' rel='stylesheet' type='text/css'>

سِرُّ الرَغَدِ والسَعدِ

سِرُّ الرَغَدِ والسَعدِ

بغداد – علي الجنابي – صوت العرب 

مَثلٌ شعبيٌّ: “جَوِّعْ الضيفَ أن كنتَ تَوُدُّهُ” أوهكذا يُقالْ، حيثُ في تَأخيرُ وليمتِهِ حافزٌ ليَتَغدّى بلا خَجلٍ ولا وَجلٍ وبِلَذّةٍ وإنفِعالْ.

قد طَقْطَقَت خُطانا حَصى الدّربِ، نبغيَ حضورَ مناقشةِ رسالةِ (دكتوراة) لصاحبِنا، مُستَظِلُّينَ بأمانيّ لهُ وآمالْ، فصاحبُنا بشوشٌ وذو أَنَسٍ، وذو بَأسٍ في الشدائدِ وللعادياتِ خيّالْ، فَرَقرَقَت لهُ خَلَجاتُنا وَقَطَّعَت لأجلِهِ بوناً من فراسخَ وأميالْ،

ثُمَّ..

زَقزَقَت مَحارِكُ مَركباتِنا، فإنطلقَت عَوْداً من “جَامعةِ بغدادَ” المُصابةِ بداءٍ النومِ أو إضمِحلالْ، شطرَ دارِ صاحبِنا المُولِمِ لنا بِمائدةٍ من أصنافِ طَعامٍ ثِقالْ. وقد بانَت لنا لذّةُ وليمتِهِ عَجَباً عُجاباً وباتَت مَضرِبَاً للأمثالْ، وتأويلُ ذاكَ العُجابِ عندي كامِنُ في ثَلاثِ خصالْ، فَخصلَةٌ تَدَلَّت مِن إطالَةِ أَمَدِ المُناقَشَةِ حتى صَلاةِ العَصرِ وكأنّنا رهنُ إعتقالْ، فكادَت عقولُنا من الجُوعِ أن تَختَلَّ أو تُغتَال، وخِصلةٌ تَجَلَّت بأنّا كُنّا نَبلَعُ طعاماً مُتنوع الرّوائحِ والأشكالِ، ثمَّ ولن نَتَكَلَّفَ بدفعِ أموالْ، والخِصلةُ الثّالثةُ الكُبرى تَحَلَّت بأنَّ صاحبَنا الرّضيع لِلتَوِّ من لبنِ الشهادةِ والمُقَمَّطُ بقماطِ (الدكترةِ)، ذو نَفَسٍ كريمٍ وطَيِّبٍ، وسخيٌّ ورفيعُ الخِصالْ،

أكَلْنا حتّى كَلَلْنا، وإلتَهَمْنا حتى أتُهِمنا . قد نهمنا الوليمةَ نهماً، بأمعاء بقرٍ وحَوايا من جِمالْ، بل إنّنا خَشينا أن تَنتَفِخَ أظهرُنا بسنامٍ أو سنامينِ، فَيَتَسابقُ النّاسُ للقطةِ (سلفي) معنا، أو يستأجروننا لأسفارِهم في رحلاتٍ طِوالْ.

عُدّتُ لمَسكنيَ أتَهَادى مُعَلعَلَ الحالِ، مُزَلزَلَ البالْ، ومُسبَلَ الجِفنَيْنِ كسكرانٍ، أو لأهلِ الهَوى خافقي مَيّالْ. كانَت حُنجرَتي تَطحُرُ وتزحُرُ برغاءٍ، ولعابيَ على الكَتِفَيْنِ سَيّالْ.

كُنتُ مُتَنَّمِلُ الكَفَّيْنِ والقَدمينِ، واللّسانِ والشَّفَتَيْنِ والأذُنَيْنِ،ورُبَما الكبدِ والطحالْ، وأشتَهيَ تَقَيُّأً وكانَت تلكَ شهوةً أشبهُ بالمُحَالْ، أو تَجَشُّأً ولابَأسَ حتّى في سعَالْ.

وَلَجتُ الدّارَ فدندنتُ بِلينٍ لأمّي كدندنةِ مُداهنٍ أو مُحتالْ، وإذ هي حَذوَ تنُّورِها تَقِفُ مُحاطةً بِأدغَالْ:

” دعْ تنّوُرَها وشأنهُ! ألا ليتكَ تَذَرُ التَسَلّطَ أيُّها الأبُ المُتَكَبِّرُ المُتَعالْ” ؟

رَمَقَتنيَ أُمّيَ بِنظرةٍ وهي قائِلةٌ: “حقيقٌ على أبيكَ على ألّا يكونَ مَعكَ إلا مُتَكَبِّرٌ وعليكَ جَبّارٌ بإذلالْ.

ويْ! أَعَقَقتُ أمّيَ وشَقَقتُ رَحِمَ بِرِّها وسَحقتُ إجنحةَ الذُلِّ لها ومَحَقتُ الوِصالْ !وما ذنبيَ أنا إذ كانَت أمّيَ مُعَلَّبةً بِبُردةٍ أبي السوداءَ بإشتِمالْ، ومُغلّفةً بِغُترَةِ بَعلِها المُتَكَبِّرِ المُتعالْ؟ بَل ما لامَسا لِلَحظةٍ رِموشُها وحاجِبَيها كُحلاً، وكانا في عداءٍ مُؤَبَّدٍ مع (المَسكَرةِ) والإكتِحالْ.

(أمّيَ كانَت ذَكَرٌ في بَطنِ أُنثى، لاتَخضَعُ بالقولِ ولا تُجيدُ تمايلاً بتَغَنُّجٍ ودَلالْ).

ويحَكِ! مابالُكِ ياعَينُ تَملأينَ طَيّاتِ خدَّيَّ وأَلْغَاديَ بِدمعٍ مُنهَمرٍ لِذكرِ أمّيَ الودودِ الوَلودِ للأشبالْ! رَحِمَكِ الرَّحمنُ الوَدودُ -أمّيَ – وإذ إحَاطَكِ بينَ الأنامِ بِودٍّ من لّدنُهُ في حِلٍّ وتِرحالْ، وبِدُعاءٍ مُستجابٍ لا يَتَأخّرُ ولا يُرَدُّ ولا يُقال، وأنّيَ لأطمعُ منكِ بِدُعاءٍ من مثلِهِ يومَ التغابنِ وبَعدَ زوالِ الجِبالْ، فيَستَلَّني مِن أوزارٍ ومُوبقاتٍ كان عَضُدِي لها بِجَهالةٍ كَيّالْ.

تَكحّلي إمّاهُ، وأكتحلي لأبي المسكين،وإذ أنتُما الآنَ في كَنَفِ الرّحمنِ ذي الجَلالِ والجمالِ والكَمالْ، تَكحّلي له ياإمرأة! حَيثُ لا نَظَراتٍ إلّا نَظراتُ أبي المَحروم، ثم إنها نظراتٌ حَلالْ ).

(آيهٍ أمّاهُ! ذِكرُكِ يُصَيِّرُني رَضيعاً رَغمَ لَهيبِ الشَّيبِ بإشتعالْ، ورَهيبِ ماجرى في الدّهرِ من أهوَالْ).

قد زَلَّتْ قدمُ قَلمي، وشَطَحَت عن سَردِ روايةِ (وليمةٌ بلا أمَوالْ)، فألتَمسُ العُذرَ عن هكذا شَطَنٍ وإختِلالْ.

عُدّتُ لمَسكني، وكِدّتُ أن أقسِمَ بربِّ الشّفقِ والغَسقِ، أن أصومَ حَولاً تامّاً بأيامهِ والليالْ، أن نَجوتُ من دُهونٍ دَسمةٍ حَطَّت فأطَّت بجوارحي، ولكأنّ الدُهنَ يقطرُ من أظافري، وماعُدّتُ مُقتَدِراً على إغتسالْ. وسأصارِعُ أسنانيَ كيلا تَصطَكَّ بإعتِلالْ، وسأقارِعُ فَكّايَ لئلّا تَنغَلِقا بإقفالْ.

وَيْ!

أيُّكُما هوَ المُرتَجِف، أساقاي أنتُما؟ أم تَراكما أنتُما سَعْفَتا السّروالْ؟

وكُفّي يا بَطنُ عن عزفِ (سمفونيةٍ) لغضنفرٍ في أحراشٍ، وإذ هو يطاردُ عُصبةً من أفيالْ؟
وعلى رسلِكَ يا شهيقُ، فإلزَمْ غرزَكَ ولا تَضيقُ.

فما أَنْفَسَ الشّهيق في هذه الأنوَاءِ والأحوَالْ.

وَيحَكَ شَهيق! لا تَكُ لَئيماً فَتَضَنُّ بأنفاسٍ وتَذرُ الزّفيرَ وحيداً يُلافِحُ ويُكافِحُ الأعطالْ.
و هَوى ياعَبادَ اللهِ هَوى..

فَنسمَةُ هوىً واحدةٌ لتَعدِلُ عنديَ الآن فندق (إنتركونتننتالْ)!

ألا بُعداً لكلَّ (دكتوراة) حِيزَت بجدارةٍ مُستَحَقَةٍ أو بِتَزَلّفٍ وإحتِيالْ.

ورُدُّوها عليَّ إن إستطعتم : أوَكانَ “سِيبويه” مُتَبَختِراً ولربطةِ العنق حَمَّالْ ، أم كانَ أبنُ النفيسِ بشهادةِ الدكترةِ مُتَجَبّراً يَخْتَالْ ؟

أم كان الخُوارزمي يتمطّى بقلادةٍ (الدال) مُتَفاخِراً في حارتِهِ وبسذاجةِ الأطفالْ.

إن (اللّقبَ العِلميّ تَكليفٌ وتحليفٌ سيُسأَلُ عنهُ حَاملُه يومَ الوقفةِ والسّؤالْ، وماهو بتَغليفٍ وتوليفٌ بِبَدلةِ تَكلُّفٍ بينَ العَوامِ، وتَزَلُّفٍ في كلِّ إحتِفالْ).

وحَيهلا..

فهاهيَ قد أطَلّت جُنودُ النومِ لتغزوَ عَينيَّ ضُحىً بإحتِلالْ، فهَللَّتُ لهمُ مُرحِباً:

“أجِئتُم تَطلُبوا الأرقَ ثأراً، أم تَرَاكُمُ جئتَم تُشِعلُوا الدّارَ شَنَاراً بإقتِتالْ، أنتُمُ فاتحونَ لا مُحتلّونَ، نعم وهكذا نحنُ نَعلُكُ كلَّ غَزوٍ غاشمٍ وإحتلالْ، وهي علكَتُنا نتبادلها مابين قيلٍ وقالْ ، أنتمُ حماةٌ لا غُزاةٌ، لاريبَ عنديَ ولا إِشكالْ، فَأَنِيمُوني وحَمِّلُوا من كنوزِ دّارِي تِلالاً على تلالْ.

فَنُمْتُ..
آه، نُمْتُ ثُمَّ نُمْتُ..
ثُمَّ صَحوتُ بعدَ الظهيرةِ وإذ أنا وحديَ في الدّارِ بسبتٍ وإستقلالْ ، رُبَما تركوني وحيداً يَرْجَونَ هدوءً ليَ بإكتمالْ.
جائعٌ كنتُ أنا ولكن هذهِ المرّةِ بلا تَطَرُّفٍ وبإعتدال،
فَتَّشتُ المطبخَ فلم أحظَى إلّا بنُتفةٍ من خُبزٍ يَبَسٍ وكانت عَطشى لإبتِلالْ، وَ بشُطفةٍ من قِثّاءَ مَلويةٍ ومَنفيةٍ خَلفَ سَلَّةِ الأزبالْ.

إلتَهَمتُهُما بلا إبتٍلالٍ ولن أباليَ بروائِحِ الأزبالْ، وعَجبي!

مابالُ طَعمهُما أشهَى وألَذُّ مِن ولائمِ الدكترةِ سَيئةِ الصّيتِ إيّاها، وكان مَريئاً كماءِ زمزمَ المُكَرَّمِ الزُلالْ!
لعلَّ رَغَدُ العَيشِ وسَعدُهُ يأبى غَوراً في قيعانِ الطَّمعِ والشَّراهةِ والإنخِذالْ؟

لعلَّ سرُّ السعادةِ كامنٌ..
في تَأمّلٍ في شَكلِ لا في أكَلِ البُرتُقالْ؟
وفي تَجَمُّلٍ لا في تَحَمّلٍ لأموَالْ؟
وفي تَرَفُّعٍ لا في تَنَفُّعٍ من جِدالْ؟
لعلَّ ذَاكَ كذلكَ؟

لستُ أدري.

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: