' rel='stylesheet' type='text/css'>

“عدّ تنازلي” أو استكمال في معرض الفنان المصري وليد عبيد

“عدّ تنازلي” أو استكمال في معرض الفنان المصري وليد عبيد

صوت العرب


عانت أغلب المجتمعات على مر التاريخ من “رهاب المرأة” وبدرجات متفاوتة، ووحدهم الفنانون هم من كانوا قادرين بفنهم على الانتصار لها دون خلفيات ومخاوف متوارثة. ويعتبر التشكيلي المصري وليد عبيد أحدهم، حيث تتحرر المرأة في لوحاته من كل القيود، معبّرة عن نفسها كما هي بقوتها وضعفها دون أن تنسى الانتصار لذاتها وللأنظمة الإنسانية.

افتتح مؤخرا “أتيليه العرب للثقافة والفنون” في القاهرة معرضا للفنان التشكيلي المصري وليد عبيد في صالة “ضيّ”. كما استضاف على هامش المعرض ندوة ثقافية وتشكيلية بعنوان “قراءة في أعمال وليد عبيد” أدارها الشاعر والصحافي محمد حربي.

وضم المعرض مجموعة من الأعمال الفنية بأحجام معظمها كبير ومشغول بالألوان الزيتية التي تمسّك بها الفنان في عزّ تحول عالم التشكيل إلى “الميكست ميديا” واستخدام ألوان الأكريليك. وحمل المعرض عنوان “عدّ تنازلي” وبدا وكأنه استمرارية للمعرض الذي سبقه وكان بعنوان “قبل الطوفان”.

أول ما يخطر على بال المُشاهد حين يعلم بأن معرض الفنان وليد عبيد يحمل عنوان “عدّ تنازلي” هو أن مضمونه سيكون إما استكمالا لما قدمه في المعرض السابق تحت عنوان “قبل الطوفان” أو هو تأكيد على أن ذلك العدّ العكسي لا يزال في بدايته.

  • عبيد أدرك عبر اعتماده على التعبيرية والواقعية كيف يظهر مكامن الهلع التي يعيشها الجنس الآخر منذ الآلاف من السنين

ولاحقا سيتأكد المُشاهد بعد رؤيته للأعمال أنها لا يمكن أن تكون سردا لمَشاهد، على عدد اللوحات المقدمة، ولمراحل العدّ التنازلي العكسي نحو الخلاص إذ أن المُرجح، ولفداحة ما صوره الفنان في لوحاته والذي لا يقل قسوة عما قدمه في معرضه السابق بل يفوقه في لوحات عديدة، أن المعرض يضم سرديات بصرية لعملية تقهقر مستمر للأنظمة الإنسانية لاسيما تلك التي تتعلق بالمرأة.

وهنا لا نقول إن طرح وليد عبيد يتعلق “بالمرأة العربية بشكل عام والمصرية بشكل خاص” فقط، ولكن يتعلق بالمرأة بشكل مُطلق.

 فقد أدرك الفنان عبر إكثاره من التنوع في السرد “القصصي” البصري واعتماده التعبيرية والواقعية (لتكثيف المصداقية والمشاعر) والرمزية (لأجل تحفيز العقل على التساؤل) كيف يُظهر مكامن الهلع التي يعيشها الجنس الآخر منذ آلاف السنين، هلع أمام قوة المرأة التي تم تقويض حقيقتها حدّ تشكل تعبير يُفترض أنه يصفها وهو “الجنس الضعيف”.

إنه تعبير خُففت “كيديته” وراديكاليته مع مرور الزمن فتحول إلى تعبير “الجنس اللطيف”، وذلك تماما كما تحول تعبير “سن اليأس” إلى “سن الأمل” في نسخة خبيثة وفكاهية (غير إرادية) حاولت طمس واقع “الفكر” الذي أنتج في البداية التعبير الأصلي.

في هذا الصدد يجدر القول إن المرأة في فن وليد عبيد، الذي كرس فنه لمناصرة المرأة ومناصرة الإنسان المقهور، هي مصرية الملامح من دون شك غير أن ذلك لا يجعل منها امرأة مصرية فقط، إلا ربما في بعض اللوحات التي تناولت عادات وممارسات مُجحفة بحق النساء رصدها الفنان في المجتمع المصري بشكل خاص.

اختراق للألم

اللوحة مساحة شاسعة من الحرية

ألحق الفنان أعماله بالعناوين الجديدة منها والسابقة لتشكل أسئلة ضمنية (لم يطرحها الفنان كأسئلة) بحد ذاتها تحفزّ المشاهد على تفكيك عناصرها بغية استيعاب مكنونها المفتوح على النقاش.

نذكر من تلك العناوين “رسالة طلاق” و”المهرج” و”وحدة زوجة” و” متى ستتزوجين؟” و”الحب المخادع” و”امرأة حرّة في السجن” و”ماكيافيللي في الحجر”.

ولم يترك وليد عبيد قضية اجتماعية ونفسية إلا وتناولها. وشكل شبه العري لجسد المرأة في الأكثرية الساحقة من اللوحات عنصرا لافتا ويستحق التأمل. فهو من ناحية جسد يلتحف في معظم الأحيان بقماش الساتان اللامع والفاضح، وهو من ناحية ثانية العنصر الثابت والوحيد في لوحاته الجديدة والقديمة مما يسوقنا إلى القول إن جسد المرأة شبه العاري في لوحاته هو “المُتعرّض” دوما من ناحية لنظرته الذكورية، ولممارسات المجتمع من ناحية ثانية وذلك بغض النظر إن كانت اللوحات المعنية تتناول المرأة كضحية أو ثائرة أو أقوى من ظالمها.

أما بالنسبة إلى مفهوم القوة وصولا إلى السلطة، فالمرأة في لوحاته تتمتع بها حتى وهي في عزّ ضعفها كما في أكثر من لوحة تدل على تعرض امرأة للتعنيف الجسدي النفسي. فالضعف يأتي دائما مع زاهقه. إنه ضعف قاب قوسين أو أدنى من الانقلاب على مصدر الظلم. كما يلفت النظر أيضا هذا التوتر العضلي والعصبي الذي يسكن أجساد تلك النسوة السمراوات حتى في اللوحات التي أراد منها الفنان أن تظهر جانبا من الراحة أو الاستسلام، إنه اختراق لمكامن الألم من خلال تصوير الظاهر، أي الجسد.

روايات تشكيلية

قدم الفنان معرضه بهذه الكلمات “الفنان عندما يرى قضية فجة أو عنيفة يجب أن يعبر عنها، ولكن بطريقة فنية، فالجرأة في الأعمال الفنية أمر طبيعي وصادق لتوثيق المرحلة الزمنية بلوحات تسبق زمنه”. الجرأة ظاهرة والفجاجة غير المعنية بتجميل الواقع حاضرة لا ريب في ذلك، وكذلك الموهبة والقدرة الفنية على نقل الأفكار الى قماش اللوحات.

وتحيل أفكار العديد من لوحاته إلى شخصيات تناولها الروائي الاجتماعي نجيب محفوظ المتمحورة حول المرأة في المجتمع المصري وكذلك إلى الكاتب المصري يوسف إدريس وأيضا إلى الكاتب إحسان عبدالقدوس.

  • المرأة في لوحات وليد عبيد تتمتع بالقوة والسلطة حتى وهي في عزّ ضعفها

غير أن الفنان وليد عبيد قدم في معرضه الجديد كما في معارضه السابقة “خلطة” ظهرت فيها المرأة بملامح معاصرة جدا في وضعيات الجلوس والاستلقاء غير المُكترثة التي تنمّ عن تعب عتيق في الملبس وطريقة تصفيف الشعر أو تركه في حال سبيله دون أية اهتمام.

إضافة إلى ذلك جمع في لوحاته شخصيات من وحي بعض ما كتبه الأدباء المصريون المذكورون آنفا والمعنيون بشؤون المرأة. كما أخرج المرأة من مختبره الفني الخاص مُثقلة بملامح يجدها المُشاهد طاغية في ملامح نساء الطبقتين الوسطى والفقيرة من المجتمع (أي الطبقتين المحركتين لعجلة الاقتصاد في أي بلد كان).

يُذكر أن وليد عبيد وُلد في مدينة الجيزة وعاش معظم طفولته في اليمن قبل أن يعود إلى القاهرة، وحصل على بكالوريوس من “كلية الفنون الجميلة” في “جامعة حلوان” عام 1992 متخصّصاً في فن التصوير. شارك في معارض جماعية كما أقام عدداً من المعارض في مصر وخارجها. له مقتنيات خاصة بالعديد من الأماكن مثل متحف الفن الحديث بالقاهرة، مكتبة مبارك بالجيزة، المركز القومي للفنون التشكيلية وبعض الوزارات.


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: