' rel='stylesheet' type='text/css'>

داود عبدالسيّد.. سينمائي مصري يعتزل لفشله في تلبية رغبات الجمهور

داود عبدالسيّد.. سينمائي مصري يعتزل لفشله في تلبية رغبات الجمهور

المخرج المصري يهجر الفن و يتفرغ للمشاهدة والمراقبة عن بعد.


محمد أبوالفضل

أحدث إعلان المخرج المصري داود عبدالسيّد اعتزاله الفن قبل أيام لغطا اصطحب معه تفسيرات متباينة، فهناك من اعتبرها رسالة غضب واحتجاج على ما وصل إليه الفن من تراجع في الهدف والمضمون، وهناك من رأى في موقفه “تحصيل حاصل” فالرجل بعيد عن السينما منذ نحو عشر  سنوات وإعلانه لا يحمل جديدا، وهناك من اعتقد أن العزوف يحمل إخفاقا في التكيف مع متطلبات الجمهور الجديد.

تحفل مسيرة عبدالسيّد في الإخراج بالكثير من الأعمال السينمائية الجيدة التي تشير إلى مضامين إنسانية متعددة، وشارك في كتابة بعضها بنفسه أو اقتبسها من بعض الأعمال الأدبية لعدد من كبار الكتاب، ما وضعه في مكانة فنية عالية تعكس حال السينما في مصر في الماضي، فكل فيلم شارك فيه كان يحمل أفكاره الشخصية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو ما جعل وضع اسمه على فيلم يكفي للثقة في جودته.

لعبت البساطة والثقة والعمق واتساع الثقافة دورا مهما في تأثير أفلامه على شريحة كبيرة من الجمهور المصري، فلم يكن الرجل من هواة الاستعجال في أيّ من أعماله، فقد يستغرق سنوات لأجل كتابة فيلم ما، وأخرى للتفاهم مع منتج بمواصفات خاصة يقبل مغامرته في السينما، وكانت غالبية حساباته تضع دائما أمام عينيه تقديم كل ما يسهم في تشكيل وعي الجمهور عن جدارة.

من أبرز أفلامه التي تشهد على إبداعه ورسالته الفنية الراقية “أرض الأحلام” و”أرض الخوف” و”الكيت الكات” و”البحث عن سيّد مرزوق” و”مواطن ومخبر وحرامي” و”رسائل البحر”، ناهيك عن أفلام تسجيلية أخرجها في بداية حياته الفنية، وكلها تدور حول الإنسان من أفكار وسلوكيات وثقافات وعادات وتقاليد ومفارقات بها لا تخلو من إسقاطات سياسية، وكانت هذه المحاور قاسما مشتركا في جميعها.


اسم يكفي للثقة في جودة الفيلم

اهتمام فوق العادة

  • عدم القدرة على مخاطبة الجمهور الجديد يرى البعض أنه مبرر مردود عليه، لأن جمهور الستينات اختلف عن السبعينات والثمانينات وهكذا، مع ذلك قدّم عبدالسيّد أعمالا رائدة في عهود مختلفة وتأقلمت شريحة كبيرة مع أعماله

جاء همه واهتمامه بالجمهور فوق العادة، فلم يبحث عن مكاسب مادية أو يجري وراء شهرة واسعة أو يحلم ليكون نجم الشباك الأول في الإخراج، فقد ظهر وسط عمالقة في جميع أنواع الفنون وكان رقما رئيسيا وسط الجميع، لا يخطئه بصر أو قلب، وارتبطت به شريحة كبيرة، لأن عددا من أفلامه اقترب كثيرا من أوجاعها.

عندما استمعت إليه مؤخرا في البرنامج الذي أعلن فيه الاعتزال (في المساء مع قصواء) على قناة “سي بي سي” لم يكن الرجل متكلفا أو مبالغا أو متثاقفا، فمثل عبدالسيّد الذين يختارون أعمالهم بدقة ويعرفون ما يريدون يصعب أن تلتصق بهم صفات الخداع أو المجاملة، فالنُبل جزء أساسي في شخصياتهم.

لا يحتاج المشاهد أن يعثر على أدلة للتأكد من مكونات النُبل، يكفي الاستماع إليهم، لأن الحديث الذي يأتي من القلب يصل إليه عند الطرف المقابل، وهي الطريقة التي حفرت للمخرج الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره مكانة دون أن يقدم تنازلات.

ابتعد عن موجة أفلام المقاولات التي انتشرت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ونأى عمّا يسمّى بالأعمال التجارية التي تدغدغ مشاعر الجمهور التي سادت بعدها، وعكف على تقديم ما عرف بالسينما “النظيفة” كمسمّى يوحي بالرسالة الإنسانية التي يحملها أصحاب هذا اللون وليس كمعنى يشير إلى وجود سينما “قذرة”.

يحتاج المبرر الذي ساقه عبدالسيّد لهجرة الفن المزيد من التدقيق، حيث يختلط فيه الاستسهال بعدم المقاومة الفنية، والرجل لم يتاجر باعتزاله أو يسعى للفت الأنظار إليه، وفسّر أسباب عزوفه باختصار، وهو تفسير ينحصر في الجمهور يبيّن إلى أي درجة يتسق مع قناعاته، حيث قال “ما قدرش (لا أستطيع) أتعامل مع الجمهور الموجود حاليا ونوعية الأفلام التي يفضلها، لأنه يبحث عن التسلية”.

لمن توجه الأفلام

أفلام عبدالسيد التي تشهد على إبداعه مثل “أرض الأحلام” و”الكيت الكات” لا تخلو من إسقاطات سياسية

إذا كان الجمهور العريض الذي يمثل الطبقة الوسطى وما دونها هدفه الرئيسي ولا يستطيع توصيل رسالته إليه، فلمن إذن سوف يوجه أفلامه، هذه إشكاليته التي تمحور حولها قرار الاعتزال وتحتاج إلى تفكيك فني وثقافي من باب المسؤولية التي تقع على عاتق كل فنان كبير مهموم بقضايا الإنسان والوطن.

يبدو التفسير الذي طرحه المخرج المصري دقيقا من وجهة نظر البعض، فحال السينما اليوم نخبوي، فلا يرتادها تقريبا سوى فئة قادرة على دفع تذكرة قيمتها لا تقل عن 90 جنيها (نحو 6 دولارات) وتصل في بعض دور العرض الحديثة إلى 300 جنيه (نحو 20 دولارا) وفي الحالتين هذا الرقم كبيرا بالنسبة إلى مقاييس الدخل في مصر.

يؤمن عبدالسيّد أنه يعمل عند الجمهور العام ولا أحد غيره، ويجب أن يأتي تمويل أفلامه من جيب هذا الجمهور، فتذكرة السينما تبعده عن الوقوع تحت ضغوط إنتاجية قد تجبره على إخراج أفلام لا يريدها، وهي الزاوية التي دفعته إلى الابتعاد عن السينما على مدار عشر سنوات، فلم يكن عاجزا عن إيجاد فكرة وإخراجها.

ينصبّ العجز في الوصول إلى الشريحة العريضة من الجمهور التي اعتاد الوصول إليها في جميع أعماله، وكانت محورا مهما في القضايا التي عالجتها، ولم يعد أغلبها يرتاد السينما حاليا بسبب ارتفاع الأسعار ومتاعب الحياة.

وعلى العكس كانت هذه الأجواء كفيلة بتوفير مادة سينمائية دسمة لأنها تحمل مكونات إنسانية سخية وتناقضات حياتية كاشفة يمكن أن تسهم في تقديم عمل سينمائي ثري، فقد دارت الثيمة التي أجاد التعامل معها عبر مسيرته الطويلة في هذا الإطار، وكانت حاكمة في عناوين أفلامه والأفكار التي ناقشتها والرسائل التي حملتها.

البحث عن المثالية

إذا عزفت هذه الشريحة عن السينما وانجذبت إليها أخرى تميل نحو التسلية وأفلام الأكشن والإثارة، فهذه النوعية لا يتقن عبدالسيّد التعامل معها، بل لا يفكر فيها أصلا، ويعتبرها تشبه مدرسة “الفن للفن” التي ابتعد عنها وصبّ انشغاله على الفن الهادف الذي يجذب الجمهور دون دغدغة عواطفه، فكل عمل قدمه حمل رسالة كاملة.

يصعب على عبدالسيّد، وكل من يفكرون بهذه الطريقة المثالية، أن يجدوا مكانا تحت شمس السينما أو غيرها، فالمساومة أو المناورة ممنوعة في قاموسه والمباشرة كانت سلاحه الوحيد الذي أسهم في حفر اسمه ضمن أفضل مخرجي السينما في مصر على مدار عصورها.

من يعرفون الرجل عن قرب لم يكن اعتزاله مفاجأة بالنسبة إليهم، فبقاؤه في المنزل يقرأ ويشاهد ويراقب ويرصد ويتمعن ويكتب أحيانا، من الطبيعي أن يؤدي به إلى هذه النتيجة، فالأوضاع التي تعيشها السينما المصرية خلال العقد الأخير لا تسعف البعض على تقديم ما يريدون من أعمال حافلة بالأفكار، والأخطر أن نوعية الجمهور صارت مختلفة، وهي المسألة التي أرّقت عبدالسيّد وأدت به إلى العزوف الاختياري.

في تفسيره لهذه الحالة بدا مقتنعا أن الجمهور الذي اعتاد أن يخرج أفلامه من أجله ليس هو الذي يراه الآن في دور العرض، ربما يكون محقا في هذا الاستنتاج، لكن من منطلق المسؤولية المجتمعية والثقافية من الواجب عليه أن يوقظ الجمهور ولا يستسلم لهذه الصيغة التي تقود في النهاية إلى حدوث المزيد من التدهور في رسالة السينما وتنميطها ووضعها في قالب يسير عكس الاتجاه الذي بذل عبدالسيّد جهدا كبيرا لعدم الوقوع فيه أو الارتكان إليه كوسيلة للكسب السريع.

لدى المخرج المصري ما يكفي من دوافع للعزوف، شخصية وعامة، فنية وسياسية، ثقافية واجتماعية، غير أن خروجه من الحلبة وهو قادر على العطاء يسهم من حيث لا يدري في تكريس النمط الذي يغضبه ويترك الساحة فارغة أمام من تجاوبوا مع الموجة السائدة في السينما، والتي تقدم بعض الأعمال الجيدة من حين إلى آخر.

بين الغياب والحضور

مسيرة عبدالسيّد في الإخراج تحفل بالكثير من الأعمال السينمائية الجيدة التي تشير إلى مضامين إنسانية متعددة

كان من الأفضل له ولجمهوره الغائب عن السينما دون إرادته ليس الاعتزال بل المشاركة في تصحيح الوعي وإيقاظه، فقد أمضى عبدالسيّد زمنا طويلا يقاتل على هذه الجبهة، فكيف يغادرها ويستأذن في الانصراف بذريعة أن الجمهور اختلف، وهي حقيقة يلاحظها كل من يراقب حال السينما في مصر والعالم ولا يجب أن تقود إلى الاعتزال.

هدأ الجدل حول قراره وتوقف الصخب من قبل البعض الذي تفاعل معه ولن يتغير شيء في حال السينما أو الجمهور، فما هي الفائدة التي جناها؟ ربما تكون راحة للنفس وإبراء للذمة، وربما تحذير لمن يهمهم الأمر بضرورة الانتباه للخطر المقبل، وربما هو شيء مختلف في نفسه لا يريد الإفصاح عنه، لكن في جميع الحالات لم يحرك الانصراف أحدا ليثنيه عن قراره، لأن التحفظات التي أبداها حول نوعية الجمهور من الأمور الطبيعية في الحياة العصرية وليست قاصرة على السينما، فهي تنطبق على الإعلام والثقافة والفكر، ولا تفيد المقاطعة.

  • البساطة والثقة والعمق واتساع الثقافة تلعب دورا مهما في تأثير أفلامه على شريحة كبيرة من الجمهور المصري

كشفت الصحافية كريمة كمال، زوجة عبدالسيّد، عن جوانب خفية في شخصيته تتعلق بطقوسه في التعامل مع أيّ عمل فني يقدم عليه، حيث يتعمق في تفاصيل أفلامه ويحرص على متابعتها حتى خروجها للعرض.

هذه السمات التي شكلت وعيه وعقله ووجدانه منذ الصغر واعتاد على مخاطبة شريحة معينة من الجمهور ظلت ثابتة لسنوات طويلة، ومن الطبيعي أن يجد صاحبها صعوبة في التكيف مع التحولات الجارية في نوعية الجمهور التي يصعب على الكثيرين إيجاد تعريف محدد لها من باب أن التغيرات لا تزال مستمرة والحركة متواصلة ولن تتوقف عند مستوى معين، والتصنيف الطبقي في حاجة إلى وقت ليتبلور ونتعرف على ملامحه.

قد تكون هذه الظاهرة من بين العوامل التي لم يفصح عنها داود لتبرير إعلان اعتزاله، ولا يقصد إخفاء أو مداراة شيء فهو يمتلك من الشجاعة ما يكفي، لكن هذه أزمة تتجاوزه شخصيا، فالكثير من العاملين في مجال الصحافة والإعلام والثقافة يعجزون عن مسايرة الجمهور الجديد، ويضطر بعضهم إلى البحث عن وسيلة تربطه بالمهنة أو لا تبعده كثيرا عنها.

  • عبدالسيّد يؤمن أنه يعمل عند الجمهور العام ولا أحد غيره، ويجب أن يأتي تمويل أفلامه من جيب هذا الجمهور، فتذكرة السينما تبعده عن الوقوع تحت ضغوط إنتاجية قد تجبره على إخراج أفلام لا يريدها

اعتزال عبدالسيّد، وهو في كامل لياقته الفنية والذهنية ونضجه الفكري بحجة أن الجمهور اختلف، يضيف إلى رصيده من الصراحة والصدق والأمانة، لكن يمكن أن يساء تأويلها كنوع من الاحتجاج على المناخ العام للإبداع في مصر.

فعدم القدرة على مخاطبة الجمهور الجديد أمر مردود على من يفصح عنه، لأن جمهور الستينات اختلف عن السبعينات والثمانينات وهكذا، ومع ذلك قدّم عبدالسيّد أعمالا رائدة في عهود مختلفة وتأقلمت شريحة كبيرة مع أعماله، ولا تزال هناك نوعية من الجمهور الشباب التي لا تعجبه تقبل على مشاهدتها عبر الوسائط الإلكترونية.

تكفي هذه النتيجة لتأكيد أن الأعمال السينمائية لا ترتبط بالجمهور في حقبة معينة، فلكل زمن معاييره والأدوات الفنية التي تستخدم لمخاطبة الناس، ويظل الثابت الرئيسي مستوى الجودة التي لا علاقة لها بالجمهور المستهدف وتقسيماته التقليدية، فما قدمه داود عبدالسيد يحتوي على أفكار باقية ولم تفقد أهميتها مع مرور الزمن.


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: