' rel='stylesheet' type='text/css'>

سد النهضة الأثيوبي والأمن القومي المصري

سد النهضة الأثيوبي والأمن القومي المصري

محمد عمران كشادةمحمد عمران كشادة‏‏

صوت العرب – خاص – لا تزال قضية سد النهضة ألأثيوبي تثير الجدل وهي قضية امن قومي بامتياز ، إن ما تفعله إثيوبيا ألان سيكون مقدمة لحروب المياه ، ولاشك بان سد النهضة الأثيوبي يشكل تهديداً للأمن القومي المصري ، وبالتالي فهو تهديد للأمن القومي العربي ، وحين ندقق في خرائط الجغرافيا في محاولة لوضع تصور عن مدى تأثير سد النهضة على كل من مصر والسودان مؤكد بأننا سنشعر بالقلق ، مساحة مصر والسودان مجتمعة تبلغ حوالي 2.886.000كم 2 ، وبتعداد سكاني يبلغ حوالي 130 مليون نسمة ،

هنا يمكن القول بأن ما تقوم به إثيوبيا هو عمل خطير وتحدي وجودي للعرب وليس مصر والسودان فقط ، وليس خافيا على احد تلك العلاقات الوثيقة بين أثيوبيا وإسرائيل ، ولقد قال موشى دايان عن إثيوبيا : ( إن امن إثيوبيا وسلامتها هو ضمان لإسرائيل )، إن إسرائيل في مساعيها لتطويق مصر تعتمد على إقامة علاقات وثيقة مع دول افريقية مثل إثيوبيا ، وتتقن سياسة التغلغل في تلك الدول ، ونسج علاقات إستراتيجية تمنحها القدرة على التأثير على امن مصر والسودان وبقية الدول العربية ،

وسد النهضة يقع على النيل الأزرق بولاية بنيشنقول-قماز بالقرب  من الحدود الإثيوبية-السودانية ، على مسافة تتراوح بين 20 و 40 كيلومترا، ومن المتوقع أن يكتمل إنشاؤه في سنة 2017م ، وسوف يصبح أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية ، والعاشر عالميا في قائمة أكبر السدود  إنتاجا للكهرباء ، وتقدر تكلفة الإنجاز ب 4.7 مليار دولار أمريكي ، وهو واحد من ثلاثة سدود تُشيد لغرض توليد الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا ، وتبلغ سعته التخزينية 47 مليار م3 ، وكما يقول خبراء المياه  والسدود والهيدروليكا : ( سوف يسبب سد النهضة نقصاً يقدر بـ34% من حصة مصر من مياه النيل ، وانخفاضا قدره 30% من إنتاج السد العالي من الكهرباء ،

وكل الآراء والتوقعات تشير إلي أن السد سوف يحتجز 74 مليار متر  مكعب سنوياً من مياه النيل مما يؤثر مستقبلياً علي حصة مصر من المياه ويؤثر علي الإنتاج الزراعي  بصورة كارثية) ،

ويقول الخبراء أيضا : (سد أثيوبيا بسعة تخزينية  كبيرة 47 مليار م3 وهذا ليس بهدف أنتاج الكهرباء فقط كما يزعم الإثيوبيون بل للزراعة أيضاً ، لأن السعة التخزينية لإنتاج الكهرباء في حدود 6 إلي 12 مليار م3 ويمكن نقل هذه المياه إلي أحواض أخري  والأضرار بحصة مصر ، وتقدر التأثيرات السلبية علي نقص حصة مصر من 12 – 15 مليار م3 في السنة ،

والخشية انه إذا حدثت فترات جفاف لفيضان النيل لمدة 7  سنوات كما حدث في الثمانينيات ، فإن جميع توربينات السد العالي سوف تتوقف تماماً عن التشغيل وإنتاج  الكهرباء ، ويتم تبوير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بمصر ) ، وهو ما يعني حدوث كارثة في مصر ،

إن سد النهضة سيكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية المصرية على تامين العمق الاستراتيجي لمصر في إفريقيا، والدفاع عن الأمن القومي المصري ،

وعلى الرغم من إن مصر والسودان وإثيوبيا قد وقعوا في مارس عام 2015م عن إعلان مبادئ حول سد النهضة تتعلق بالتقاسم العادل لموارد مياه النيل ، إلا أن الخلافات لا تزال مستمرة خاصة حول اتفاقية عنتيبي التي وقعت في عام 2010م والتي ترفضها كل من مصر والسودان ،

وتنص اتفاقية عنتيبي التي وقعتها دول: إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا عام 2010م على : ( أن مرتكزات التعاون بين دول مبادرة حوض النيل تعتمد على الاستخدام المنصف والمعقول للدول بأن تنتفع دول مبادرة حوض النيل انتفاعاً منصفاً ومعقولاً من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل ) ، وهذا يعني أن يتم تقسيم الحصص من مياه النيل بالتساوي ، ويعتبر وزير الري والموارد المائية المصري حسام مغازي في تصريح لـ مصراوي: ( إن اتفاقية عنتيبي بها ظُلم لمصر ، متسائلًا كيف يتم توزيع مياه النيل بالتساوي مع اختلاف مساحة دول حوض النيل وكثافة السكان في كل دولة ، وشدد مغازي على أنه لن تُمس قطرة واحدة من حقوق مصر في مياه نهر النيل التي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب ) ،

وتعلن إثيوبيا وبقية الدول الموقعة على عنتيبي عن تمسكها بالاتفاقية التي تعيد توزيع حصص مياه النيل ، وتقول بأن الاتفاقية الأولى الموقعة عام 1959 م تمنح مصر والسودان حق السيطرة على أكثر من 90% من مياه إلنيل ،

وتمنح اتفاقية 1959م مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا ، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب سنوياً ،

وفي المقابل ترى كل من القاهرة والخرطوم أن الاتفاقية الجديدة تمس بحقوقهما التاريخية في حصتهما بمياه النيل ، خاصة مع إعلان إثيوبيا عن إقامة عدد من السدود أبرزها سد النهضة ، وهذا يعني بأن الخلافات حول سد النهضة لن تجد لها حلا في المدى القريب ،

إن إعلان المبادئ الموقع في مارس عام 2015م بين مصر والسودان وإثيوبيا يعد إطار جيد لحل هذه القضية الشائكة ، خاصة وان بنود الاتفاق قد صيغت بشكل مناسب وتاخذ في الاعتبار الحقوق المائية لكل من مصر والسودان ، وتضع الية لحل النزاعات حول مياه النيل سلمياً ، إلا انه من الصعب الان التنبؤ بمدى التزام إثيوبيا باتفاقية إعلان المبادئ خاصة وانه هناك خلافات جوهرية بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان اللتان تصران على ضرورة التزام إثيوبيا بالدراسات العلمية للسد ،

المتحدث باسم الحكومة إلاثيوبية جيتاجو قال : ( إن استمرار بلاده بأعمال البناء في مشروع سد النهضة على نهر النيل هو  سيادة  قومية لا تقبل التهاون ، وأن أديس أبابا دخلت رغم ذلك في مفاوضات مع دول المصب مصر والسودان بهدف بناء الثقة ) ،

ندرك جيداً من خلال هذه التصريحات مدى التعنت ألأثيوبي ، وان إثيوبيا قد تلجأ في المستقبل لاستخدام مياه النيل في تحقيق أهدافها السياسية أو الضغط على مصر خدمة لأهداف دول أجنبية معادية خاصة إسرائيل ،

إن النظر إلى سد النهضة على انه مشروع إثيوبي يهدف إلى التنمية الاقتصادية ، وزيادة الطاقة ألإنتاجية من الكهرباء لتصل إلى 6000 ميغا واط وغيرها من الاهداف المعلنة تعد نظرة قاصرة ، لان مشروع سد النهضة يتداخل مع قضايا سياسية تتعلق بالصراع العربي ألإسرائيلي ، ورغبة إسرائيل في خلق المشاكل والصراعات بين العرب وجيرانهم ألأفارقة في حوض النيل ، وإذا أرادت مصر اليوم أن تكون الطرف الرابح في الصراع حول مياه النيل ، وان تضمن حقوقها التاريخية وحصتها من المياه ، فيجب أن تنظر إلى حلبة الصراع ابعد من حدود سد النهضة وإثيوبيا ، لابد لمصر أن تعمل على احتواء دولة جنوب السودان المسيحية ، والتي نجحت إسرائيل في اختراقها والتغلغل بداخلها ، ومصر تدرك جيداً بان احد أهم أهداف الاستعمار الذي صنع دولة جنوب السودان في عام 2011م هو تهديد الأمن القومي المصري ، بل ألأمن القومي العربي ، ولاشك بان إسرائيل ستستغل انشغال مصر بمواجهة الحرب التي تشنها التنظيمات الإرهابية في سيناء وبعض المدن المصرية ، لكي تعزز من وجودها في دول حوض النيل لضمان احتواء الدول الإفريقية ، وتعزيز قدرتها على تطويق مصر والسودان ، وخلق الفتن والاضطرابات ، إن مصر مطالبة اليوم بسياسة خارجية أكثر فاعلية تجاه إفريقيا ، خاصة في دول حوض النيل ومنطقة القرن ألأفريقي ، وان تقدم دعماً كبيراً للسودان في مواجهة دولة جنوب السودان ، وقد لا تستطيع مصر أن تقدم القروض والمساعدات الاقتصادية لبعض الدول الإفريقية بسبب وضعها الاقتصادي الحرج ، لكنها قادرة على أن تقدم الخبرات ، والمساعدات التقنية ، وان تقدم منح للطلبة الأفارقة للدراسة في الجامعات المصرية وبحوافز مشجعة جداً ،

ولسنا هنا في محل من يريد أن يذكر النخبة المصرية والخبراء المصريين بان منطقة حوض النيل ذات أهمية إستراتيجية لإسرائيل ، وان أي اتفاقيات مع دول حوض النيل في غياب إستراتيجية ودبلوماسية مصرية فاعلة لن تضع حداً للصراع ولن تنهي الخلافات ، وان على مصر وهي تتجه لاحتواء أي سياسة معادية من قبل إثيوبيا يجب أن تتحالف مع السودان ، والمملكة العربية السعودية التي لها علاقات وطيدة مع إثيوبيا، ويجب على مصر أن تسعى لتطويق إثيوبيا في جوارها الجغرافي في القرن ألأفريقي ، ولعل النخبة المصرية بحاجة اليوم إلى قراءة التاريخ جيداً ، والتعلم من سياسات محمد علي باشا والخديوي اسماعيل وجمال عبد الناصر لكي تظل لمصر هيبتها في أفريقيا.

 

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: