' rel='stylesheet' type='text/css'>

عامُ تصفير المشكلات.. هكذا تغيَّرت السياسة الإماراتية في 2021

عامُ تصفير المشكلات.. هكذا تغيَّرت السياسة الإماراتية في 2021

أحمد مولانا

صوت العرب – بعد مرور عقد من الزمان على بروز الإمارات كفاعل إقليمي نشط يسعى لبسط نفوذه في المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى سواحل البحر الأحمر وتخوم القرن الإفريقي، بالتوازي مع ريادته لجهود مكافحة التيارات الإسلامية بالشرق الأوسط، وإدارة مشاريع الثورات المضادة في مصر وليبيا واليمن، حدث تغير جوهري في السياسة الإماراتية بالتزامن مع وصول إدارة بايدن للحكم في الولايات المتحدة، كما شهد عام 2021 صعود نجم مستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد عبر إدارته للملفات الخارجية وتنفيذه لزيارات مكثفة إلى قطر وتركيا وإيران ومصر والأردن.

انعطافة في العلاقات مع تركيا

اتصفت العلاقات التركية الإماراتية بعدم الانسجام خلال السنوات الماضية، وذلك في ظل اختلاف مواقف البلدين تجاه ثورات الربيع العربي، والانقلاب العسكري في مصر، ومشروع حفتر بليبيا، وصولاً إلى اتهام أنقرة لمحمد دحلان الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي للسلطة الفلسطينية بغزة والمستشار السياسي لولي عهد أبوظبي بدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة بتركيا في يوليو/تموز 2016، ومن ثم عرضت السلطات التركية مكافأة قدرها مليونا دولار مقابل القبض عليه.

لكن طرأت مستجدات تتسق مع تقرير نشرته الفايننشال تايمز في يونيو/حزيران 2021 أشار إلى عزم الإمارات تغيير استراتيجيتها في الشرق الأوسط من التدخل الخشن وتقديم الدعم العسكري للحلفاء لتعتمد على العمل الدبلوماسي وتقديم الدعم الاقتصادي والتوسط في النزاعات، بهدف أن تصبح صديقة للجميع بداية من إسرائيل إلى إيران.

وتطبيقاً لما سبق، ففي شهر أغسطس/آب 2021 زار طحنون بن زايد العاصمة التركية أنقرة، حيث استقبله الرئيس أردوغان الذي صرح عقب اللقاء بأن العلاقات بين الدول تحدث فيها عادة تقلبات، وأن العلاقات الإماراتية التركية تتغير، وكشف أنه سيعقد قريباً لقاءات أخرى مع القيادة الإماراتية. وهو ما حدث بالفعل في نوفمبر/تشرين الثاني؛ إذ زار ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد أنقرة في أول زيارة له لتركيا منذ عام 2012. وخلال الزيارة تعهد بن زايد باستثمار 10 مليارات دولار في بعض القطاعات التركية مثل الطاقة والنقل والصحة، وفي المقابل مفترض أن يزور أردوغان الإمارات في فبراير/شباط 2022.

فضلاً عن تعزيز المصالح الاقتصادية المتبادلة بين البلدين، تأمل أبوظبي وفقاً لما كشفته دورية إنتليجنس أونلاين، في تعزيز التعاون مع شركات الصناعات العسكرية التركية، وبالأخص شركة البيرق التي تنتج طائرة بيرقدار، وذلك بعد أن قدم مسؤولون مغاربة عرضاً وافياً لقدرات “بيرقدار” أمام وفد إماراتي عقب شراء الرباط 13 طائرة منها في عام 2021.

أما مشكلة ملف دحلان فقد شهدت حلحلة مع فقدانه مؤخراً بريقه لدى أبوظبي التي أصبحت تتشكك في قدرته على الفوز بخلافة محمود عباس في الرئاسة الفلسطينية. ومن ثم حجَّمت الإمارات نشاط دحلان، وأبعدته عن الملفات المتعلقة بتركيا والقرن الإفريقي، وأسندتها لأعضاء الدائرة المقربة من طحنون بن زايد.

الانفتاح على إيران وأفغانستان

لم يكتفِ طحنون بتعزيز العلاقات الإماراتية التركية وإنما أخذ خطوة أخرى للأمام للانفتاح على الأطراف الإقليمية الفاعلة ونزع عوامل التوتر معها، فزار طهران في أول زيارة رسمية لمسؤول إماراتي لإيران منذ عام 2016، حيث التقى بالرئيس الإيراني، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني.

وقد سعى طحنون لطمأنة طهران بخصوص ملف التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، لكن ظلت بعض نقاط الخلاف كما هي مثل مشكلة جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى والصراع في اليمن. وقد أثارت زيارة طحنون إلى طهران قلق تل أبيب من سعي الإمارات للعب على كافة الحبال بالمنطقة.

وفيما يخص الملف الأفغاني، فقد أعلنت أبوظبي إعادة فتح سفارتها في العاصمة كابول بعد سيطرة حركة طالبان على البلاد، كما أطلقت شركة الطيران الأفغانية “أريانا” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أولى رحلاتها المنتظمة من كابول إلى دبي. فيما رددت تقارير صحفية أن الإمارات فرضت قيوداً على الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني وبعض مساعديه المقيمين في الإمارات. كما انخرطت الإمارات في محادثات مع حركة طالبان بخصوص المشاركة في إدارة مطار كابول.

التطبيع مع إسرائيل

في ظل الانسحاب الأمريكي النسبي من الشرق الأوسط وإعادة الانتشار للتركيز على مجابهة الصعود الصيني، عملت واشنطن على بناء تحالفات إقليمية بين حلفائها البارزين لسد الفراغ بالمنطقة، وهو ما بلغ ذروته بالإعلان في عام 2020 عن اتفاقية سلام بين الإمارات وإسرائيل. فلعبت أبوظبي دوراً محورياً في دمج إسرائيل بالمنطقة وإذابة عقلية الصراع معها؛ مما يعزِّز من وزن الإمارات دولياً، وبالتالي كان 2021 هو عام التطبيع بامتياز.

فدبلوماسيّاً استقبل ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بالإمارات في أول زيارة من نوعها، وذلك بحضور كوشنر صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كما وجَّه بن زايد دعوة للرئيس الإسرائيلي هرتسوج لزيارة الإمارات.

وعسكرياً أجرت الإمارات والبحرين وإسرائيل مناورات عسكرية مشتركة في البحر الأحمر في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بذريعة العمل على ضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية. أما اقتصادياً، فقد أعلنت شركة ديليك الإسرائيلية للغاز الطبيعي إتمام بيع حصتها بأسهم حقل تمار إلى شركة “مبادلة” للبترول الإماراتية مقابل 1.01 مليار دولار.

كما رعت أبوظبي توقيع اتفاقية “الماء مقابل الكهرباء” بين الأردن وإسرائيل في دبي بتمويل إماراتي، وهي اتفاقية تنص على تزويد الأردن لإسرائيل بالطاقة الشمسية بمقدار 600 ميغاوات مقابل الحصول منها على 200 مليون متر مكعب من المياه المحلاة من البحر المتوسط.

وعلى المستوى الشعبي، احتفل الحاخام “ليفي دروشمان” بعيد حانوكا اليهودي في الإمارات، وأضاء الشموع داخل معرض إكسبو دبي. كما شارك منتخب الشبيبة “الإسرائيلي” لكرة القدم في أول مباراة مع نظيره الإماراتي بمدينة نتانيا.

التوتر مع واشنطن

يبدو أن إدارة بايدن لم تنسَ تحالف أبوظبي مع إدارة ترامب، وتسربها لدائرة القرار الأمريكي عبر المال السياسي، فكان ملف التعاون الصيني الإماراتي هو البوابة التي استخدمتها واشنطن لتحجيم دور أبوظبي، إذ دعا مجلس النواب الأمريكي في أكتوبر/تشرين الأول 2021 ضمن “قانون تفويض الاستخبارات لعام 2022” مدير الاستخبارات الوطنية “أفريل هاينز” إلى تقديم تقرير في غضون شهرين حول التعاون الصيني الإماراتي في القطاعات الاستراتيجية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الاستخبارات الأمريكية اشتبهت في أن الصين تبني سراً موقعاً عسكرياً في ميناء خليفة قرب أبوظبي، وأشارت إلى أن إدارة بايدن حذرت الحكومة الإماراتية من أن الوجود العسكري الصيني في أراضيها قد يهدِّد العلاقات بين البلدين؛ مما دفع أبوظبي لإيقاف عمليات البناء. وقد عقب أنور قرقاش وزير الدولة السابق للشؤون الخارجية بالإمارات على الأمر قائلاً إن بلاده أوقفت العمل في المنشأة المذكورة لكنها تؤكد أنها ليست منشأة عسكرية.

وفي ظل التوتر بين البلدين جمَّدت أبوظبي صفقة شراء 50 طائرة إف 35 ومعدات أخرى أمريكية بقيمة 23 مليار دولار، في ظل الاشتراطات التي تطلبها واشنطن على خلفية خشيتها من تسرب التكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى الصين. وبالمقابل تعاقدت أبوظبي في ديسمبر/كانون الأول 2021 خلال استقبالها للرئيس الفرنسي ماكرون على اتفاقية لشراء 80 طائرة مقاتلة طراز رافال و12 مروحية في صفقة تصل قيمتها إلى 17 مليار يورو، في أضخم صفقة لبيع طائرات رافال منذ دخولها الخدمة عام 2004.

كما مرت العلاقات السعودية الإماراتية ببعض التوتر في عام 2021 مع حدوث خلافات حول حصص النفط بين البلدين في اجتماعات منظمة أوبك، وجذب الرياض لبعض الشركات العالمية لنقل مقراتها إلى السعودية بدلاً من الإمارات، فضلاً عن انخراط الإمارات في ملف التطبيع مع إسرائيل والتقارب مع تركيا وإيران بشكل أحادي بعيداً عن الرياض، واختلاف مواقف البلدين بشأن إدارة الصراع في اليمن.

في المجمل نجد أن المستجدات في السياسة الإماراتية خلال العام المنصرم تشير إلى أن أبوظبي أدركت أنه مع رحيل إدارة ترامب، غابت مظلة الحماية التي سمحت لها بخوض مغامرات عسكرية وحروب بالوكالة في المنطقة، وأن الانسحاب الأمريكي من المنطقة سيجعلها أكثر عرضة لسلبيات التنافس مع دول إقليمية فاعلة مثل تركيا وإيران، ومن ثم بدأت في تصفير مشاكلها، وتنويع علاقاتها الخارجية وبالأخص مع الصين الصاعدة بقوة، فضلاً عن تعزيز التطبيع مع إسرائيل، وهي توجهات ترحب بها إدارة بايدن فيما عدا خيار التقارب مع بكين، وهو ما يمثل تحدياً سيواجه أبوظبي أيضاً خلال عام 2022.+


عربي بوست – أحمد مولانا

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: