلعا غذائية، فهم لديهم البروتين من خلال تربية الطيور فوق أسطح المنازل، ولديهم السلع الغذائية مثل الأرز والبقوليات والخضراوات من مزارعهم المملوكة لهم، وليست لدى أغلبهم سيارات لشراء الوقود، ويصنعون الجبن والسمن وغيرهما داخل منازلهم، وبينهم التاجر والمزارع وصاحب الحرفة ولا تحصل منهم الدولة على ضرائب، وفوق كل ذلك يحصلون على معاش شهري ضمن مبادرة “حياة كريمة” للفقراء، أيّ أن شريحة كبيرة من المستهدفين بالدعم لن تتأثر كثيرا، خاصة سكان القرى والمناطق الريفية.

تكمن المشكلة في بسطاء المدينة، فهؤلاء يفتقرون إلى المزايا الموجودة عند فقراء الريف والمناطق الحدودية، ويمثلون الأزمة الأكبر للحكومة، وهم أقرب الناس إلى مناطق وبؤر التوتر مع أجهزة الأمن، وقريبون من مراكز صناعة القرار في الدولة، وخياراتهم في مواجهة أعباء رفع الدعم محدودة للغاية، ولن يكون صمتهم بالأمر السهل على الحكومة لندرة الدخل وغلاء المعيشة في المدينة وقلة البدائل المتاحة.

ورأى جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، أن رفع الدعم عن رغيف الخبز والسلع الغذائية الاستراتيجية له انعكاسات سلبية كثيرة على حياة البسطاء، وتحديدا في المناطق الحضرية، وهؤلاء في صدارة المشهد السياسي، وإدارة الملف معهم لن تكون سهلة، وستصل شعبية الحكومة عندهم إلى الحد الأدنى، وسيظلون دائما وقودا للغضب، طالما أنه تم الجور عليهم في غذائهم.

وقال لـ”العرب” إن السلع المدعومة لمحدودي الدخل العمود الفقري الذي تقوم عليه الحياة الكريمة لهذه الشريحة، والتحجج بوجود بدائل أو غير ذلك، يعكس غياب فهم الحكومة وعدم نزولها إلى الأرض لمعايشة حياة المهمشين، فهناك شرائح كثيرة تآكلت، ورفع الدعم كليا يقود إلى مرحلة من عدم الاستقرار، ولا يصح تخصيص مبالغ ضخمة للتنمية على حساب قوت البسطاء.

ويبدو أن الحكومة تعوّل على صمت بسطاء المناطق الحضرية بتوفير المزيد من منافذ بيع السلع والخدمات بأسعار رمزية، المملوكة للجيش والشرطة، كنوع من امتصاص الغضب المتصاعد في المناطق القريبة من مؤسسات إدارة الحكم، وهذه ليست موجودة في الريف بنفس القدر، لقناعة الحكومة بأن بسطاء القرى الذين لديهم بدائل الغذاء الحكومي ليسوا في حاجة إليها.

بغض النظر عن كون البسطاء في مصر، جناة أم مجنيا عليهم، هناك الكثير من الشواهد التي تعكس تقزيم شكل الدعم المقدم من الدولة وأنه بحاجة إلى ترشيد، واستراتيجية تضمن وصوله إلى مستحقيه، بالقدر الذي يكفيهم لا بالطريقة التي تريدها الدولة، لكن الأهم وجود خطة تضمن توفير بدائل مناسبة لرفع الدعم تتوافق مع ارتفاع معدل الغلاء المنتظر، لأن الحكومة إذا فقدت السيطرة على المشهد فقد يصل غضب الفقراء إلى مرحلة يأكلون فيها الأخضر واليابس، بعد أن صار تجاوز الخطوط الحمراء مع الفقراء هدفا سهلا.


العرب
Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: