' rel='stylesheet' type='text/css'>

ظِلٌّ في الزُّقاقِ مُرعِبٌ!

ظِلٌّ في الزُّقاقِ مُرعِبٌ!

 

بغداد – علي الجنابي

(جمالُ البيانِ أن يُصَوِّرَ من حَدَثٍ ليس بذي قيمةٍ  وذليل، فيُصَيِّرَ منه مقطوعةَ نثرٍ مُؤطَّرةً بحنانٍ من تراتيل، وليسَ ضرورةً للحدثِ أن يكون ذا شأنٍ عظيمٍَ وفضيل، كي ترتقيَ به البنانُ كمرشدٍ لعبراتها ودليل) .
حدَّثَنيَ المساءُ تحتَ غشاوةٍ من كساء..
قبلَ نِصفِ قرنٍ من زَمانٍ، وأزيدُ على النصف لفيفاً من أيامٍ لحِججٍ ما إنفكت دوّارةً تحيل.
لعلَّ ذاكَ الزمان كان الزمانُ الأخيرِ لنكهاتِ من الودِّ أصيل.

وفي العاشرةِ ليلاً، وفي غشاوةِ الأمنِ تحت دفءِ ذلكُمُ الزمن اليُسر الجميل،
كان الصبيُّ متَّكئاً بظهرهِ الى عمودِ نورٍ في زقاقِ الحيِّ ترابيٍّ طويل.

زقاقٌ حالكةٌ ظلمَتُهُ ماخلا قنديلَاً علا عمودَهُ، ثمَّ عموداً آخرَ بعيداً عن عمودِهِ بقليل.

العمودانِ نورُهما ناعسٌ، وكلٌّ يبثُّ بنورٍ منهُ لزقاقِ الحيِّ خجولٍ وضئيل،
لعلّ أتربةَ الزقاق أذهبت بريقَ فضائهما، فما أحدهما لنورِهِ بضنينٍ على الزقاقِ ولا بخيل،
بل هما الشيخانِ بين أعمدةِ الزقاقِ الثّكلى بقناديلِها، فذا عمودٌ ضريرٌ، وذا عمودٌ آخرٌ مرتجفٌ نورُهُ وعليل،

وذاك عمودٌ مِعوَّجٌ عن صراطِ السلكِ المستقيم النحيل، وهناكَ عمودٌ كادَ أن ينتفضَ مُتمرِّدَاً على هديِ الصراطِ فيميل.

كانَ بصَرُ الصبيِّ شاخصاً لمجرَّةٍ من برغشٍ وبقٍّ وهوامٍ دوّارةٍ في فمِ القنديلِ، ومنهمكةٍ في أزيزِ مناوراتٍ جنونيةٍ وتفعيلٍ! مافتأت تناور سبّاحَةً في أفلاكها، ولربما هو تسبيحٌ لمعبودها وتهليل.

كان صدرُ الصبيِّ مطمئناً أنَّ المجرَّةَ لن تتمدَّدَ بأفلاكِها فتهبطَ فتسقطَ على يافوخهِ كطيرٍ من أبابيل.

وكانَ يزعجُهُ رنينٌ مجهولٌ موضعهُ لنقنقةِ ضفدعٍ واحدٍ أخضرٍغَبيٍّ، أو لعلّه أنينُ عرعرةٍ لصرصورٍأحمرٍ سَبيٍّ.

قعدَ الصبيُّ ساعةً متسائلاً بدهشةٍ وذهولٍ عن تماوجِ مجرَّتِهِ بتسارعٍ عجيبٍ ودوامٍ في تعجيل!
كيفَ تسنى لها أن لا تتناثرَ أو على أقلِّ حسبانٍ أن تستطيل؟
كيفَ إنعدمَ الصدامُ بين كويكباتها! ذلك أمرٌ خارقٌ، بل يستحيل.

كان الصبيُّ مستغرقاً في تأمّلهِ كإستغراق أهلهِ خلفَ الجدارِ في حديقةِ الدارِ في نومٍ ثقيل.

فجأةً وفي لمحةٍ من بصرٍ..
أطبقَ على رأسِ الصبيِّ خطفاً وغلَّفَهُ ظلٌّ حالكٌ مكوَّرٌ مُرعِبٌ وعصيٌّ عن فهمٍ وتأويل.

صَعِقَ الصبيُّ، وتَيَبَّسَ النبضُ فيه، وإنحبسَ في فؤادهِ التساؤلُ أوالعويل،
بيدَ أنّ ظلَّ الشؤمَ ذاك سرعان ما غادرَ رأسَ الصبيِّ دون أذىً أو تنكيل،
واهٍ!
كان الظلُّ ظلَّ الحاجِّ مُكوَّرَ الظهرِ جارنا “أبي عقيل”، إذ هو عائدٌ من مقهى الحيِّ، إثرَ السّهرِ في سمرٍ وفي أقاويل.

لا تثريبَ على “أبي عقيل” وغفرَ له اللهُ الذي (
لَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) القاهرة الجليل.
ذاك أنَّ بصرَ “أبي عقيل” لايرتَدُّ إليهِ كاشفاً له مافي دربِهِ من كثبانٍ أو دخيل، فماتَنَبَهَ لأوقيةٍ من لحمٍ متأمِّلةٍ في كومةٍ من بقِّ ليلٍ بسبيل، ومُلتَحِفَةٍ دشداشةً سمراء لونُها، لا زُخرفَ فيها ولا تَزرُّرًاً ولا تكحيل، ولا لباسَ عورةٍ تحتها قطُّ، فما كان مصرفُ أبيهِ يسمحُ بلباسٍ في طياتها ولا سيولة من تمويل، ولا يقبلُ بنعلٍ يصاحبها كخليلٍ وللأناقة تكميل، فالتمويلُ كان يَعُدُّ النعالَ ترفاً وكان كافراً بالتنعيل.
نصفُ قرنٍ وهاهي عقودُ الدهرِ قد مرَّت خاطفةً بلا توقفٍ ولا إنتظارٍ ولا تعطيل..

وما نسيَ الصبيُّ الأوقيةُ اللحمِ المتأمِّلةُ في مجرَّةِ البراغشِ ببهجةٍ وتفصيلٍ، هنالك في أحضانِ عمودِ النورِ ذاكَ تبتغي التأصيل. مانسيَ ولن ينسى هولَ الصعقةِ من ظلٍّ غشيَها على حين غفلةٍ من “أبي عقيل”، ذلكمُ الشيخِ المُترَنِّحُ بعصاه الكهيل، لأنّه لم يُصعقَ -حتى هذه اللحظةِ- برعبٍ مثله في حِلٍّ حَلَّ به وفي ترحيل.

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: