' rel='stylesheet' type='text/css'>

حضور المهمشين في القصة الحديثة

د. رشا ناصر العلي : صوت العرب – سوريا

إن التحولات الحضارية الأخيرة أثرت في القصة تأثيراً بالغاً في الشكل والموضوع على نحو غير مسبوق، وربما أهم توجهات قد أثرت في القصة بتأثير هذه المرحلة، كان في عنايتها بعالم المهمشين والمغلوبين على أمرهم والمضيعين، وكانت هذه العناية محدودة في البدايات، كما هو السائد في قصص يوسف إدريس، ثم استفاضت هذه العناية عندما تحولت من الفردية إلى الجماعية، وبخاصة مع ظهور الثراء البترولي والانفتاح الاقتصادي في كثير من البلدان العربية.

إن قراءة البدايات القصصية تشير إلى طابعها الغالب في انتماء شخوصها إلى الطبقة العليا في المجتمع العربي ، أو إلى الفئة المنتمية إلى بيئات وثقافات غير عربية ، أي أن الفئة التي حضرت شخوصها في السرد القصصي كانت تنتمى إلى (الطبقة البرجوازية) التي يراها شكري عياد ، طبقة مأزومة ، ومزدهرة في الآن نفسه، لكن الصعود الحضاري حول شخوص القصة وأخرجهم من المتن ليسكنوا الهامش الاجتماعي ، وطبيعة مجتمع الهامش الجماعية أكثر من الفردية ، وإذا جاء فرد من أفراده في القصة ، يأتي بوصفه ممثلا لهذه الجماعية ، وغالبا ما يكون المهمشون ممن حاصرتهم الثقافة مثل (المرأة) ، أو حاصرهم السقف الاقتصادي مثل (العمال الكادحين) و(المتسولين) ، أو حاصرهم السقف الأخلاقي ، مثل ( المدمنين واللصوص والبغايا) أو من حاصرهم التمرد ، مثل (الشباب المتهور ، والفتيات المستهترات) ثم يحضر مع هؤلاء جميعا (الأطفال المضيعون وأولاد الشوارع) .

وغالبا ما تحضر شخصية من هؤلاء في السرد القصصي وهي في حالة من الضياع والإحساس بالوحدة والاغتراب ، والتوتر ، ومتابعة هذه الشخوص في القصة يحتاج إلى سفر ضخم ، ومن ثم فإن القراءة سوف تتابع بعض هذه النماذج الغالبة في الكتابات القصصية المتأخرة .

لقد فتحت مرحلة الحداثة مساحة واسعة لهؤلاء المهمشين ، وبخاصة (المرأة) التي ازداد حضورها مع الحركات النسوية التي سعت إلى إلغاء ثنائية (الذكر والأنثى) بإخراجها من دائرة (المفاضلة) التي تعلي الأول على الثانية ، وإدخالها دائرة (الحياد) التي لا تفاضل بينهما ، وإن أوغلت بعض التوجهات النسوية إلى (عكس القضية) أي إعلاء الأنثى على الذكر ، وهو ما كان له حضوره في القصة عامة ، والقصة النسوية خاصة ، ونعني بالقصة النسوية ما أنتجتها الأنثى.

ونواجه السقف الثقافي في قصة (أنثى) للكاتبة القطرية (هدى النعيمي) من مجموعتها (أنثى) ، تحضر الأنثى إلى القصة وهي في السادسة عشرة من عمرها ، تحاصرها السلطة الأبوية التي تقهرها لتتزوج من رجل متزوج ، وتحمل منه في توأمين ، وأمل هذا الزوج أن يكونا ذكرين ترسيخا للسلطة الذكورية التي ينتمي إليها ، لكن الطبيبة تخبره أنهما بنتان ، وهنا يتبدل موقفه من السعادة إلى الكآبة ، ويزداد إحساسه لزوجته بأنها من ممتلكاته التي كان يجب أن تستجيب لرغبته في الذكور ، وفي سبيل ذلك يعمد إلى اسمها ( مي) لينقله إلى اللغة الأجنبية (MY) التي تعني ملكيته لها ، وفي مقابل ذلك يتعمد السرد السخرية من هذا الزوج باستحضار معادل له (زجاجة الخمر) بلونها الداكن ، وبطنها المنتفخ .

ويتابع السرد استحضار القهر الذكوري للأنثى ، عندما يستعيد زواج هذه الفتاة الصغيرة على أنها صفقة بيع وشراء ، إذ دفع فيها الزوج مبلغا ضخما من المال ، ثم يلاحق السرد العلاقة الزوجية على أنها أشبه بآلات حادة تمزق جسد الزوجة ، ومن ثم يزداد تشويه السرد لهذا الزوج داخليا وخارجيا، أما الزوجة فإنها مشحونة بقدر هائل من التمرد والثورة لتغيير هذا الواقع الثقافي .

ومن الممكن النظر إلى مجموعة (شمس) لطالب الرفاعي ، على أنها (مجموعة المهمشين) من الذكور والإناث على سواء ، ففي القصة الأولى : (ليال) يحول الكاتب (برج الكويت) إلى كائن بشري يتحرك في المدينة ، ويتلصص على أسرارها ، وضمن من تنصت عليهم (فتاة مدمنة) تتوسل لشخص أن يعطيها (شمة هيروين) لكنه يطلب منها ثمنا علاقة جنسية معها ، وفي النهاية تدفع الثمن المطلوب.

وفي قصة (خيمة بنى هلال) يقدم السرد نموذجا فريدا لأب يحرم بناته من الحلم ، ويتحرك السرد من الأنثى إلى الذكر من العمال الكادحين المغتربين القادمين من باكستان والهند للعمل في الكويت، ففي قصة (أبو عجاج طال عمرك) يعرض للخدم والعمال الكادحين من أبناء هاتين الدولتين ، وما يعانونه من امتهان وضيق للحياة ، وفي قصة (مرآة الغبش) يتابع هؤلاء العمال وعذاباتهم اليومية ، وفي قصة (اتصال) يعرض لقضية البطالة خلال شاب يبحث عن عمل.

ولم ينحصر المهمشون في هذه الفئات التي عرضنا لها ، لكن السرد اتجه إلى المهمشين تحت سقف الاستعمار الأجنبي ، إذ يعرض الكاتب السوري (وليد إخلاصي) في قصة (أخي عمر) من مجموعته (ما حدث لعنترة) يعرض لأسرة سورية عائلها موظف في إحدى المحاكم ، له تسعة أبناء يضيق لهم البيت والفرش ، وزوجته في حملها العاشر الذي يأمل الأب أن يكون ذكرا يسميه (عمر) تيمنا بعمر بن الخطاب ، وزمن القصة ، هو زمن الاحتلال الفرنسي لسوريا ، حيث يفرض القهر السياسي على المجتمع السوري ، وكان رد الفعل في المقاومة التي تعيش في الجبال والوديان ، وينال الأب ظلم هذا الاحتلال عندما يفصل من عمله بتهمة التعاون مع الثوار ، وتزداد الحياة قسوة على هذه الأسرة ، حتى لم تعد تجد من الطعام سوى (العدس) ، وتزداد المأساة عندما تفقد الأم جنينها المنتظر (عمر) ، وهو ما يعني إشارة رامزة إلى أن موعد العدل والإنصاف سوف يتأخر.

 

شاهد أيضاً

قتيل وجرحى في تظاهرة مناهضة للسيسي.. ومحتجون ينزلون صورة للرئيس ويحرقونها

صوت العرب – وكالات – أفادت وسائل إعلام مصرية وناشطون على تويتر، بسقوط قتيل وجرح …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: