' rel='stylesheet' type='text/css'>

المواطنة الحاضنة للتنوّع

*د.عبد الحسين شعبان

صوت العرب: بيروت – لبنان.

         حسناً فعل “منتدى الفكر العربي” حين نظم ندون بعنوان ” المواطنة الحاضنة للتنوّع” لكونها مسألة راهنية وحيوية أولاً، وثانيا-  لأنها تثير اختلافات بحاجة إلى حوار ونقاش حولها يساهم فيه مثقفون وباحثون وناشطون من مختلف التيارات الفكرية: اليسارية والقومية والدينية ، خصوصاً علاقة ذلك بمفهوم الدولة : هل هي دولة مدنية وأين موقع الدين فيها؟ خصوصاً وأن المواطنة العابرة للهويّات الفرعية تشتبك معها.

         ويعود سبب النقاش  واحتدامه إلى أن الدولة العربية المعاصرة لم تستطع بعد الوصول إلى شاطئ السلام ببناء دولة المواطنة على أساس التعددية والتنوّع واحترام المواطنة الحاضنة للتنوّع والاختلاف والهويّات الفرعية.

         هناك من يحاول خلط مصطلح العلمانية بالدولة المدنية ، الأمر الذي يثير حساسية والتباساً بسبب تجارب بعض البلدان الاشتراكية السابقة، مثلما هناك من يحاول أن يقحم الدين بالدولة لدرجة اعتبار كل أمر خارجه إنما هو صناعة غربية واختراع مشبوه بزعم مخالفة فكرة الدولة المدنية للتراث والتاريخ والدين والإيمان، في حين أن المواطن الفرد هو الأساس، وأي مواطن لا يمكن حصره بهويّة واحدة واختزاله إلى حقل واحد.

         مثلما هناك من يريد قطع الصلة بالتراث بزعم أن الأخير عائقاً أمام تقدّم الدولة واندماجها بعالم الحداثة والمدنية والعلمانية ، وينسى هؤلاء أن المفهوم التغريبي الذي يدعون إليه إنما يتنكّر لمساهمة تراثنا الفكري القانوني العربي بالتراث العالمي منذ قيام دولة المدينة التي أسسها الرسول وهو دستور محمدي اعترف بالآخر ووضع قواعد أولية للبنة المواطنة بمعناها الجنيني.

         ثلاث إشكالات تتعلّق ببعض القضايا الخلافية ذات الخصوصية في كل مجتمع، الأمر الذي بحاجة إلى إعادة قراءة وتفسير وتأويل بما ينسجم مع روح العصر؛

أولها الموقف من المجاميع الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية .

وثانيها – الموقف من حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ، علماً بأن الدول العربية كانت وقعت على ” اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ” أي اتفاقية سيداو لعام 1979 ، لكنها ما تزال تتحفظ  على بعض موادها .

وثالثها-  نظام العقوبات والحدود والذي يتعارض في بعض قواعده مع اللوائح الدولية بهذا الخصوص.

        وتلك جميعها تندرج في إطار منظومة حقوق الإنسان، فكيف السبيل للتواؤم معها بما يجعل الخصوصية رفداً للفكرة الشمولية ، من خلال التفاعل بينهما؟ فثمة من يوقّر فكرة المواطنة الحاضنة ، وهناك من يحقّرها ، والأخير ينظر إليها نظرة أحادية وليست واحدية، في حين أن الأول يعتبر التنوّع عامل إثراء وإخصاب وليس عامل إفقار وإجداب، وهو أساس فلسفة المستقبل للمجتمعات الآمنة – السلمية.

        فالمجتمعات الآحادية تتراجع في حين أن المجتمعات الموحّدة المتعددة الثقافات تتلاقح وتتقدّم، ولهذا يقتضي منّا فهم العالم المعاصر المتعدد المتنوّع المتسامح المتشارك المفتوح المتواصل الذي يتّسع للحوار؛ وسيكون مثل هذا المجتمع حاضناً للتنوّع ومشجعاً على التفاعل، على أساس الشراكة والمشاركة في الوطن الواحد في ظلّ حكم القانون، والعدالة وخصوصاً العدالة الاجتماعية، ولذلك فهي ضد الاستعلاء والتمييز والهيمنة وادعاء الأفضليات واحتكار الحقيقة.

        ولا بدّ من مصالحة حقيقية بين المواطن والدولة بحيث يشعر المواطن أن الدولة هي دولته ، وأن الدولة لا تشعر أن المواطن عدوّها وأن السلطة تأتي وتذهب لخدمته، علماً بأن هناك خلطاً بين الدولة والسلطة، وأحياناً تتغوّل الأخيرة على الأولى وتحاول ابتلاعها لأغراض سياسية أو دينية أو قومية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عسكرية أو شخصية أو غيرها، وقد حكمت المجتمعات منذ فجر التاريخ بواسطة قواعد مدنية واجتماعية ودينية ذات بُعد إيماني وأخلاقي وقانوني، وذلك جزء من منظومة حياتية تعكس درجة تطور المجتمع، علماً بأن القانون هو الذي ينظم علاقة الفرد والمجتمع بالدولة ويقوم بالفصل في النزاعات بينها بواسطة القضاء، الذي سيترتب جزاءً لمن يمتثل أو يخالف قواعد القانون بواسطة جهاز تنفيذي (حكومة).

        إن غياب الاعتراف بالمواطنة الحاضنة للتنوّع قاد إلى أعمال عنف وحروب ونزاعات ويكفي أن نتذكر مأساة البوسنة والهرسك التي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين، والنزاع بين قبيلتي التوتو والهوتسي في رواندا الذي ذهب ضحيته نحو مليون إنسان.

        ولا يكفي تسطير المبادئ للمواطنة الحاضنة في الدستور، بل لا بدّ من نشر ثقافة التسامح والتربية عليه ونبذ التعصب ووليده التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب، ويمكن للدولة أن تلعب دوراً جامعاً في تأمين الحق في التعليم المتوازن والقائم على أساس قبول التنوّع والتعددية ومبادئ المواطنة المتساوية ، وهو ما أكّده نداء عمان الذي صدر عن الندوة الذي اعتبر المواطنة الركيزة الأساسية في الدولة العصرية، لاسيّما بتكافؤ الفرص وتحقيق المساواة الفعلية والشراكة الحقيقية والمشاركة الفاعلة ، وهو ما ينسجم مع قيمنا الإنسانية وتراثنا العربي والإسلامي والتطور الكوني، ودعا إلى إبرام عقد اجتماعي جديد لتعزيز شرعية الحكم وبناء قواعد مشتركة للعيش معاً في إطار المواطنة الحاضنة للتنوّع وتحت حكم القانون.

*باحث ومفكر عربي

شاهد أيضاً

التكتل الوطني للسلام يدين بأشد العبارات ما تعرض له رئيس دائرته السياسية في اسطنبول

اسطنبول / خاص – صوت العرب    أدان التكتل الوطني للسلام في اليمن ما تعرض …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: