' rel='stylesheet' type='text/css'>

تونس..من السوريالية إلى المجهول.

تونس..من السوريالية إلى المجهول.

*د.خالد شوكات: صوت العرب – تونس.

اعتقد أن النظام السياسي في تونس قد خرج عن المألوف المعروف في الحكم والسياسة بالضرورة، مع تسليم حكومة الحبيب الصيد السلطة في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات للحكومة التالية، اذ دخل “رسّامو الدولة” حينها بالبلاد مرحلة “السوريالية” إلى أن بلغت اليوم مرحلة “المجهول” حيث لا يدري الناس أي منقلب سينقلبون، فما لم يكن متخيّلا أبدا صار ممكناً، ومن مرحلة السوريالية التي اصبح ممكنا فيها لأي بشر يمشي في الشارع مهما كانت كفاءته رديئة أو سيرته سيئة أن يتسنّم أعلى مراتب الدولة وأن يشغل أسمى مراتب القيادة السياسية، إلى مرحلة المجهول حيث أضحى الاستغناء عن أي مؤسسة عليا من مؤسسات الدولة، حكومةً أو برلماناً أو وزارة أو هيئة مستقلة أو جماعة محلية واردا، ناهيك عن الاستغناء عن الدستور والتشريعات والقوانين والاكتفاء بكلمته “هُوَ”، أو مواصلة تعيين مجهولي السيرة والهوية وعديمي الكفاءة والخبرة على رأس ما تبقّى من هياكل الدولة، على ان لا يحملوا ذات الألقاب والصفات، بل مجرّد مكلّفين بتسيير “كذا” عنده “هُوَ” لا شريك له، والصادم أن لا يثير ذلك أي استغراب ذي وزن أو اعتراض ذي دلالة لدى “الجماهير” المقبلة على العصر الجماهيري بالحماسة ذاتها المعروفة لدى رعيّة “الله ينصر من أصبح”، تلك التي أظهروها إبان الزمن البورقيبي او الزمن البنفسجي، او حتى الزمن الثوري الاخواني، والزمن الباجي الندائي، وكذلك زمن الشاهد التحيوي..

لقد تبيّن أن مناعة الجسم الديمقراطي في تونس بلغت حد الصفر تقريبا عندما أعلن الرئيس انقلابه على الدستور والانتقال الديمقراطي يوم 25 جويلية الماضي، والفضل في ذلك كُلِّه يعود بالدرجة الاولى الى مخلَّفات الحقبة السوريالية، التي وصلت مداها خلال ولاية حكومة المشيشي الاخيرة، التي انتهت بين إيدي “الرموز السورياليين” من طلبة وشباب التجمع الدستوري الديمقراطي، الذين افسدوا “بروسترويكا” حزب الدستور وعاثوا في الارض فسادا بعد ان اتاحت لهم خصائص المرحلة الصعبة ونقاط ضعف الانتقال الديمقراطي فرصة تطبيق مفاهيمهم الفاسدة والمنحرفة للعمل السياسي فأهلكوا ب”تكمبينهم”(مؤامراتهم ودسائسهم وخبثهم) الحرث والنسل  وحلبوا ضرع البقرة حتى سال دمها، ثم عادوا اليوم الى الاختباء في جحورهم المعلومة، مثلما فعل غالبيتهم خلال الأشهر الاولى ما بعد الثورة، قبل ان يتمكنوا من ارتداء أثواب جديدة في احزاب جديدة وليتسربوا كالنمل مجددا في مفاصل الدولة حتى قضوا على التجربة الديمقراطية برمّتها، وما كان لهم ذلك لو لا ان وجدوا من يأخذ بيدهم ويستسيغ أداءهم ويوظّفهم لخدمة التكتيكي وما كان هؤلاء يعلمون ان المبالغة في التكتيكي سيضرب ما هو استراتيجي في مقتل.

وأخيرا، فإن من ملامح المجهول الأخطر أن تقف تونس اليوم حائرة وهي لا تدري كيف تسوّق نفسها ودورها للعالم، ففي الزمن البورقيبي كانت تونس جزءا من العالم الحر الذي يكافح الشيوعية، وفيّ الزمن البنفسجي كانت تونس جزءا من العالم المعتدل الذي يقاوم التطرّف والارهاب، وفيّ الزمن الديمقراطي كانت تونس أمل الربيع العربي والديمقراطية الناشئة التي تناضل من اجل تغيير مجالها الاقليمي نحو الافضل، لكنها اليوم في هذا “الزمن الجماهيري” تبدو فاقدة لأي عنوان حقيقي مقنع للمنظومة الدولية، فالشعارات السابقة جميعاً جرى استهلاكها، ومن الصعب جدّا إيجاد شعار بديل للشعار الديمقراطي.. نتمنى ان يتم إغلاق قوس الاستثناء الذي أصبح إلى إشعارٍ آخرَ سريعاً، حتى لا يتحوّل المجهول المؤقت المحتمل إلى مجهول دائم لا يحتمل.

*رئيس المعهد العربي للديمقراطية، وزير سابق.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: