' rel='stylesheet' type='text/css'>

*د.عبد الحسين شعبان: حوار عن اللجوء واللاجئين

*د.عبد الحسين شعبان: حوار عن اللجوء واللاجئين

اللجوء حقّ إنساني ينبغي احترامه

حقوق الإنسان لها أهميّة خاصة في حياة المهاجرين

على دول الشمال احترام تعهّداتها في ميدان حماية اللاجئين

ينبغي على الدول الشرق متوسطية – الأوروبية الإيفاء بالتزاماتها وإعادة النظر بقوانينها

أجرى موقع “أجيال القرن 21” مقابلة خاصة مع الكاتب العراقي المتخصّص في القانون الدولي، الخبير في حقوق الإنسان، والذي له ما يزيد عن 50 كتاباً في السياسة والفكر، منها: “الهُويّة والمواطنة”، “جدل الهُويات في العراق”، “النزاع العراقي الإيراني”.

وفي هذا الحوار الشيّق والمثير، تحدّث”د. شعبان” عن واقع اللاجئين في المجتمعات الغربية، وآثار الهجرة غير الشرعيّة، والجوانب القانونية المتّبعة من قبَل الدول المستقبِلَة، فضلاً عن قواعد القانون الدولي واتفاقيات حقوق اللاجئين، كما تناول الإشكاليات التي يطرحها واقع المهاجرين واللاجئين، تلك التي تتعلّق بمفاوضات تُجريها بعض البلدان حول عودتهم الى بلادهم.

حاورته: أورنيلّا سكّر

س 1: لماذا يثار موضوع الهجرة غير الشرعية اليوم بالتحديد، ولماذا هناك تباين في المواقف الأوروبية؟

ج 1: ظلّ موضوع الهجرة غير الشرعية موضوعاً ساخناً على المستوى الأوروبي بشكل خاص والغربي خلال السنوات العشر المنصرمة بشكل عام، حتى وإن كان الأمر مطروحاً على بساط البحث قبل ذلك، لكنّه ازداد خلال العقد الماضي، ارتباطاً مع موجة ما سمّي بالربيع العربي، حيث شهدت الشواطئ العربية والإفريقية والحدود الإقليمية والدولية هجرة غير مسبوقة، وترافق ذلك مع صعود تيّار يميني عنصري شعبوي في العديد من البلدان الغربية، وخصوصاً في البلدان الاشتراكية السابقة التي تشكّل ممرًّا للهجرة غير الشرعية، مثل المجر وسلوفينا وسلوفاكيا والتشيك وغيرها، إضافة إلى صعود موجة كُره الأجانب في النمسا وإيطاليا وهولندا وفرنسا وإلى حدّ ما في بريطانيا، فضلاً عن بعض البلدان الاسكندنافية، في حين كانت ألمانيا أكثر انفتاحاً وقبولاً للهجرة، وقد شهدنا ذلك خلال الهجرة السورية الجماعية قبل بضع سنوات، دون أن ننسى الدور التركي الذي قام بفتح الحدود البرّية والبحريّة باتجاه اليونان ودول أوروبا.

ولعلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم في العام 2008 وما بعدها لا تزال آثارها مستمرة، هي التي كانت أيضاً وراء توجّه بعض البلدان الغربية لوقف الهجرة أو تخفيضها إلى أقل حدٍّ ممكن، بما فيها الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي قرّر بناء سياج يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك، ناهيك عن تقليص معدّلات الهجرة القانونية، ثمّ قراره العنصري بمنع مواطني عدد من البلدان من دخول الولايات المتحدة، وهو قرار ينمُّ عن صعود موجة عنصريّة تتّسم بروح الكراهية.

س 2: أين الإخفاق في قضية الهجرة غير الشرعية؟

ج 2: لا يمكن وقف الهجرة غير الشرعية كلّياً، ولكن يمكن تنظيمها وتقنينها، خصوصاً وأنّ اللاجئين لأسباب سياسية تمنحهم قواعد القانون الدولي المعاصر حقوقاً لا يمكن تجاهلها أو التنكّر لها. وهو ما تؤكده قواعد القانون الإنساني الدولي والشُّرعة الدولية لحقوق الإنسان والعديد من المعاهدات والاتفاقات الدوليّة التي وقّعت عليها البلدان الأوروبيّة، ولا سيّما اتفاقية حقوق اللاجئين الدولية العام 1951 وملحقها العام 1967، إضافةً إلى عدد من الاتفاقيات الأوروبية.

إنّ عدم التنسيق والتعاون واختلاف التوجّهات بين البلدان الأوروبية وصعود التيّار الشعبوي اليميني العنصري وعدم احترام قواعد القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، هو الذي كان سبباً في إخفاقها من استيعاب الهجرة من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، ومن دول العالم الثالث إلى الدول الصناعية المتقدّمة، ناهيك عن مسؤوليات الدول الغنية إزاء الدول الفقيرة، سواء بسبب سياسات الاستعمار القديمة أم السياسات الإمبريالية الجديدة ونهب ثروات الشعوب، بحيث ساهمت في نشر بذور التعصّب في تُربة صالحة لولادة ابنُهُ التطرّف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ يصبح عنفاً، وإذا ضرب عشوائيًّا يصير إرهاباً وإرهاباً دوليًّا إذا كان عابراً للحدود، وهدفه خلق الرعب والفزع وعدم الثقة بالدولة من جانب المجتمع والفرد، إضافة إلى عدم ثقة الدولة بنفسها، في حين أنّ العنف يستهدف الضحيّة بذاتها ولذاتها. ولعلّ الفقر والأُميّة والتخلّف وأسباب اقتصادية واجتماعية وعنصرية وإثنية وفكرية وثقافية ودينيّة وطائفيّة ولُغويّة وسُلاليّة وغيرها هي التي كانت وراء اختلال التوازن وغياب العدالة، سواء على المستوى المحلّي أم على مستوى العلاقات الدولية.

س 3: أين الإخفاق في السياسات الأوروبية تجاه التعاطي مع الهجرة غير الشرعية وما هي البروتوكولات التي يعملون على إصلاحها اليوم كسياسات إصلاحية في أوروبا للتعاطي مع ملف الهجرة والمهاجرين في أوروبا؟

ج 3: أنقل لك رأياً لوزير العدل والشرطة السويسري ويمكن تطبيقه عمليًّا على الوضع الإنساني السوري واللاجئين والمهاجرين بشكل عام. يقول وزير العدل والشرطة السويسري الأسبق آرنولد كولر مخاطبًا لاجئي كوسوفو الألبان: لو كنّا مكانكم لكنّا فررنا نحن أيضًا. ولعلّ عبارة مسؤولة وواقعية كتلك تفسّر التدفّق المفاجئ لملايين اللاجئين السوريين الذين اضطرّوا إلى اللجوء بسبب النزاع المسلّح وأعمال العنف والإرهاب التي اندلعت في العام 2011 والتي استمرت بفعل عوامل دوليّة وإقليميّة وداخليّة بالطبع.

لم يكن أمام السوري المدني في منطقة النزاع المسلّح سوى الهرب من التدمير والأعمال الوحشيّة والقصف، الأمر الذي طرح مشكلة اللاجئين السوريين على بساط البحث أمام المجتمع الدولي تلمّسًا في الحماية التي توفّرها الاتفاقيّات الدولية، ولعلّ الصراع المحتدم كان هو السبب وراء الهجرة القسريّة لملايين السكّان، إضافةً إلى ملايين النازحين داخل سوريا، لاسيّما في مناطق النزاع، وخصوصًا الشيوخ والنساء والأطفال، وقد تمكّن قسم منهم طلب الحماية في دول الجوار والقسم الآخر اختار المنافي البعيدة لدول الشمال الأوروبي، وهو ما أحدث إشكالات حدوديّة وسياسيّة، بين تركيا واليونان وعدد من دول أوروبا بما فيها المجر والنمسا وسلوفاكيا وتشيكيا وألمانيا وغيرها، إضافة إلى بعض الدول الاسكندنافيّة، حيث استخدم ملف اللاجئين السوريّين ورقة للصراع الإقليمي والدولي، فضلًا عن الصراعات الداخليّة لوجود تيّارات عنصريّة شعبويّة يمينيّة متطرّفة في العديد من بلدان أوروبا.

وأختتم ذلك بالقول: إنَّ وضعًا معقّدًا مثل هذا الذي يعيشه اللاجئون السوريّون يجعل ثمّة مسؤوليّات مضاعفة على عاتق المجتمع الدولي، وخصوصًا على الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لحماية السلم والأمن الدوليّين وإطفاء بؤر التوتر وحلّ النزاعات بالطُرق السلميّة، وحماية اللاجئين، طبقًا للشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان ولاتفاقيّات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، والمقصود بذلك بروتوكولَي جنيف: الأوّل – الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة؛ والثاني – الخاصة بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، مع التأكيد على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق اللاجئين لعام 1951 وملحقها العام 1967.

س 4: لو دققنا مليًّا في موضوع الهجرة غير الشرعية اليوم ودخلنا في النشأة والأسباب والعوامل، برأيك اليوم في القرن الحادي والعشرين ما هي دوافع وأسباب المهاجرين إلى الهجرة غير الشرعية لماذا وصفت بالهجرة غير الشرعية أولاً، ولماذا يهاجرون؟ هل لأسباب متعلقة في الاقتصاد؟ لأسباب اقتصادية، لأسباب ثقافية رفاهية أم لتحصيل مكاسب وشروط حياة للذات؟

ج 4: في كتابه “تأملات المنفيين”يعرّف الصحافي البريطاني جون سمبسون المنفي بالقول “هو الشخص الذي لا ينسجم مع مجتمعه” ثم يعدد ستّ مجموعات من المنفيين لأسباب سياسية أو دينية أو قومية أو قانونية “ملاحقة المحاكم المدنية”، أو نفسية أو اقتصادية أو غير ذلك. ولعل كتاب سمبسون يذكّرنا برسالة الجاحظ “الحنين إلى الأوطان” (الجدّ الأقدم للمسلمين)، خصوصاً بتدفق المجموعات والكتل البشرية الهائلة اليوم والهروب الجماعي بسبب الحروب الخارجية والنزاعات الداخلية المسلحة والخوف من الإضطهاد الإثني والديني والمذهبي، بأبعاده الإنسانية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وكان فرانسيس فوكوياما قد حذّر من تعاظم مشكلة المهاجرين واللاجئين في عالم ما بعد “نهاية التاريخ” الذي ابتدعه في آواخر الثمانينات معلناً ظفر الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي على المستوى العالمي، معتبراً مشكلة تدفق اللاجئين من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغنيّ إحدى التحديّات التي تواجه العالم المعاصر.

واستكمل هذه الرؤية صموئيل هنتنغتون الذي اعتبر أن العدو المحتمل والتحدي الأساسي لعالم ما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية هو “الإسلام” الذي يشكل خطراً لسيادة الليبرالية على المستوى الكوني، وفقاً لنظريّته “صدام الحضارات وصراع الثقافات” مع تعاظم مشكلة اللاجئين والمهاجرين، لا سيّما موضوع الهُويّة والاندماج وتفرّعاتهما بمعنى الخصوصية الثقافية والقومية والدينية مقابل الشمولية العالمية التي تمثّل الليبرالية الجديدة على المستوى الكوني.

إن هذه المسألة تثير إشكاليات حقيقية ومعاناة فعلية، ثقافية واجتماعية ونفسية بالنسبة للمنفي أو اللاجئ أو بالنسبة لمجتمعه الجديد، وخصوصاً للشباب، وإذا دخل الدين عنصراً في الموضوع فإن هناك الكثير من عوامل عدم الاندماج الموضوعية والذاتية قد تدخل على الخط ويزداد الأمر تعقيداً بالنسبة للمرأة في ظل العقلية الشرقية والأبوية الدينيّة التقليدية التي تظل تفعل فعلها في حياة المهاجرين والمنفيين لوقت طويل، وربّما تتجدد بأشكال وأساليب تزيد من التمسك بها على نحو يبدو كثير الغرابة والتعقيد.

س5: ماذا تقول الاستطلاعات اليوم الأخيرة حول دراسات الهجرة والمهاجرين؟

ج 5: إن دراسة قضايا الهجرة والمهاجرين تظهر على نحو واضح وجليّ وربما صارخ، مسألة الهُويّة والخصوصية وإشكاليّاتهما في المجتمع الجديد، وخصوصاً بالنسبة للجيل الثاني، وقبل ذلك تبدأ المشكلة مع شبكات ووسائل الانتقال المشروعة وغير المشروعة، حيث يتعرّض المهاجرون واللاجئون إلى طائفة من الابتزاز وإلى عقبات وعراقيل قد تكون خطرة وقد تؤدي بالبعض إلى فقدان جزء من العائلة، ثم يبدأ اللاجئ بمواجهة المشكلة الأكبر مع البلدان المضيفة (المستقبِلة)، خصوصاً التكيّف مع الحياة الجديدة بما فيها من قوانين وعادات وتقاليد وأنظمة وضوابط بعضها غريب عليه لدرجة كبيرة، وقد يواجه تحدّيات لم تخطر على باله على نحو محموم فيه الكثير من المفارقات.

لعلّي هنا أتذكّر رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفانيرجال في الشمس” في الحديث “عن رحلة النفي أو الهجرة أو اللجوء“. كيف قُدّر لهؤلاء الرجال الذين بقوا في الصهريج ينتظرون موتهم ببطء ويأس ودون حتى حراك، فبدلاً من فتح باب الفرج، انفتح لهم باب القبر بكل صمته وظلامه. وبإيحاء كنفاني الذي كان منولوجه الداخلي عالي النبرة، يخاطب هؤلاء الرجال لماذا لا تصرخوا؟ لماذا لا تدقوا كي يسمعكم مَن بالخارج؟

كان خوفهم الأساسي يتركز على اكتشافهم من جانب سلطات الحدود العراقية – الكويتية وهم يجتازون مفرق سفوان، هو الذي دعاهم إلى الصمت والإذعان وإلى الموت انتحاراً إذا جاز التعبير. إن صمتهم وعدم حراكهم سببه الخوف من ضياع فرصتهم في الهجرة، فبعد النفي الأوّل من الوطن كان البحث عن منفى جديد مؤقت ولو للعمل ولم يخطر ببالهم أنهم يرحلون هذه المرّة إلى المجهول، إلى العالم الآخر.

إن مأساة الفلسطيني التي صوّرها غسان كنفاني ببراعة تتكرر يومياً وبصورة دراماتيكية مرعبة أحياناً، ويكاد لا يمر أسبوع أو شهر إلا ونسمع موتاً جماعياً، غرقاً أو اختناقاً أو ضياعاً، فالكوارث الطبيعية وحراس الحدود والشواطئ يقفون بالمرصاد، والمشهد يستمر: قوارب وبواخر وحافلات وقطارات .. مهرّبون وسماسرة، ضحايا ومنفيون، سجون واحتجاز… وقصص لا تنتهي عن بلدان الرعب والحروب والجوع وهدر الكرامة.

س6: اليوم، الانتهاكات حول حقوق الإنسان كيف يُنظر إلى ملف الهجرة غير الشرعية من وجهة نظر حقوق الإنسان وأين الإخفاق في القانون الدولي وحقوق الإنسان؟

ج 6: لقد تطوّر فقه القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي بشأن اللاجئين والمهاجرين بما فيها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومع ذلك فما تزال الكثير من الأسئلة والإشكاليات ذات البُعد الإنساني والقانوني قائمة، سواء ما يتعلّق ببلدان الجنوب المُصدّرة للجوء والهجرة أم لبلدان الشمال المُستقبِلَة للاجئين والمهاجرين. وتحاول بعض دول الشمال الغنيّ التملّص من التزاماتها بشأن اللاجئين والمهاجرين بما فيها مساعدة بلدان الجنوب على تحقيق تنمية من شأنها أن تحدّ من ظاهرة الهجرة وتستوعب أبناء الجنوب للعمل والتخلّص من البطالة والقضاء على الأُميّة والتخلّف.

وإذا كان ميثاق برشلونة الذيتمّ التوقيع عليه عام 1995 بين دول الشمال وبين بلدان الشرق الأورومتوسّطية لإقرار حرّية نقل البضائع، إلّا أنّه يستثني نقل البشر، فإنّه يقود فعليًّا إلى ممارسة سياسةٍ انتقائية في الاختيار وازدواجية في المعايير، خصوصاً بتقسيم اللاجئين إلى أوروبي وغير أوروبي “جنسيات أخرى”، وعلى هذا الأساس تكون الفوارق والتمايزات، وأحياناً بين مسيحيين وغيرهم في حين تبرز مشكلة اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات الأوروبية الجديدة ممّا يؤدي إلى شعورهم بالعُزلة وقد يقودهم إلى التعصّب ووليده التطرّف والعنف في مواجهة ظواهر العنصرية وكُره الأجانب وضعف التعليم وخيبة الأمل.

لقد كانت اتفاقية أمستردام العام 1997 والتي دخلت حيّز التنفيذ العام 2004 لتحقيق فكرة أوروبا دون قيود ودون حدود، بحيث يسهل انتقال اللاجئين، حيث يتم فحص طلب اللجوء وفقاً لذلك إضافةً إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومع ذلك ليس هناك من وصفة سحرية نهائية بشأن الحاجات المتنامية للاجئين.

اللجوء حقّ إنساني يكفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، ولا يمكن إعادة طالب اللجوء إلى بلده طالما استشعر باحتمال تعرّضه لاضطهاد سياسي أو ديني أو قومي أو غير ذلك واضطر إلى الهرب، إذْ أن إعادته بالقوّة قد يؤدي إلى تعرّضه للتعذيب أو الأذى أو حتى خسارة حياته، وفي ذلك مسؤولية على الدول المُستقبِلة.

إن حقوق الإنسان لها أهمية خاصة في حياة المهاجرين لأنه بسببها اضطروا إلى الهجرة كما أنها تؤثر على حياتهم في المهجر أيضاً، بل إنهم شديدو الحساسية إزاء خرقها أو التجاوز عليها، ولهذا فإن احترام دول الشمال لتعهداتها في ميدان حماية اللاجئين والمهاجرين والمنفيّين مسألة في غاية الأهمية وهو ما ينبغي لدول الشرق الأوروبية المتوسطية وبخاصة دول الشمال وضعه موضع الاعتبار.

وعلى دول الجنوب التي لا بدّ من احترام حقوق الإنسان وإعادة النظر بقوانينها وأنظمتها وممارستها التي تنتهك هذه الحقوق، التعامل مع المجموعات البشرية الكبيرة من طالبي اللجوء من مواطنيها الأصليين، ليس باعتبارهم أعداء وإن اختلفت بهم السُبل السياسية أو المناهج الفكرية أو المنحدرات القومية أو الدينية أو غيرها، ولا بد هنا من مدّ الجسور وأخذ مصلحة البلدان الأصلية وعلاقتها مع الدول المضيفة بنظر الاعتبار وتفعيلاً للثقافة الجديدة برفدها بثقافة الأصل وتشجيع الحوار الثقافي والمعرفي وفقاً لأسس حضارية تقوم على أساس تعدّدية الهُويّة واحترام الخصوصيات والبحث عن المشترك الإنساني، الأساس في أي ثقافة وحضارة. ولا بدّ أيضاً لدول الجنوب من التوقيع على اتفاقية جنيف لعام 1951 وملحقها في العام 1967 بشأن حماية اللاجئين.

س 7: هل تعتقد أن قضية الوجود “الإسرائيلي” اليوم في المنطقة أو إشكالية “إسرائيل” هي شبيهة إلى حدّ ما بقضية المهاجرين والهجرة غير الشرعية في أوروبا باعتبار أن اليهود والشتات كانت معضلة أوروبية؟ هل هي هذه قضية غربية أم قضيّة عربية بالدرجة الأولى، فكيف تعلّق على هذا الموضوع من حيث التوصيف ومن حيث الإشكالية؟

ج 7: لا علاقة لموضوع الهجرة والمهاجرين واللاجئين بموضوع إنشاء دولة “إسرائيل” إلّا إذا أخذنا ما قامت “إسرائيل” بتهجير الفلسطينيين وترحيلهم ونفيِهِم عبر سياستها المعروفة بـ”الترانسفير” لتجلب محلّهم اليهود من أصقاع الدنيا، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي لإصدار قرار رقم 194 بشأن الحق في العودة في العام 1949، والذي ما تزال “إسرائيل” تتنكّر له وتضع العراقيل أمامه، بل إنها تستمر في قضم الأراضي والاستيطان فيها ضد ما يسمّى بـ”الشرعية الدولية” وخلافاً لقواعد القانون الدولي.

إن مأساة اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية لم يكن العرب مسؤولون عنها وإنّ ما تعرّضوا له على يدِ النازيّين لا يمكن حلّه على حساب العرب والفلسطينيين، ولذلك لا تجوز المقارنة أو التشبيه، فحتّى قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947 هو قرارٌ لا ينسجم مع القانون الدولي ويُلحق ضرراً بليغاً وتاريخيًّا بحقوق الشعب العربي الفلسطيني، الذي تجاوزت فيه الأمم المتحدة عليها بمنح نصف أراضي فلسطين أو ما يزيد عليها إلى “إسرائيل” التي تعهدّت باحترام حقوق الإنسان كشرطٍ لقبولها في الأمم المتحدة، لكنها تجاوزت على ذلك منذ اللحظة الأولى، وهي ما تزال مستمرة منذ تأسيسها في 15 أيار/مايو 1948 كبؤرة للعدوان والحرب والعنصريّة.

نُشر الحوار في موقع “أجيال قرن 21” يوم 31/12/2020.

*باحث ومفكر عربي.

ossyed2020

ossyed2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *