' rel='stylesheet' type='text/css'>

    تساميات  المُفكّر ” عبدالحسين شعبان ” … في  رهان عمق  الحاجة  إلى  التسامح  .

    تساميات  المُفكّر ” عبدالحسين شعبان ” … في  رهان عمق  الحاجة  إلى  التسامح  .

حسن عبدالحميد: صوت العرب.

  لم أشأ أن أتوّقف عند مفهوم  فكرة أقيام مُثلى – كُنا قد  درسناها و تفحصناها على نحو معرفي إكاديمي، أبّان  دراستنا الجامعية للمرحلة الأوليّة  في مجال علم النفس بشقيّه العام و علم النفس الإجتماعي ، كما توّقفتُ  عند ضفاف و قفار ما أبحر وأثمر  بجدير  ما أفرز و أنجز  من فيض  نوازع  و عُرى تقديس و سوانح  فهم  مُعمّق لفكرة ” التسامح ” الباحث و المفكر ” د. عبدالحسين شعبان ” في متون  فصول كتابه –  على هيئة كرّاس زها بظل عنوان ” في الحاجة إلى التسامح / ثقافة القطيعة و ثقافة التواصل ” الصادر ببغداد عن ” مكتبة النهضة العربيّة ” آواخر العام /2020 .

   لعل  دواعي  إسناد  هذه التوّقفات الإجرائية من قِبلنا ، والتي  سيجري سردها ورصفها – تباعاً، عبر هذا الحيّز – لا يقف – فقط – حيال الإستفاضات الفكريّة و الذهنيّة و العقائديّة التي  يتمتع بها الباحث الذي يُعد واحد من أكابر علامات و زواهي رموز التبشر   و صدقيته الإنتمائية و إجتهادته المؤمنة والراسخة  في شواسع  ثقافة و فلسفة ” اللاعنف ” الأمر الذي أهلّه لأن يتبّوأ و ينال – بتواضع وأثر سمو – موقع  نائب رئيس  الكليّة الجامعيّة  للاعنف  و حقوق الإنسان ” أونور ” في بيروت ، مع لوازم  مؤهلات و مواقف و مؤلفات وكتب و دراسات  و إقامة مؤتمرات و عقد ندوات و ملتقيات ، برعت – كُلها – تنحى و تتمرّكز إتجاه  إنشغالات إنسانية – كونية  تعالقت و تعمّقت بنواحي الفكر  القانوني  بمداه و مستواه الدّولي و الدستوري، فضلاً  عن سوالك  الخوض في حمى مجالات الصراعات و النزاعات والحروب ، بما في ذلك الصراع العربي – الإسرائيلي ، كما ويُحسب  الأسم الأنصع و الأبرز في تطوّر مساهمات تنوير الفكر و تجلياته عبر ترسيم معادلات تعميد الثقافة  بينابيع  أُطر التجديد و الحداثة و قضايا الديمقراطيّة و مهام الإصلاح في بنيان المجتمع المدني و التنمية ، و كل ما يتعلّق  بقضايا  حقوق  الإنسان .

النصيحة أردأ أنواع الفضيلة

   حوى الكتاب بنكهة الكرّاسية “من كرّاس ” سخونة موضوعات  جُبلت جميعها  من وجهة وعي و خبرة  الباحث – على تفريد  مساحة و فضاءات و اسعة  لفكرة ” التسامح ” بإعتبارها   مفتاحاً  أو ” ماستر – كي ” في  فك إشتباكات و إختلافات الكثير من العلاقات و القضايا الظالمة للحقيقة و نفسها  ، إذ لا تكاد جميع قيّم الخير و المحبة و التوّادد و السلام و أُطر السلم المجتمعي ، أن تتحايد عنه ، أو تتضادد معه .

 ربما ….  قد  نجد في نصائحيّة  مقولة ” بوذا ” الراميّة  بالقول ؛ ” إذا رددنا على الحقد  بالحقد ، فمتى سينتهي الحقد ؟ و التي صار أن تبّناها   “غاندي” الرمز الأسمى و الأرسخ في بنيان فلسفة و ثقافة اللاعنف ، على نحو مغاير – تقريباً – حين قال ؛ ” إذا كنا سنقابل الإساءة بإلاساءة ، فمتى ستنتهي الإساءة  ” ولمن يسأل  عن  الفرق ما بين القولين ، فأن ” الحقد ”  يعدو أن  يكون  منظومة نفسيّة – سلوكية هي غير مفهوم ” الإساءة ” قطعاً ، كون  الثانية تقترب من ردات  فعل أو قدحة إستجابة آنية ، أكثر من كونها موقف ، أوعقيدة ، يحضرني – هنا- قول طريف  ل “شكسبير” أهجسه لا يخلو من  حقيقة – واقع  يرى بالنصيحة على إنها أردأ أنواع الفضيلة ، ولعل ما جاء يتبّلور على  منوال ما أراد ” غاندي ” ، الذي رأيناه يلخص جوهر فكرة اللاعنف ، من حيث القدرة على  التخلّص من الأحقاد ، لا التخلّص  من الحاقدين ، لذا درج  الإنتهال من  ذلك  على نحو تطبيقي  واقعي  في  مجمل  حيثيات فهم و هضم خصائل الصراع الدائم و الدائر – منذ بدء الخليقة – ما بين الحق و مقتضيات  نقائضه ، حتى أضحى جاهداً في أن يمتثل ليمثل  حقيقة  و جوهر ما يُعرف  ب” المقاومة اللاعنفيّة ” بخواص كونها المثال النوعي و الطوعي لمعنى بلاغة أثر ” القوة الناعمة ” في أنساق إرساء المقاومة السليمة .

حيرة السؤال … زمن الإجابة

     تصادف أن جاء  صدور كتاب ” عبدالحسين شعبان ” فقه التسامح  في الفكر العربي – الإسلامي : المواطنة و الدولة  ” الصادر عن ” دار النهار ببيروت  في العام /2005 ، و الذي يُعد نقطة الإنطلاق المثلى لمرامي وغايات جهوده بمقدمة من قِبل مطران جبيل و البترون و ما يليهما ” جبل لبنان” للروم الارثوذكس ” جورج خضر ”  كما و تمت ترجمته  إلى اللغتين ” الكورديّة و الإنكليزية ” ، فضلاً عن صدور الطبعة العربية في العام /2013، وكان قد  حُظي  بإهتمام  كبير عبر الكتابة عنه من قبل المراجعات والتحليلات ، و أفرزت له الكثير من المقابلات و اللقاءت حافلاً بالإستشهادات التي أعدّته مصدراً و مرجعاً أساسياً في مجال ” فقه التسامح “، فيما جاء كتابه – موضوع بحثنا هذا – ” في الحاجة إلى التسامح / ثقافة القطيعة و ثقافة التواصل  ” بمثابة  إستجابة  لمحاضرة  كان ”  قد ألقاها ” د.شعبان ” عن التسامح في ” برمانا – لبنان ”  في مؤتمر دولي نظمته الشبكة العربية للتسامح ، وجاء أن أختار عنواناً مباشراً هو لماذا نحتاج التسامح ؟ و برؤية أوسع لماذا يحتاج العرب و المسلمون إلى التسامح  أكثر من غيرهم ؟ ثم يستدرك ليقول ؛ ” وكنت قد طرحت  مثل هذا السؤال الحائر على  نفسي  منذ أكثر من ربع  قرن  مثل  هذا السؤال .

  لعلي أشعر بحجم  الحاجة  إلى  وقفة  أثرى و أعمق مما حاولنا توغلاً و سعياّ  في جس مفاصل و مجسات  ما تناول الكتاب بعد أن  شكلّت مفصلاً  حيويّا و مهماً في تعليلات و تحليلات ما توّصل الباحث ، الأمر الذي شّكل – بدوره – لدينا جملة من إستنارات  أشرت  لدواعي التوّقف و التثقّف الواجب  هضمة  من أجل الالمام بطروحاته القادرة على  أمتلك  الاهم من عناصر و لوازم و كوامل  الإعتداد  بما أعتمل  في عقله و فكره  و أفاق  تبنيه ” التسامح ”  فقهاً و أسبالاً ” جمع سُبل ” عبر سنوات و عقود  بعيدة  أشار خلالها الى مباهج  و نتائج  ما حصل من متغيرات وومضات  وعي  متجدّد و أساليب تنوير ، لا سيما ما بين النُخب و العقول من  أصحاب القرار و قوى التأثير  الفاعل على مختلف  التوّجهات من عقائد و معتقدات دينية  و أفكار ، تجلى حاصل  محاصيلها  صوب  ترجيح  لغة و سلوكيات  التسامح و نبذ العنف و مخلفاته ، حيال إعلان  منظمة ” اليونسكو” في العالم  /1995 ” ونشر العديد من  الأنشطة  و الفعاليات  الرامية إلى تعميم  ثقافة  التسامح و تتابع تكثيرات و تعميقات آثارها و تأثيراتها في بناء السلم العالمي ، و” أكسير” فعل التعايش مع الآخر ، بغض النظر عن الجنس و الدين و العُرق و اللوّن .

نبذ  ثقافة  العنف

بثراء و عمق ما حمل و أثرى في مسح و تقدير مديات حاجتنا إلى التسامح ، عبر خلاصات ما ذهب إليه الباحث  معززاً  ركائز ثقته به  للحدّ الذي يختصر فيه كل علائم الثأر و الإنتقام و الحرب و الاحقاد ، أذكر في أواخر العام /2017 كُلّفت بإعداد ملف عن ” نبذ ثقافة العنف ” – هو بمثابة محور العدد المزدوج “3 و 4 ” للمجلة الفصليّة ” أفاق أدبية ” التي تُعنى بالابداع الجديد ، و التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية  العامة في وزارة الثقافة و السياحة و الآثار في العراق ، وكان في أعلى قمة من وقع  عليه الإختيار، إلى جنب عدد محترف و مختص بهذا السعي و الإختصاص ” د.عبد الحسين شعبان ” الذي أتحف المجلة و الملف ببحث نفيس  و متفرّد  أستظل  بعنوان مثير هو ” العنف و فريضة اللاعنف / شذرات من تجربة شخصية ” ، ولعل هذا الموضوع  الذي يتخذ من ” اللاعنف ” بمعيار و إيثار إعتباره ” فريضة ” هو من عززّ عندي – مُجدداً- ثوابت دواعي التوّقفات التي أستثرتها في مقدمة مقالي هذا ، من أجل ثقة الخلاص و الإخلاص بتقديم ” شعبان ” ” التسامح ”  و ” فقه التسامح ” على مجمل  مسميات اللاعنف / السلم المجتمعي / التعايش / القبول بالآخر / العدل -بل حتى كُل الأطر التي كان و لم يزل يدّعيها السلام و رواسخ العدل و العدالة ، كتلك التي أشر و أشار إليها الباحث في مقدمه كتابه – كرّاسه حول ما قاله ” أبن خلدون ”  بمقدمته بخصوص ربط الظلم بالخراب ، والعدل بالعمران ،

التسامح … براغماتيّاً

       حدث أن  إستعاد ” د.شعبان ” – بقصد  نوعي –  مقولة ” غاندي ” التي  أدّعي  بها متعللاً ، قائلاً ؛ ” أنا لا أحبّذ التسامح ، لكنني ، لا أجد من  وسيلة  أفضل  منه ” ، و التي أحيّت عندي تلك  العبارة  فكرة أظنّها ” فولتيريّة ” النزعة و الزعم  تقول على لسان قائلها  ؛ ” أنا لا أحب الدم ، لكنه يسري في جسدي ” هنا … ثمة  لبس بملمس ” براغماتي ” ناعم تتسلّل خلسةً من جنح  عبارة  ” المهاتما غاندي ” هذه ، والتي  لا أظن إنها كانت تقنع أو تلبي قناعات ” عبدالحسين شعبان ” في مجمل  ما  توّصل  إليه  عبر توالي عقود  بجهود براعة إصرار وتوريد قناعات ناورت و تراوحت في التباري مع ذاته من جهة ، ومع رهط من مجايله و مجاملي  محبي طروحات و ذرائع حلول  ” غاندي ” العظيم من جهة أخرى ، حتى أنبرت و تماثلت  مع مناهل غايات موضوعات و مواقف غاية  بالحساسيّة و الأهمية  حفل يعلن فيها على  ضرورات إلزام الناس و المجتمعات  أن يتمتّعوا بنقاء و بقاء القيمة الكبرى و العليا  الثابتة و اللابدة  في كيان و تطلعات  ” شعبان ” متمثلةً  بفكرة ” التسامح ” و في تعزيز  ثقة الإنسان بإنسانيتّه .

  لابد من تذكير بعرض مُبرر لأقسام مؤلفه موضوع المناقشة و البحث ، هنا، وهي أربعة ” فقه القطيعة و فقه التواصل / التسامح و العنف  / في معنى التسامح و مبناه / وثقافة التسامح و الواقع العربي -الاسلامي ” فضلاً عن ثلاثة ملاحق ” إعلان مبادىء بشأن التسامح / إعلان حقوق الأقليات / إعلان حقوق الشعوب الأصلية ، أجدُني أضيف مبدأ معلومة طالما سمعتها تردد من قبل ” د.شعبان ” تفيد بإنه لا يُفضّل، و لا يُحبذ تسميّة الأقليات ، بل  يبدلها بمصطلح المجموعات الثقافية في المجتمعات المتعددة الثقافات ” لأن مصطلح الأقليات يستبطن معنى الهيمنة والتسيد من جهة ومعنى الخضوع والإستتباع من جهة ثانية كما أنه ضد مصطلح المكونات لأنه لا يستقيم مع مباديء المساواة والتكافؤ بل سيعمق التقاسم والمحاصصة الدينية والطائفية والإثنية “، كما و حوى الملحق الأخير نص المقدمة  التي كتبها  المطران  ” جورج خضر ” المؤرخة في اليوم الرابع و العشرين من آب ” أغسطس “2004 برمّانا – لبنان ، وهي عبارة عن وثيقة لشهادة  بليغة ، رصينة ، و محنكة بحق تقييم قدرات  الباحث في الكثير من المباحث والإستغراقات الفكريّة و التأملية، بالأخص مبحث ” فقه التسامح الإسلامي ” الذي أصرّ و أطرّ ” المطران ” العديد من نقاط  التقارب و التطابق  و مناهل الإنفتاح  المتبادل  كالتي أنتهل منها ” د.شعبان ” بهذا القدر العالي – و ربما النادر – من جلال الفهم  و لوامع المعرفة ، ولوازم الحكمة و الصبر .

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: