' rel='stylesheet' type='text/css'>

الندوة التقييمية للمسرحية  التونسية “الروبة”… المشاركة في مهرجان الاردن المسرحي “28”تأليف وإخراج: حمادي الوهايبي.

الندوة التقييمية للمسرحية  التونسية “الروبة”… المشاركة في مهرجان الاردن المسرحي “28”تأليف وإخراج: حمادي الوهايبي.

د.نجوى قندقجي :صوت العرب – الاردن.

قدمت الفنانة والاكاديمية”د.نجوى قندقجي”ورقة نقدية في الندوة التقييمية للمسرحية التونسية “الروبة”،التي اقيمت في المسرح الدائري -المركز الثقافي الملكي، وادارها الزميل “احمد الطراونة”،بعد عرضها ضمن برنامج مهرجان الاردن المسرحي،ونظرا لاهمية الورقة التي قدمتها “د.نجوى” بشموليتها،وتفكيكها بوعي عميق لعناصر العرض المسرحي،ارتأينا في “صوت العرب” نشرها تعميما للفائدة.

لمحة عن الوهايبي

“حمادي الوهايبي” فنان مسرحي درس في المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، درّس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، قبل أن يشرف على إدارة مركز الفنون الدرامية والركحية بالقيروان، وهو إلى ذلك كاتب عام لاتحاد الممثلين المحترفين ورئيس سابق لجمعية مهرجان ربيع الفنون الدولي بالقيروان، ويستعدّ حاليا لإصدار كتابه الأول “مسارات النقد المسرحي في تونس”، كما قدّم العديد من الأدوار التمثيلية في مجموعة من المسلسلات التونسية على غرار: “عاشق السراب”، “قمرة سيدي محروس”، “الريحانة”، “شورّب” و”إخوة وزمان” وغيرها

حول العرض.

تكتسب أهمية المسرحية ضمن المشهد التونسي المسرحي بعد أزمة كورونا، وهو دليل أن المسرح يستطيع أن ينفذ عند ظهور أضيق نوافذ الممكن اتساعاً.

تفتح الستارة، وتطالعنا شخصيات في قمة حيويتها تقطع الخشبة عبر أبعادها المتقاطعة المختلفة، وتخبرنا المؤثرات الصوتية أننا في العالم المعاصر المزدحم والهائج بحركة حياة بشرية حيث يقوم الفعل الإنساني بتشكيل جميع زوايا الفراغ.

ومنذ الإشارات الأولى التي يظهر فيها الممثلون من ملابس وحركات وأقوال نعرف أنهم ممثلي القانون أيضاً، فيأتي الإنفجار ومع يتبعه من إنكسار وتحطّم ليعلو معه ذاك التساؤل عن دلالته فيما لو كان انفجاراً فيزيائياً أم هو صدمة تهزّ عالم القيم والأخلاق الهشّ والمهدّد بالإنهيار. وهنا يبدو الإنفجار بمثابة شرارة الحدث الدرامي ودلالة فنية فكرية بآن معاً.

الحكاية ومقولتها.

تدور أحداث المسرحية على اثر حدوث انفجار وانهيار جزء من قاعة المحكمة لتقع الشخصيات في دهليز مظلم يصعب الخروج منه.  وهكذا يواجه كل من قاضية وأربع محامين ومجرم حصاراً وكأنهم وضعوا في سجن إجباري، لتجري المسرحية وكأنها محاكمة جديدة، بما تحمله من قوانينها الخاصة بالنوازع الإنسانية، وليس التشريعية.  إذ تجد القاضية نفسها محبوسة مع متهم، هو الوحيد العارف بمسلك الخروج من الدهليز العميق، فتنقلب الأدوار ليغدو المتهم ماسكا بزمام حريته، والقاضية ومن ثمة المحامون الأربعة خاضعون لسطوته المبشّرة بحريتهم. هذا الحصار يفجّر النوزاع البشرية نحو الخلاص، فيتم التراشق بالتهم وكشف الفضائح المهنية والأخلاقية من خلال طرح جريء طال الفساد المالي والإداري والاجتماعي، في مساءلة ضمنية حول مراجعة العلاقة مع السلطات القانونية الثلاث (القضائية والتنفيذية والتشريعية) من خلال تعرية الفساد في مؤسسة المحاماة.

ويؤكّد الوهايبي أن مسرحية “الروبة” أتت استكمالا لثلاثيته بعد “الصابرات”  التي تساءل فيها عن مصير بائعات الهوى عندما أغلقت أبواب المواخير إثر هجمة المتطرّفين دينيا عليهنّ في العام 2012، بدعوى تطهير المجتمع من سوءاتهنّ. وكانت المسرحية الثانية ”جويف” حيث ناقش مدى إمكانية التعايش السلمي بين غالبية المجتمع التونسي المسلم واليهود التونسيين المقيمين بالبلد منذ مئات السنين، في سعي إلى دحض النظرة الدونية التي تكنّها الغالبية تجاه الأقلية، وهكذا جاءت جميع هذه الأعمال ضمن إطار “كشف المستور والتطرق إلى المواضيع الحساسة التي لم يتم تناولها من قبل والمسكوت عنها ليقدمها بشكل مسرحي جمالي، وكما يقول وهايبي في إحدى لقاءاته “لدي الإطار الفكري الذي أضعه ضمن إطار فني” وقد أولى كلّ إطار حقّه من السبر والتكوين.

الإطار الفكري.

تتوالد أفكار العرض وتتناثر بسبب الإنفجار الذي حدث لمكان حقوقي بامتياز وهو قاعة المحكمة، والمجتمع هو قاعة محكمة،  وهو حالة حقوقية لا تشوبها شائبة. إذ كيفما نظرنا إلى المجتمع سواء كان متماسكاً أو مفككاً هو تعبير عن حالة حقوقية ولذلك اختيار الوجود الإجتماعي أن يكون هناك قضاة ومحاميين للحفاظ عليها وصونها.  فالقانون هو منهاج تربوي وليس فقط قوانين للاجتماع القسري.

ولذلك وكأننا نجد هذه القاعة معطوبة ببنيتها نتيجة التقادم التربوي لهذه النخبة، ما يعني أن هناك عطباً وليس خللاً عابراً. وإن كانت أحداث المسرحية تجري بعد الثورة التي قامت بهدف الإصلاح والتغيير والتنوير، فهذا ما يذكرنا بمصطلح الفوات الذي طرحه الباحث السوري عبد الرزاق عيد في كتابه “أزمة التنوير..شرعنة الفوات الحضاري”، عندما أدان النخبة وصبّ أزمتها في “استخدام العقل لتبرير الفشل، باسم الخصوصية الثقافية التي لا مكان فيها للعقلانية والحداثة والعلمانية”.

أي هناك فوات حقوقي في المجتمع حيث الفساد هو مجرّد رمز لأحد وجوه الفوات الحقوقي وصورة أخرى لامتداد الإستبداد وأثره. والإستبداد يقوم على إلغاء فقرة التوجه التربوي في القانون بل ويضيف عليها تحريف القانون (من خلال طرق ممارسته الملتوية) ليكون الفساد والإفساد معاً. ما يستدعي إنفجاراً أو ثورة لتكشفه لا أن تقلّد السلطة التي انقلبت عليها.

والفوات كلمة فلسفية وهي المرور أمام فرصة العدالة أو المساواة وعدم اقتناصها وهي الفرص التي فوتتها المجتمعات العربية.

وإن كان العمل يطرح فكرة اللاعدل في تنفيذ التشريع وممارسة القوننة، فإنه على صعيد البنية الدرامية كان عادلاً في توزيع الأدوار، فقد كان لكل شخصية مونولجها الكشّاف ومورست بمهارة لعبة تبادل الأدوار وتقليب الأوجه الدرامية للشخصيات، بمساعدة الإفتراض الفني الدرامي القائم على معنى هذا الواقع الذي يفرض أن البريء مذنب والعكس أيضاً هو صحيح، حيث لا حاكم ولا محكوم والتبس دور المحامي بينهما.

وفي تمثيل الشخصيات للنموذج يتحقق التوازن بين كفتي الصراع الدرامي: حيث المرأة القاضية في مقابل مجرم شاب. وهناك محاميتان مقابل محامين في مراعاة للتوازن الجندري وربما لا يبدو هذا اختيار اعتباطي، إذ تبرز الإحصائيات أن عدد القاضيات التونسيات قد ارتفع بنسبة 40 في المئة في عام 2016 عما كان عليه في عام 2008  (وهو ما يؤكده أيضاً تقرير صادر عن الأوسكوا 2018). وتعد زيادة عدد الطالبات الملتحقات بكلية القانون والعلوم السياسية سبباً رئيسياً وراء هذه الزيادة، بحسب بحث جديد. وإن كان يهيمن الرجال على مهنة المحاماة، هناك توقعات أن القاضية التونسية شارفت التناصف في أفق 2021: إذ وللمرة الأولى تم ترشيح القاضية رفيعة نوار لشغل الرئيسة الأولى لمحكمة الاستئناف بتونس عام 2019.

المهارات الأدائية.

تمشي أجساد الشخصيات بثبات على الخشبة وتنقر أحذيتها السوداء الثقيلة بخطى رنانة تقاوم حصار القيم والأخلاق التي تفرضها مهنة المحاماة، وكأن الأرواح تضيق بأجسادها. وتأتي الحركة في مساحة توفي الجسد في حصاره، فلم تكن الحركة حياتية دوماً ولم تذهب نحو الرسم الفيزيائي الواسع وأثناء كل هذا لم يغب الفعل الشرطي عن المسرح الذي تم التعبير عنه بأداء الأفعال الفيزيائية. لقد تستّر التعبير في التشكيل الحركي تحت عباءة الدراما وكان وفياً لها بعدم الخروج عن إطار احتياجاتها.

اللافت في أداء الممثلين الستة هو ذاك التناغم الصوتي والحركي، إذ لا نستطيع أن نقول أن شخصية قد طغت على أخرى، سواء في تقنيات الأداء أو في مساحة تقليب النوازع النفسية المتضادة، وهذا لا يمثل فقط التوازن الفني في البناء الدرامي بل محاولة المخرج في أن يحيط الشخصية النموذج في أطياف مختلفة، وعبر معالجات متعددة من خلال هذه الشخصيات. ولذلك نجدها تتقاطع فيما بينها عبر اللوحات الثنائية، وفي رصد هندسية هذه التقاطعات نجد أن جميع الشخصيات قد احتّكت ببعضها وأرسلت شرارات متباينة تبرز الموقف الدرامي ومضامينه.

المسرحية من تمثيل نور الدين الهمامي ومحمد شوقي خوجة وسهام بوقرة وعواطف العبيدي وخلود بديدة ولطفي مساهلي وتقني انارة غسان جاوحده.

الإطار الفني .

المركّب الفني في رسم الرؤية الإخراجية وتنفيذها، إذ خلال هذه الصيرورة تعمل جميع المفردات بشكل بارز ومركّز ومتناغم ما بين الفراغ والإضاءة وفعل الممثل والموسيقى والإكسسوارات.

يعمل خفوت الضوء على تقطيع التدفق الحركي ليتشكل بالنتيجة مجموعة من اللوحات تتوالى فوق بعضها وتفرد طيّات الأحداث الدرامية في تراكم عامودي يصيغ جوهر الفكرة المطروحة ويبرزها.

الإضاءة وصنع الفراغ: تساند الإضاءة فعل الممثل في بناء الفراغ الدرامي. فكانت ظلال النوافذ الظاهرة في الخلفية وعلى أرضية الخشبة والقضبان المنعكسة على وجوه الشخصيات وأجسادهم بمثابة خطوط تحكم سمة الفراغ فيزيائياً وحسيّاً. ولذلك نجد النوافذ بحجوم مختلفة وبما يكسر المنظور راسمة مشهدية بصرية تحاكي رحلة النفس الإنسانية للشخصية الدرامية. وكأن الضوء يهيئ الفراغ الدرامي ويأخذ الفعل نحو دهاليز البوح والمكاشفة، ويخلق تزاوجاً مابين التجريد التشكيلي وتعقيد الطبيعة البشرية.

دور المؤثرات الصوتية.

من نافل القول تحديد دور المؤثرات الصوتية وأهميته، في إبراز البعد الحسّي والدلالي للفعل الجاري على الخشبة، كما حدث في استمرارية التحطّم وسماع صوت تكسر الزجاج، وعندما تطرق القاضية مطرقة الحق، قد تخطئ وتحطم كلمة حق، حياة إنسان، أمل واعد. كانت يدها تطرق ويتردد صدى هذه الخبطة صوتياً ليحوم الفراغ ويلامس أرواحنا بتساؤلات، عما تفعله أحكام القضاة في المصائر البشرية ومدى تحُقق عدالتها. وكان صوت نقاط الماء المتقطع، الذي لم يحضر معه حسّ مضطرب بالرطوبة وحسب، بل تشابك مع إيقاع الأداء الصوتي للممثل، إضافة إلى ما يوحي إليه تنقيط الماء بدءاً من كونه وسيلة تعذيب في السجون، مروراً بدلالة الأماكن المنهارة والمهجورة، وصولاً إلى مورد أمل شحيح في تدفقه، فيسيل نقطة نقطة.

وفي النهاية نجح المخرج في تجسيد تصريحه “أنا ضمير المجتمع، وأن هذه المسرحية ليست ضد قطاع المحاماة بالمطلق، بل وجوب إعادة النظر فيه”. وهو ما طرحته المسرحية من تساؤلات جدية حول التوتطوء المجتمعي ودق ناقوس خطر لما بعد الخطر…هل المجتمع العربي مسموم بالتشوّه القانوني؟ وما هو الحل؟ هل هكذا شعوب غير قادرة على الحكم الرشيد؟ هل آن الأوان لمقارنة الشعب بالسلطة؟ هل البنية الإجتماعية الأصلية لممارسة لثقافتنا تتضمن هكذا سلطة؟

وإلى أي مدى نحن قابلين للإصلاح من خلال الثقافة الإجتماعية؟ هل تتضمن هذه الثقافة الإجتماعية ما ينسجم مع هكذا سلطات؟ هل هي المنتجة لهذه السلطات بحكم تشوّهها الحقوقي؟

فالمشكلة ليست بالإنسان بل بتغير الدور التربوي للقانون، والكل يسعى لإحباط القانون عبر تغيير هذا الدور. وعندما أتت الثورة وجدت القانون خالياً من روحه وخالي من دوره التربوي، وهذا التغيّب أدى إلى تشوّه في البنية الحقوقية عند الناس، فوقعت الثورة فيها وكان لا بد للإنفجار. وإن كانت التربية هي التي تخلق ثقافة المجتمع والثقافة هي التي تصنع السلوك الإنساني، فنحن بحاجة إلى وضوح في الرؤية، وإلى ثقافة اجتماعية متربية على القانون. وعلى الناس تغيير بما أنفسهم للعودة إلى نفس الدرب أن يكونوا حقوقيين.

ربما نضمّ صوتنا إلى ما يدعو إليه العرض ونقول علانية “نحن بحاجة إلى ثورة أخرى جديدة على أنفسنا”، وإلا علينا خلع “الروبة”.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: