' rel='stylesheet' type='text/css'>

رجال الأعمال في مصر يفقدون حصانة ارتباطهم بالسلطة

رجال الأعمال في مصر يفقدون حصانة ارتباطهم بالسلطة

  • يبدو أن الحكومة المصرية تخلت عن أسلوب المهادنة الذي اتسمت به طريقة تعاملها مع رجال الأعمال، إذ دخلت في صدامات عديدة مع بعضهم.


أحمد جمال

صحافي مصري


القاهرة – أوحت جملة من القضايا الجنائية، التي اتُّهم فيها بعض رجال الأعمال المصريين وتحظى باهتمام مجتمعي واسع، بأن هناك تغيرا طرأ على طريقة تعامل السلطة السياسية مع ما يُطلق عليه اسم “مجتمع رجال الأعمال” الذي ظل على مدى سنوات طويلة بعيداً عن المحاسبة.

ويشير هذا التطور إلى أن “الحصانة العرفية” التي امتلكها هؤلاء بفعل تزاوج السلطة والثروة لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها في عهد أنظمة سابقة تعاملت مع الشخصيات النافذة كجزء من السلطة وأصبحت حاضرة في دوائر القرار.

محمد عادل عجمي: تعدد قضايا الفساد المعلنة يشي بقوة قبضة الدولة

وطرحت قضية رجل الأعمال المصري محمد الأمين الذي يواجه تهمة الاتجار بالبشر وقضية تهريب الآثار المتهم فيها رجل الأعمال حسن راتب، وبدأت أولى جلسات محاكمته أخيرا بجانب 21 آخرين، أسئلة عديدة حول طبيعة العلاقة بين النظام الحاكم ومستثمرين محليين حققوا نفوذا كبيرا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وقررت محكمة مصرية تجديد حبس رجل الأعمال محمد الأمين 15 يومًا على ذمة التحقيقات بتهمة “الاتجار بالبشر في التعامل مع أشخاص طبيعيين، وهن فتيات مجني عليهن من نزيلات دار أيتام يمتلكها وذلك باستغلاله ضعفهن بقصد التعدي عليهن جنسيّا”.

ويعد الأمين أحد رجال الأعمال الذين ذاع صيتهم منذ عقد تقريبًا وامتلك مجموعة قنوات “سي بي سي” قبل أن تستحوذ عليها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ولديه استثمارات أخرى في شركات عقارية.

وكان يجري التعامل مع المخالفات والاتهامات الموجهة إلى رجال الأعمال في مصر بالمزيد من التكتم، واقتصرت غالبيتها على مجالات التهرب الضريبي والاستيلاء على المال العام دون أن يرتبط الأمر بالجانب الشخصي أو الأخلاقي.

وحافظ نظام مبارك على صورة ذهنية لهم خالية من الانحرافات في أذهان المواطنين ولعبت صحف المعارضة دورا في كشف المجتمع السري لهؤلاء، ولم يتطور الأمر ليتحول إلى قضايا جنائية يُسمح بتداول تفاصيلها على نحو واسع.

ويبدو أن هناك علاقة مباشرة بين الاهتمام المجتمعي والإعلامي بقضايا رجال الأعمال وبين تخلي الحكومة عن أسلوب المهادنة الذي اتسمت به طريقة تعاملها معهم، إذ دخلت في صدامات عديدة مع بعضهم.

وأشّرت تلميحات الرئيس عبدالفتاح السيسي بأن رجال الأعمال استطاعوا أن يحققوا ثروات هائلة دون قيامهم بأدوار مجتمعية تضاهي ما حققوه من مكاسب، على أن الدولة تضع صياغة جديدة لأسس العلاقة بينها وبين المستثمرين المحليين.

حسن سلامة: استقرار النظام دفعه إلى تغيير طريقة التعامل مع رجال الأعمال

ويراجع هذا الاتجاه الصيغة السابقة التي بدت فيها الدولة حريصة على توظيف رجال الأعمال لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتخفيف فاتورة المشروعات التنموية مقابل توفير حصانة سياسية سعى لها العديد منهم.

وقال الباحث الاقتصادي ومؤلف كتاب “مصر في أحضان البيزنس” محمد عادل عجمي إن “العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال لم تشهد تغيرا جذريّا حتى الآن، وما حدث هو أن تزاوج السلطة ورجال الأعمال بالشكل الفج خلال العقد الأخير من فترة حكم مبارك لم يعد موجوداً وأن النظام حاليا غير حريص على أن تكون طبيعة العلاقة بينه وبين رجال الأعمال قائمة على النفوذ السياسي مثلما كان الوضع سابقا”.

وأضاف أن “انعدام الاستقرار وتوالي الأنظمة السياسية في فترة ما بعد ثورة يناير 2021 جعلا الكثير من رجال الأعمال يتراجعون عن طلب السلطة في الوقت الذي حرص فيه النظام على عدم تكرار أخطاء الماضي بعد أن بدت الدولة حامية ومدافعة عن فساد رجال الأعمال نظير الحصول على دعمهم المالي”.

وأوضح أن تعدد قضايا الفساد التي جرى الإعلان عنها مؤخرا يحقق حالة من التوازن بين السلطة والثروة، ويشي بقوة قبضة الدولة في التعامل مع مراكز مجتمعية ظلت بعيدة عنها.

ويرى مراقبون أن النظام الحالي يجد أن التكتم على جرائم يتورط في ارتكابها أصحاب جرائم فساد من أي نوع يشكل عبئا سياسيا عليه، ويثير شبهة أنه متواطئ معها في قضايا كانت أحد الأسباب التي قادت إلى سقوط نظام مبارك في ظل تضخم النفوذ الواضح الذي مارسه البعض من رجال الأعمال داخل الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) والبرلمان والحكومات المتعاقبة.

وقال الخبير في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة حسن سلامة إن “استقرار النظام السياسي جعل هناك حاجة ملحة إلى إحداث تغيير في طريقة التفاعل بين الدولة ومكونات المجتمع وعلى رأسها رجال الأعمال، وهذا التغيير يأتي في إطار ‘حوكمة النظام السياسي والتفاعلات الاجتماعية’ وضبط الأمور على نحو أكبر”، مضيفا أن “النظام الحالي يسعى للتأكيد على مواجهته الفساد بكافة أشكاله بما يجعل هناك استفادة إيجابية من ثراء رجال الأعمال يمكن توظيفها في خدمة المجتمع”.

وأشار ” إلى أن “الزواج بين السلطة والثروة سيظل قائمًا، وصاحب المال لديه دائما رغبة في تحويله إلى قوة سياسية حتى تستطيع تمرير مصالحه، لكن النظام الحالي يسعى ليكون توظيف المال في صالح المجتمع وليس في صالح رجال الأعمال ويؤكد قوته وحضوره ورفضه الانصياع لبعض مطالبهم التي تخدم أهدافهم الخاصة”.

وقد يأتي استهداف بعض المستثمرين من قبل وسائل الإعلام وكثرة القضايا التي تثار حولهم في المجتمع بنتائج عكسية لأن الصورة الذهنية التي ترسخ في أذهان الداخل والخارج هي أن الفساد هو السائد، والالتزام بالقانون دون تهويل أو تهوين وترك مصيرهم للقضاء العادل بلا تأليب المجتمع عليهم هما السبيل الأضمن لجذب الاستثمار الأجنبي والحفاظ على معدلات مشاركتهم في المشروعات القومية.


العرب
Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: