' rel='stylesheet' type='text/css'>

فضح البشر وأنقذ الطبيعة.. ماذا تعلَّمت من فيروس كورونا؟

محمد مولود

لم يتوقع العالم أن تتوقف الحياة بسبب فيروس صغير لم يُحدد من أين أتى، ولا سبب وجوده، ولا مَن تسبب فيه؟ لقد أغلقت الحدود البرية والبحرية والجوية، توقفت أكبر المصانع عن التصنيع، وانخفض  سعر النفط، وأغلقت أكبر الفنادق والملاهي والمقاهي. وقد أثرت هذه الإجراءات الاحترازية من الفيروس على الصناعات العالمية، وتضررت الشركات الكبرى والصغرى. ولأول مرة في التاريخ أغلقت المساجد وأغلقت الكعبة أبوابها في وجه المعتمرين. فكان الفيروس نكسة اجتماعية واقتصادية واجتماعية ونفسية على جل الدول الكبرى والصغرى، فتساوت الدول الغنية بالفقيرة، وأصبح همهم الوحيد هو البحث عن سبل النجاة من كارثة محققة.

لم يكن المواطن العربي البسيط الذي كان حلمه أن يعيش في أمريكا أو أوروبا يتصور وقوع هذه الدول العظمى في أزمة بسبب فيروس القرن الحادي والعشرين، رغم تطور القطاع الصحي في هذه الدول المتقدمة. ويحيلنا هذا إلى الصحة بالعالم العربي والإفريقي، التي تعاني من انتكاسة كبيرة وضعف مهول، بالإضافة إلى جهل المواطن بمخاطر هذا الوباء، الذي زاد من حجم الكارثة ومعاناة دول العالم الثالث.

لكن رغم تقدم الدول الأوروبية والأمريكية فإنها وصلت إلى درجات حرجة في التعامل مع المصابين بكوفيد-19، حتى أصبح قرار من سيعيش ومن سيموت بيد الطاقم الطبي المعالج، ويعود هذا الأمر إلى عدم وجود المعدات الطبية الكافية مع ارتفاع عدد المصابين بالآلاف في اليوم الواحد. لذلك فإنني أقول إن أوروبا لم تعُد حلماً.

لقد أظهرت دولنا العربية والإسلامية تقدماً وتطوراً ووعياً، بالرغم من قلة الإمكانات والتبعية الغربية، لكن لنا ثروة بشرية حققت المستحيل في أزمة كورونا، وخير دليل على ذلك المغرب، عند تصديره الكمامات وأجهزة التنفس من صنعٍ مغربي إلى أمريكا، وخلوّ موريتانيا من أي حالة وباء.

لقد سبَّب هذا الفيروس كارثةً إنسانية، حيث تجاوزت الوفيات 200 ألف وفاة، وأثّر على الاقتصاد العالمي والقطاع السياحي، الذي يعول عليه جل الدول -خاصة المتقدمة- باعتباره يشغل عدداً كبيراً من اليد العاملة، فمثلاً السياحة والأنشطة المرتبطة بها كالطيران والمطاعم والفنادق قد توقفت. لهذا فإن أزمة عالمية على الأبواب، بل ستكون كارثة المستقبل بعد كورونا.

لكن، من ناحية أخرى، هذا الفيروس أيقظنا من نوم عميق ومن ملذات الحياة، وأيقظ النفس الأمّارة بالسوء، وأيقظ الضمير الإنساني، وأنقذ كوكب الأرض والغلاف الجوي من الغازات السامة بسبب المصانع والطائرات، لأن الإنسان كان سبب تدهور الطبيعة، وسبب انتشار الأمراض، مثل بعض الشركات التي يهمها الربح المادي دون النظر لعواقب ذلك على صحة الإنسان والكوكب، لكن اليوم كورونا غيّر العالم، وحدَّد هدف الجميع وهو إنقاذ البشرية من مخالبه الفتاكة.

إن ما نعيشه اليوم هو امتحان لنا ولسائر الشعوب، خاصة التي تعيش بحبوحة وتخمة زائدة في ملذات الحياة، متمثلة في التقدم والازدهار والبنايات الشاهقة والأكل الفاخر والأواني المزخرفة والتكنولوجيا الحديثة، وهي التي تتحكم في أي شيء، مرسّخة في الأذهان أن الإنسان صاحب الثروة لا يقهره شيء ما دام له رأس مال يشتري به كل شيء على وجه الأرض، فلا يمكن لأي مخلوق أن يوقف أصحاب الأموال الطائلة.

والدول العظمى التي تعيش في الرفاهية وتبحث عن كوكب آخر غير كوكب الأرض، لكن إرادة الخالق تُغيّر كل شيء، فتوقفت الحياة وأصبح كل واحد يخاف من الآخر ومن أقرب المقربين، يهرب من أبيه وأمه وزوجته وابنه وأخيه. العالم يتغير اليوم، الكل يحارب عدواً مجهولاً فرّق عائلات، وجمّع عائلات كانت متفرقة، فرّق بين الدول وبين المدن، أظهر أموراً جاء بها الإسلام، مثل: النظافة، والكمامة في النقاب، والتصافح، وتربية الأبناء.

بسبب فيروس كورونا اجتمعت العائلة وجلس الأب مع الأبناء بعدما كان يفر منهم إلى المقاهي للابتعاد عن دوره في التربية ومراقبة أبنائه. بسبب هذا الفيروس ستنكشف سلوكيات وعادات سيئة كان يقوم بها الإنسان. لهذا وجب التغيير في هذا الوقت بالذات، فربما كان الحجر الصحي امتحاناً إيجابياً علينا أن نستفيد منه.

يجب أن نحمد الله على هذا الوباء الذي أيقظ فينا روح الإنسانية بعد انشغالنا في العالم المادي، وكانت طموحاتنا ومساعينا هي جمع الأموال الطائلة والحلم بأعلى المراتب.

لقد عرفنا  في هذه الجائحة أن هناك فقراء لا يملكون قوت يومهم من الطعام والشراب.

لقد عرفنا أن دولاً أوروبية لا تساوي شيئاً، لقد عرفنا أن هناك وزارات لا تستحق أن تكون وزارة، لقد عرفنا أن هناك مسؤولين لا يستحقون أن تسند إليهم مسؤولية، لقد عرفنا أن هناك منتخباً لا يستحق أن يمثل مجتمعاً، لقد عرفنا أن هناك من يفعل الخير لوجه الله، لقد تأكد الجميع من الدور الفعال الذي يقوم به الطبيب وأصحاب الصحة بشكل عام، وقيمة الأمن وقيمة التعليم.

يقول أحد المؤرخين: إن الوباء يهدد الروابط الاجتماعية ويطلق العنان بشكل خفي من حرب أهلية يكون فيها كل واحد حذراً من جاره، كما أن انتشار الأوبئة يشكل دوماً امتحاناً للمجتمعات البشرية، ويقول المؤرّخ لوران هنري فينيو: إن الأوبئة نتاج مشترك بين الطبيعة والمجتمعات، بين الميكروبات والبشر والجراثيم، فلا تصبح خطيرة إلا في ظروف معينة.

زد على ذلك، أنه لم يتم التوصل بعدُ إلى لقاح فعال لتدمير هذا القاتل الذي زرع الرعب في نفوس كل المواطنين.

ومن الإجراءات التي يمكن أن يقوم بها أي سائح لمغادرة بلده فحص طبي لإثبات خلوه من أي مرض كان. وهذا من الإيجابيات للدول المستقبِلة للسياح في المستقبل القريب، وعلى الدول المستقبِلة أن تكون حازمة في نقطة المراقبة والمطارات، بإحداث مراقبة صحية، لعدم انتشار أي مرض من أي دولة في المستقبل.

لقد أوضح فريق إدارة الأزمات بالمنظمة العربية للسياحة أن آخر التقارير التي صدرت دولياً أشار إلى أن أكثر من 50 مليون موظف يعملون في القطاع السياحي قد يتعرضون للإيقاف، جراء تفشي وباء كورونا وانتشاره عالمياً، وهو ما يمثل تهديداً خطيراً لهذا القطاع.

وحذّر مجلس السياحة والسفر العالمي من أن انتشار فيروس كورونا الجديد في الصين يمكن أن يترك تأثيراً اقتصادياً طويل الأمد على السياحة العالمية، في حال تم السماح بانتشار الذعر. وفي بيان حديث قالت رئيسة المجلس غلوريا غيفارا: أثبتت لنا الحالات السابقة أن إغلاق المطارات وإلغاء الرحلات الجوية وإغلاق الحدود غالباً ما يكون له تأثير اقتصادي أكثر من تأثير الوباء نفسه.

شاهد أيضاً

لبنان ومصر تقعان في فخ الاقتراض، أفلست الأولى، فهل تتفادى الثانية ذلك؟

مصطفى عبد السلام كاتب متخصص في الشأن الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة وقعتا لبنان ومصر في …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: