' rel='stylesheet' type='text/css'>

شرق أوسط بدون أمريكا.. قراءة في التحولات الكبرى التي أكدتها زيارة ولي عهد أبوظبي لتركيا

شرق أوسط بدون أمريكا.. قراءة في التحولات الكبرى التي أكدتها زيارة ولي عهد أبوظبي لتركيا

صوت العرب – شهد مطلع 2021 إرهاصات لتحولات في تحالفات الشرق الأوسط والعلاقات بين دوله، لكن زيارة حاكم الأمارات محمد بن زايد إلى تركيا كشفت عما يصفه محللون بخريطة جديدة في المنطقة في مرحلة ما بعد أمريكا.

كانت العلاقات التركية الإماراتية قد شهدت تحسناً كبيراً في الأشهر الأخيرة بعد قطيعة استمرت أكثر من ثماني سنوات. وجاءت زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد لأنقرة في 18 أغسطس/آب الماضي، كبداية لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، حيث التقى الرئيس التركي وناقش معه القضايا الإقليمية والاستثمارات الإماراتية في تركيا.

لكن وصول محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات إلى تركيا، والاستقبال الخاص الذي استقبله به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأربعاء 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، لا يمثل فقط تتويجاً لإشارات التقارب بين أبوظبي وأنقرة وفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين، بل يعتبر عنوانا أوسع للشرق الأوسط وتحالفاته فيما هو قادم، بحسب محللين.

الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

وقبل الدخول إلى ملامح الخريطة الجديدة للتحالفات والعلاقات في الشرق الأوسط استعداداً للانسحاب الأمريكي المحتمل من المنطقة، من المهم التوقف عند مسألة الانسحاب نفسها أو انتهاء النفوذ الأمريكي وما يقوله المسؤولون الأمريكيون في هذا الصدد.

لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي، خلال حوار المنامة الذي أقامه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الأسبوع الماضي، قال للصحفيين إنه واجه “مستوى مرتفعاً من القلق لدى الحلفاء بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بهذه المنطقة”.

وأضاف أوستن، خلال المؤتمر الأمني السنوي في البحرين، إن أمريكا “ستظل ملتزمة بالتواجد في هذه المنطقة (الشرق الأوسط). لا يزال لدينا آلاف من الجنود في هذه المنطقة. لدينا قدرات ضخمة هنا”، بحسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية.

وواصل أوستن محاولة إقناع الجميع بأن واشنطن لم تغير من مستوى التزامها بمنطقة الشرق الأوسط، فقال: “أنا شخصياً خضت حروباً كثيرة لعدة سنوات دفاعاً عن المصالح في هذه المنطقة، ودعوني أؤكد لكم أننا لن نتخلى عن تلك المصالح في قادم الأيام”.

لكن تطمينات وزير الدفاع الأمريكي لم تجد أذناً صاغية، إذ واصل المشاركون في المؤتمر في محاصرة المسؤولين الأمريكيين بشأن التراجع الواضح لاهتمام واشنطن بملفات منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كانت أمريكا صاحبة النفوذ الأقوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حتى إن أحد المشاركين وجه سؤالاً لأوستن عن سبب غياب الرد الأمريكي على تعرض قاعدة عسكرية أمريكية في سوريا لهجوم الشهر الماضي، بحسب سي إن إن.

وحاول بريت ماكغورك منسق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي في إدارة جو بايدن، الإيحاء بأن واشنطن ردّت بالفعل على الهجوم لكن بطريقة “سرية”. “لا يتم الحديث عن مثل هذه المواضيع في وسائل الإعلام كما لن يظهر كل رد فعل أمريكي على شاشة CNN أو غيرها”، مضيفاً أن القول إن أمريكا لم تفعل شيئاً هو “قول غير دقيق”.

لكن الواضح أن اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط قد عقدوا العزم واتخذوا قرارهم بالفعل فيما يتعلق بالاعتماد على الولايات المتحدة بشأن قضايا الأمن والدفاع عن أنفسهم، بحسب تحليل الشبكة الأمريكية. وقارن محللون تحدثوا للشبكة الأمريكية بين الموقف الأمريكي من غزو صدام حسين الكويت عام 1991، وبين رد الفعل- أو غيابه بمعنى أدق- عندما تعرضت منشآت أرامكو النفطية السعودية لهجوم مدمر بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية منتصف سبتمبر/أيلول 2019.

وكانت سياسة “أمريكا أولاً” التي طبقها الرئيس السابق دونالد ترامب قد تسببت في زعزعة الثقة لدى حلفاء واشنطن في مدى الالتزام الأمريكي تجاههم فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والعسكرية، ثم جاءت طريقة انسحاب إدارة بايدن من أفغانستان في أغسطس/آب الماضي لتضع المسمار الأخير في نعش تلك الثقة، بحسب كثير من المحللين.

زيارة بن زايد إلى تركيا

في إطار هذا السياق، يرى كثير من المحللين أن زيارة ولي عهد أبوظبي إلى تركيا تحديداً تمثل تحولاً جذرياً في الشرق الأوسط، نظراً لما مثله كل منهما على مدى نحو عقد من الصراعات في المنطقة. فالإمارات كانت طرفاً فاعلاً في أكثر صراعات الشرق الأوسط شراسة، سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن أو مصر وتونس والسودان والعراق، إلى الصراع شرق المتوسط، وكانت توصف الإمارات في الغرب بأنها “إسبرطة الصغيرة”.

وبنت الإمارات سياستها الخارجية منذ الربيع العربي على العداء المطلق للإسلام السياسي- وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين، وفي المقابل كانت تركيا برئاسة أردوغان تمثل النقيض من تلك السياسة الإماراتية، ووصل العداء بين الجانبين ذروته منذ 2016 عندما اتهمت أنقرة أبوظبي علناً بتمويل ودعم الانقلاب الفاشل في تركيا.

وبالتالي، جاء لقاء محمد بن زايد وأردوغان الأخير ليمثل انطلاقاً لمرحلة جديدة، ليس فقط في علاقات الدولتين، ولكن في الشرق الأوسط ككل، وهي مرحلة عنوانها “التنافس بدلاً من الصراع”، بحسب محللين تحدثوا للشبكة الأمريكية.

وفي تحليل لشبكة CNN عنوانه “ماذا تخبرنا زيارة ولي عهد أبوظبي إلى تركيا بشأن الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد أمريكا”، رأى محللون أن كثيراً من اللاعبين الإقليميين في الشرق، أبرزهم الإمارات، قد انتبهوا أخيراً إلى عدم جدوى الصراعات وأنه حان الوقت لتغيير السياسة الخارجية بشكل جذري للتعامل مع المتغيرات الجديدة، سواء الانسحاب الأمريكي أو التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا.

وقال يوسف إريم المحلل السياسي التركي ورئيس تحرير TRT World للشبكة الأمريكية إن “ورقة الرئيس أردوغان الأقوى التي أبقته في السلطة هي الاقتصاد، وبالتالي فإن دخوله السباق الانتخابي عام 2023 في ظل المعاناة الاقتصادية الحالية هو أمر لا يرغب فيه”.

وفي المقابل، واضح أن أبوظبي قد اقتنعت بعدم جدوى مواصلة سياساتها الخارجية العدائية التي تشعل صراعات المنطقة، خصوصاً في ظل الغياب الأمريكي الواضح عن شؤون المنطقة والتركيز أكثر على المنافسة مع الصين، وبالتالي قررت الإمارات اللجوء إلى سياسة أكثر اتزاناً وقبولاً للحوار والحلول السلمية.

وهذا ما عبر عنه عبد الخالق عبد الله المستشار السابق لولي عهد أبوظبي وأستاذ العلوم السياسية، بقوله للشبكة الأمريكية إن ما يقود هذا التحول هو “إعادة تقييم القيادة للدور الإماراتي في المنطقة”، مضيفاً: “نالت المنطقة نصيبها من الصراع وعدم الاستقرار والحروب التي لا يخرج منها أي طرف منتصراً”.

الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد أمريكا

ولا تقتصر تلك التحولات في المنطقة على العلاقة بين تركيا والإمارات وحسب، فالعراق في ظل حكم مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء يسعى إلى لعب دور أكثر استقلالية والتخلص من كونه مسرحاً مفتوحاً للصراع بين إيران والولايات المتحدة. وعلى الرغم من صعوبة المهمة، فإن الكاظمي استطاع أن يجعل بغداد مسرحاً للقاءات لتقريب وجهات النظر بين إيران والسعودية- وكلتاهما ترى في الأخرى عدوها الإقليمي الأخطر، وهذا التحول يراه أغلب المحللين إيجابياً لجميع الأطراف، ولم يكن ليصبح ممكناً لولا تراجع النفوذ والتأثير الأمريكي في المنطقة.

وكان تحليل لمجلة Slate الأمريكية أواخر أبريل/نيسان الماضي قد تناول الجدل في أروقة السياسة الأمريكية بشأن اللقاءات السرية بين إيران والسعودية في غياب الولايات المتحدة، ورأت المجلة أن هذا التحوُّل كان مدفوعاً بالاعتراف بأن الولايات المتحدة تبتعد عن الشرق الأوسط.

وفي الأسبوع الماضي، صدر بيان مشترك عن الدول الخليجية يدعم إعادة إحياء المفاوضات بين إيران والدول الغربية بشأن الاتفاق النووي، في ظل الجولة الجديدة من المناقشات والمقررة في فيينا الإثنين 29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. وهذا البيان في حد ذاته يمثل تحولاً جذرياً في موقف السعودية والإمارات، إذ كانت السعودية تحديداً من أكثر المنتقدين للاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015.

وبالتوازي مع التراجع الواضح في النفوذ الأمريكي في المنطقة، رغم النفي المتكرر لمسؤولي إدارة بايدن لتراجع اهتمامهم بقضايا الشرق الأوسط، يتعاظم نفوذ الصين وتواجدها، ليس فقط من بوابة الاقتصاد والاستثمارات، بل أيضاً من بوابة السياسة والوجود العسكري، فالقاعدة العسكرية الصينية الوحيدة بعيداً عن الديار موجودة في جيبوتي، بخلاف التقارير عن وجود قاعدة صينية سرية في الإمارات نفسها.

وتكشف كل هذه المعطيات عما يصفه بعض الدبلوماسيين الغربيين “بإعادة ضبط إعدادات الشرق الأوسط” لتتلاءم مع مرحلة ما بعد الولايات المتحدة، بحسب تقرير   لموقع عربي بوست، تحدث فيه مصدر دبلوماسي غربي عن كيف تشهد المنطقة تغييراً في نهج القوى الإقليمية المؤثرة وتحديداً العربية، مشيراً إلى زيارة محمد بن زايد لتركيا ولقاء الرئيس التركي وفتح صفحة جديدة بعد عقد من الصراعات الدموية والسياسية.

وتوقع المصدر الدبلوماسي الغربي أن يكون العام القادم عاماً لفرض الواقع السياسي والإقليمي الجديد نتيجة التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، في ظل الانسحاب الأمريكي من المنطقة، والذي يعني أن هناك حاجة لقوى فاعلة لتعبئة هذا الانسحاب.

وبعيداً عن بطء شديد تشهده إعادة رسم المنطقة نتيجة التعقيدات الشديدة في جميع ملفات المنطقة وبؤرها الساخنة، إضافة إلى تعدد الأطراف الفاعلة في كل ملف وتناقض المصالح، إلا أن كثيراً من المحللين يرون أن خريطة النفوذ والتحالفات والعلاقات البينية في المنطقة ستختلف اختلافاً جذرياً في العام المقبل عما كانت عليه في العام الماضي 2019.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: