' rel='stylesheet' type='text/css'>

حكايةُ (كَسَّار) وحُقنَة الحُمّى

حكايةُ (كَسَّار) وحُقنَة الحُمّى

بغداد – علي الجنابي – سيد البلاغة 

 

حَدَثٌ ذكَّرنيهُ حفيدُ أبي خلف..

وأبو خَلَف هو الحاج ” كَسَّارُ” شَيخٌ عَجوزٌ، جارنُا بالجَنبِ مذُ بدء قَرنٍ قدِ إندرَسَ وسَلَف.

رَحَلَ الشيخُ عنّا في ثَمانينياتِ ذاكَ القرنِ، وفي طيّاتِهِ دَلَف.

شيخٌ كانَ فؤادُهُ بينَ الأرحامِ مؤتلِف إن أغْدَقَ، ومؤتلَف إن قَطَف،

وخلجاتُهُ بين الأنامِ لاصفةٌ إن حَدَّقَ أو إن وَصَف،

وبديهتُهُ بين الكرامِ عاصفةٌ إن أشفَقَ أو إن عَصَف،

وقفشاتُهُ في الخصامِ قاصفة إن أطرَقَ أو إن قَصَف.

أبو خلفٍ لهُ من الخَلَفِ وَلَدٌ وَحيدٌ، إي نعم أحسنتَ هوذا أسمُهُ :”خَلَف”.

وخَلَفٌ مُضَمِّدٌ ماهرٌ، وفي صالةِ العملياتِ مَشرَطُهُ مُحتَرَمٌ وبهِ مُعتَرَف.

وقد حَمَلَ ذاتَ مساء الجَارُ” كَسَّارُ” حُقنةَ حُمّىً، ومالازمَها من أففٍ ومن قَرَف،

فإتَّجَهَ مُتمايلَ الخُطى وجفنُهُ يغضُّ الطرف،

صوبَ دارِ”أبي سالمَ”، وتلكَ دارٌ جاثمةٌ في ذاتِ الطرف.

وسالمٌ هذا تلميذٌ في أوّلِ سنةِ في الطّبِّ قدِ إعتَكف،:

“أزرُقْني الحُقنةَ ياسالمَ، يانُطفةَ لطبيبٍ في عالمِ النُطَف..

أفَطبيبٌ جاري ومُضَمِّدٌ في داري، يا لذاك من ظرائفِ  ولطائفِ الصُدَف”.

زَرَقُهُ سالمُ بإبرةٍ مُغَمَّسةٍ بودٍّ وتوقيرٍ وشَغَف، ثمَّ أردفَ قائلاً لأبي خلَف: 

” صِحَةً وعُمُراً حميداً وحديداً يا جدَّنا أبا خَلَف”.

قهقهَ أبو خلف لدُعاءِ “سالمَ” وإستَهجَنَهُ، بل وعلى ذلكَ حَلَف:

” واللهِ -يا نُوَيّةَ طبيبٍ،  لاصِحَّةَ من تحتِ يديكَ ولا من ولدي خَلَف!

وأنّى للصِّحَةِ أن تغشانيَ كما غَشّى كَفّيَ الكَلَف”؟.

ردَّ سالمُ على إستحياءٍ، وبحرفٍ قد إعتَصَرَهُ عصراً  وبهِ صَفَف:

“علامَ التّشاؤمُ ياذا عِزٍّ وأَنَفٍ،  وعلامَ اليمين والحَلف!”.

أستَدَلَّ أبو خَلَف بما في ناموسِهِ من لُطَف، فإستَلَّ من قاموسِهِ حُقنَةً وعَطَف:

“قد وَخَزتَ مؤخرتي مَجّاناً، وقد سَرَقَ الحُقنَةَ مِنَ المَشفى خَلَف!

فأنّى لصّحةٍ أن تَرِدَ بَدَنَ أبي خَلَف! فما هذا الزّمانُ ياسالمُ، وما هذا القَرَف”؟!

هكذا كانَ يتحدَّثُ زمانُ ” كَسَّار” أبي خَلَف!

زمانٌ موسوسٌ مُوَهوسٌ من وَجَفٍ، ومن سُحتٍ، ومن رَجَف، ومُهفهفٌ بعفّةٍ، ومُشَفشفٌ بشرف،

زمانٌ خشيَ ربَّهُ بالغيبِ، ورضوانُ ربِّهِ ذؤابةُ أمانيّهِ، وهي لنبضِهِ شغفٌ وهي عندهُ الترف.

زمانٌ لم يُفَرِّقْهُ تَحلُّقاً لمُرَتَّبٍ، ولا يَهتَمُّ للبئرِ إن ضَخََّ أو إن نّشَف،

زمانٌ لم يؤَرِّقْهُ تَمَلُّقاً لسلطانٍ، ولسلطانهِ تَهَجَّدَ وأستسلمَ وإعتَرَف،

زمانٌ ما لَهَثَ وراءَ درهمَ على أنقاضِ موطنِهِ، لِيَقبِضَهُ بفَرحٍ، وتراهُ متحايلاً قدِ إنصَرَف.

زمانٌ يدَندِنُ: “ليرتفعَ البنيانُ ياوطني، ولا ضيرَ إن شَبَعَت بطني من لحمِ كتفٍ أو من عَلَف”.

زمانٌ لا تيوسَ ولاجاموسَ فيه، ولا نُتَفَ، ولا يَؤوسَ ولا جاسوسَ فيهِ ولا قُحَف .

زمانٌ أُسدٍ تغفو بعَينٍ، وعينٌ تهفو للوثوبِ على الهَدَف! أيُّ هَدَف!

لكَ الحقُّ -ياجليس- أن تَستَفهمَ عن الهَدَف، وقد ماتت فحولتُكَ، فما عُدّتَ تَمِيزُ ال…..وسادةَ مِن اللّحَف.

إنّهُ (الأقصى) الهَدَفُ، أوَما سَمِعتَ عن ذا الهَدَف؟

قِبلةٌ في فِلسطينَ، عزفُ القردِ “هاتيكفاه” في محرابها، فنَزَف المحرابُ وإنخسفَ.

ذاكَ هو زمانُ ” كَسَّارُ” بقيّةُ من زمانٍ ..

 عَفَّ وما حَلَف، وجَفَّ وما أفَف، وصَفَّ وما ضَعَف، ونَسَفَ وما أسف، وعَنَّفَ بأَنَف،وخَفَّ فَدَنَفَ معَ الصّافِّينَ في العَنانِ في عُنفوانٍ وأَنَف.

رَحِمَ الله زماناً فيهِ كَسّارُ أبو خلف.

هَلّا أعدناهُ  وأنقذنا الضمائرَ من التَلَف،

هَلّا أشَدنا بفجرٍ لا رَفثَ فيهِ، ولا لَهْثَ وراءَ كأسٍ من خَزَف، ولاتَزَلُّفَ لذي مالٍ، ولا تقتيرَ ولا سرف،

ولا أيْمَانَ كَذِبٍ مُغَلَّظَةٍ،  وما لإحدٍ فينا إن تَحَدَّثَ حَلَف،

هَلَا أجَدْنا بالعفافِ، وأبَدْنا بسماتٍ من كذبِ، وسرقاتِ الحقنِ كما سرقَها من المشفى خلف؟

وما سرَقَ خلف، ما سرَقَ خلف بل هكَذا تَوَجَّسَ وهكذا خُيِّلَ لأبي خلف.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: