' rel='stylesheet' type='text/css'>

الملك حسين ….الاستثناء في الاستثناء

الملك حسين ….الاستثناء في الاستثناء

محاضرة بعنوان “صورة الأردن في العالم في 100 عام…عقدت في الجامعة الهاشمية بالتعاون مع وزارة الثقافة.

عمّان  2 – 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021

*د. عبد الحسين شعبان: صوت العرب.

مقدمة: مئوية الدولة الأردنية

     يستذكر الأردنيون والعرب والمسلمون عموماً في هذه الأيام الذكرى العطرة لتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها، كما ويصادف في هذه الذكرى مرور 86 عاماً على ولادة جلالة الملك حسين، الذي أبصر النور في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 ، وغادرنا في 7 شباط / فبراير 1999 ، وكان تسلّم عرش المملكة لنحو 46 عاماً، أي حوالي نصف عمر الدولة الأردنية، وترك بصمته الواضحة على مسارها وتوجّهها.

      وإذا كان عمره البيولوجي قد بلغ 65 عاماً يوم رحل إلى “الرفيق الأعلى”، فقد قضى أكثر من ثلثيه وهو على رأس الدولة الأردنية، واكتسب خلاله تجارب لا حدود لها وخلص إلى عبر ودروس غاية في الأهمية والعمق، وهو ما يزال يافعاً في مقتبل ربيع حياته وفي عزّ شبابه، وهو ما مكّنه من قيادة المملكة بحكمة وعقلانية وتسامح واعتدال وبُعدَ نظرٍ، خصوصاَ وقد تلقّى تأهيلاً علمياً ودينياً ولغوياً وعسكرياً عالياً وتربية عائلية سديدة في بيت يزخر بالقيم والمعاني الإنسانية. وأستذكر ما قاله الشاعر الجواهري الكبير في 2 كانون الأول / ديسمبر 1992  بحق جلالة الملك حسين وبحضوره في حفل مهيب :

يا  سيّدي  أَسْعِفْ   فَمِي   لِيَقُــولا  

                            في عيدِ  مولدِكَ  الجميلِ جميلا

أَسْعِفْ  فَمِي يُطْلِعْكَ  حُـرّاً  ناطِفَـاً

                            عَسَلاً، وليسَ مُدَاهِنَاً  مَعْسُولا

يا  ابنَ  الهواشِمِ  من قُرَيشٍ  أَسْلَفُـوا 

                          جِيلاً  بِمَدْرَجَةِ  الفَخَارِ ، فَجِيلا

 

يا   ابنَ   الذينَ    تَنَزَّلَتْ   بِبُيُوتِـهِمْ    

                            سُوَرُ الكِتَابِ ، ورُتّلَتْ تَرْتِيلا

 

يا  ابنَ  النَبِيّ ، وللمُلُـوكِ  رِسَالَـةٌ، 

                            مَنْ حَقَّهَا  بالعَدْلِ كَانَ رَسُولا

 

العنف والقدس

     في العام 1921 ، وعلى هامش الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي    للتحرّر والإنعتاق والتخلص من الهيمنة العثمانية، أعلن الأمير عبد الله الأول عن تأسيس “إمارة الشرق العربي” ، ثم سُمّيت “إمارة شرق الأردن” وأعلن عن استقلالها في 25 أيار/ مايو 1946 تحت اسم “المملكة الأردنية الهاشمية“، ونوديَ ﺒالأمير عبد الله الأول بن الحسين  ليصبح ملكاً دستورياً عليها وهو المؤسس الأول لها، لكن اغتياله في العام 1951 في القدس وهو على درجات المسجد الأقصى، ترك أثراً كبيراً لدى الفتى الذي سيتولّى عرش المملكة بعد سنتين من إطلاق النار على جدّه، ومثل هذا الأثر لازمه حتى آخر يوم في حياته. واتّسم بتوجّهين أساسيين:

أولها نبذ العنف بكل أشكاله ومبرّراته وحججه وتداعياته ؛ فقد أدرك منذ وقت مبكّر أن العنف ليس السبيل السليم لحلّ الخلافات أو إجبار الآخر على تغيير قناعاته، بل أن الحوار خيار واضطرار في الآن، فأي اجتهاد يبقى نسبياً وهو قابل للخطأ مثلما هو قابل للصواب أيضاً، وحسب الفيلسوف الفرنسي فولتير : أننا كائنات بشرية قابلة للوقوع في الخطأ، وبما أن البشر خطاءون، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.

 وثانيها رسوخ صورة القدس في وجدانه والتي ظلّت حاضرة في كلّ خطوة اتخذها كجزء من إستراتجيته، وهو الذي كان قال: إن الرمز الحقيقي للسلام هو القدس وعودتها عربية هو المعيار الوحيد لصدق الداعين إلى السلام في المنطقة.

     وهو ما كتبه في رسالة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مصحّحاً المعتقدات التوراتيّة المزيّفة حول فلسطين والقدس والمسجد الأقصى نتيجة الدعاية الصهيونية،  مؤكداً على حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وضرورة عودة أراضيه المحتلة وسيادته عليها ، واستمرّ الأردن حامياً للأماكن المقدّسة الإسلامية والمسيحية ووصياً عليها حتى بعد قرار فكّ الارتباط ، وحيث تستمر الرعاية الهاشمية بالإعمار والصيانة والتبرع الشخصي لهذه الغاية.

الملك الباني

      إذا كان الملك طلال قد صاغ دستور المملكة فإن الملك حسين هو بانيها منذ أن اعتلى عرشها في 11 آب/ أغسطس 1952 ، وفي 2 أيار/ مايو 1953 تسلّم الحسين سلطاته الدستورية كاملة بعد أن أتمّ الثامنة عشر من عمره وفق التقويم الهجري. وحدّد خطاب العرش المبادئ الأساسية التي تسير عليها المملكة والتي ستصبح بمثابة “بلاتفورم” للملك حسين وللمملكة مكمّلة ومتمّمة دستورها ومواثيقها. وهي ما يأتي:

  1. النظام رائدنا
  2. التعاون مطلبنا
  3. الاتحاد في الصفوف رمزنا
  4. العمل شعارنا
  5. بناء وطن محكم الدعائم راسخ الأركان هدفنا
  6. مساواة جميع المواطنين مبدؤنا

     وظلّت هذه المبادئ مرشداً لسلوك الملك حسين طيلة فترة حكمه، بل إنها مثلّت الخلفية المرجعية القيمية الأساسية للمملكة الأردنية الهاشمية خلال الفترة المنصرمة، وحين يتم  الخروج عليها أحياناً أو التهاون بِشأنها بسبب تعقيدات الوضع السياسي كان الملك حسين يبادر إلى إعادة البوصلة باتجاهها محاولاً تصحيح ما ينشئ من أخطاء وممارسات سلبية بروح الشجاعة والنقد، فقد كانت مسألة توطيد أركان الدولة وتعزيز مكانتها وتثبيت هيبتها داخلياً وعلى المستوى العربي والإقليمي والدولي شغله الشاغل ووضعها هدفاً استراتيجياً له، بالاستناد إلى مبادئ الثورة العربية الكبرى التي فجرها جدّه  الشريف حسين بن علي في 10 حزيران / يونيو العام 1916 في مكة والمصادف 9 شعبان 1334 ﻫ ، واسترشاداً بمسيرته التي ساهمت في تعزيز حركة الوعي واليقظة العربية نحو التحرّر والاستقلال وتقرير المصير . وما تزال ألوان علم الثورة العربية الكبرى تمثل أساس أعلام العديد من الدول العربية، وهو ما أوردته في بحثي الموسوم:” ملاحظات أولية وقراءة ارتجاعية بعد قرن من الزمن لأول كيانية عربية“، وذلك بمناسبة مئوية الحكومة العربية والمملكة السورية بزعامة الملك فيصل بن الحسين (1918 – 2018)، ندوة منتدى الفكر العربي، 2 أيلول/ سبتمبر 2018 .

استثنائية الموقع

     أدرك الملك حسين ما لا يدركه الآخرون، من حساسية وخطورة موقع الأردن في خريطة الشرق الأوسط التي ظلّ نابليون يقول عنها منذ أواخر القرن الثامن عشر أنها:” مفترق طرق العالم“، ويصفها الرئيس أيزنهاور في العام 1957 : ” بأنها أقيم قطعة عقار في العالم“، فحاول وهو يواجه عواصف عاتية أن يتوازن  ويوازن ويضع مسافة من الجميع  بحيث لا ينخرط في الصراعات القائمة أو ينجرّ إليها إلاّ دفاعاً عن النفس والحق وعند الضرورة، خصوصاً وهو يعرف موازين القوى، بما لها وما عليها.

     فالأردن يمتلك موقعاً استثنائياً وسطياً وهو ما جعله يواجه تحدّيات استثنائية أيضاً، وهو محاطٌ ﺒ خمس دول، فمن الغرب فلسطين التي تحتلّها “إسرائيل” بؤرة العدوان المستديمة والترسانة العسكرية التي   تغتصب حقوق أهلها وتشرّدهم ، ومن الشرق، العراق الذي ارتبط مع الأردن ﺒ “اتحاد هاشمي” في العام 1958 ، سرعان ما أطاحت به ثورة 14 تموز/ يوليو العام 1958 وانفرطت العلاقة بين البلدين لسنوات غير قليلة ، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية التي لا تخلو علاقاتها  من منغّصات مع الأردن، ومن الشمال الجمهورية العربية السورية، ويشترك الأردن مع مصر بحدود مائية في خليج العقبة، ومصر وسوريا كانا ضدّ توجهات الأردن على الرغم من أن الأخير لم يشارك في حلف بغداد الاستعماري العام  1954 – 1955 ، بل نأى بنفسه وتعرّض حينها إلى ضغوط غربية وإقليمية عديدة.

     وإذا تأسست “إسرائيل” في ظلّ تواطؤ دولي واستناداً إلى مزاعم دينية ورواية أقرب إلى الميثولوجيا، فإن المملكة العربية السعودية تحتضن مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، وهما مكانان مقدّسان للمسلمين، وتأسست في العام 1926 باتحاد نجد والحجاز، واتخذت الدين عنواناً لها. أما العراق وسوريا، فهما منذ قيامهما شهدا حركات راديكالية ثورية وأقيمت فيهما أنظمة قومية شمولية ، ومعهما مصر منذ ثورة 23 يوليو/ تموز العام 1952، وهذه البلدان عملت ما في وسعها لتغيير نظام الحكم في الأردن، في حين استمرّت المملكة الأردنية الهاشميّة تغرّد خارج السرب وسط هذا الخضم من الواحدية والإطلاقية ، فاتجهت صوب الإعتدال والوسطية وبصياغات أقرب إلى الليبرالية أو بعض إرهاصاتها، حسب وصفة نهاية الأربعينيات والخمسينيات.

     وقد حاول الأردن وهو بلدٌ صغير قياساً بجيرانه: السعودية والعراق وسوريا، ناهيك عن مصر، الحفاظ على خصوصيّته وتوجهه الوسطي، وإن بإمكانات محدودة مادياً وبشرياً وجغرافياً، حيث  تبلغ مساحة الأردن 89.213 كيلو متراً مربعاً وعدد نفوسه لم يتجاوز الأربعة ملايين في مطلع الستينيات، ولكن العين ظلّت عليه بين هذه الدول الكبيرة، ناهيك عن أطماع “إسرائيل” المختلفة والمتعدّدة والمتجدّدة.

     وحين يحتفل الأردن اليوم بمئويته، فالاحتفال ليس أردنيّاً فحسب، بل هو احتفال عربي ودولي أيضاً، فقد تمكّن هذا البلد الصغير والفقير قياساً بدول تجلس على بحر من النفط والمحاط بأطماع وتحدّيات كبرى أن يواصل البقاء وأن يحرص على علاقات طيّبة مع الجميع، ويمسك بأوراق غير قليلة في ذروة لعبة الكبار. وكان الأردن من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في 22 آذار/ مارس 1945، وانضمّ إلى الأمم المتحدة في العام 1955.

استثنائيّة التحدّيات

     واجه الأردن تحدّيات وامتحانات عسيرة منذ استقلاله العام 1946 ، منها حرب العام 1948 العربية – “الإسرائيلية”، بعد قيام دولة “إسرائيل” بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 لعام 1947 ومحاولة تمدّدها في الأراضي الفلسطينية، وخصوصاً في القدس التي ظلّت الإدارة الأردنية وصيّة عليها، كما واجه مسألة بناء الدولة وتعريب الجيش والعلاقة مع بريطانيا التي تُوّجت بإلغاء المعاهدة معها ، فضلاً عن التجاذبات السياسية في مراحل عديدة من تاريخها، ثم عدوان “إسرائيل” العام 1967 .

      ولعلّ أهمها الموقف من الحرب العراقية –  الإيرانية 1980 – 1988 ، وأخطرها غزو القوات العراقية للكويت العام  1990 ، ثم حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت 1991 والتي قادت إلى تدمير العراق، يضاف إلى ذلك رفض الأردن المشاركة في مفاوضات كامب ديفيد الأولى ( 1978 – 1979  ) بعد زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس في العام 1977 ، واستمرّ الأردن اقتفاءً بإثر نهج الملك حسين في مواجهة العديد من التحديات أهمها: احتلال العراق العام 2003 ، إضافة إلى صفقة القرن التي حاول الرئيس دونالد ترامب الترويج لها، وذلك في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني.

     ومثل هذه التحدّيات الاستثنائية لم تتمكّن دول أكبر وأغنى من الأردن وأكثر سكاناً أن تصمد أمامها، لكن الأردن بحكم قيادة الملك حسين وتوجّهاته الإعتدالية وحنكته السياسية تمكّن من ذلك لميزات شخصية وعامة.

استثنائية الشخصية

     تجمّعت في شخص الملك حسين استثناءات عديدة، سواء على المستوى الشخصي أو العام، وهذه الاستثناءات جعلت منه شخصية استثنائية بامتياز، وقد تمكّن بفضل ذلك السير بالأردن في طريق تُجنّبُه المغامرة، وكان مقياسه ذهبياً أحياناً، أي دقيقاً لكلّ خطوة يخطوها، لأن أي خطأ أو عدم تقدير سليم سيكلف الأردن خسائر فادحة بما فيها وجودها، وهو ما فتح أبواباً أمامها  للتنمية والتقدم، ومن ينظر إلى مسيرة الدولة الأردنية ويعرف إمكاناتها الشحيحة والمخاطر التي تحيط بها يدرك حقيقة الدور الاستثنائي الذي لعبه الملك حسين بنجاح واقتدار وأفق مستقبلي.

وتتجلى عناصر استثنائية الملك حسين في:

  1. قدرته الاستثنائية على استنباط الجوهري من الأشياء وعلى الرغم من اهتمامه بالتفاصيل التي قد تقود إلى الجحيم أو الهلاك أحياناً، إلاّ أنه كان ينظر بشمولية إلى المشهد العام وكان حريصاً عليه، مثل حرصه على التدقيق في التفاصيل.

      وبقدر اتساع رؤيته فقد عمل بواقعية استثنائية أيضاً ، معتبراً السياسة  فن الممكن دائماً (صراع واتفاق مصالح) وهي كانت كذلك منذ أرسطو وكتابه “السياسة“: تحقيق الخير العام ووصولاً إلى عبد الرحمن بن خلدون، دون طموحات أقرب إلى الأوهام ودون يأس أقرب إلى الاستسلام، فرغم الظروف الصعبة واضطراره لتقديم تنازلات أحياناً، لكنه بقي ماسكاً بالجوهر والمضمون، ولذلك امتاز بأنه صاحب مبادرات ومشاريع باستمرار، فعقله ظلّ شغّالاً ومنفتحاً وحيوياً حتى آخر لحظة من حياته، فضلاً عن نظرته المستقبلية.

  1. شخصيته الكاريزمية الاستثنائية، وهي شخصية آسرة، وهو ما يدرس في إطار أدبيات علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية، والمقصود بذلك دور الفرد في التاريخ، أي ما يمكن أن يلعبه القائد أو الزعيم في السياسات العامة وفي الحرب والسلم وفي البناء والهدم والتأثير على الآخر، صديقاً أو خصماً أو عدواً، وهذا يندرج في علم النفس الاجتماعي، وغالباً ما تكون لمثل هذه الشخصيات قدرة في التأثير على الآخر، مثلما لها قدرة على الإقناع، ناهيك عمّا يمنحه من ثقة سرعان ما تنتقل إلى الغير، فتنفتح أمامه فرصاً ونوافذ وحتى بعض المغاليق من خلال صداقة تمتد بجسور من التواصل، فما بالك حين يكون مصحوباً بأدوات حديثة من علم الإدارة ، الذي سيكون نجاح أي خطةٍ مستنداً إليه وإلى الإدارة الحكيمة.
  2. تواضعه الاستثنائي، وهو ما يجمع عليه كلّ من قابلوه أو التقوا به أو استمعوا إليه، وقُدّرَ لي، لمرة واحدة، أن ألتقي به وإن كان بحضورٍ عام في لندن (لدى السيّد عبد المجيد الخوئي)، إلاّ أني بقيت أراقبه طيلة فترة وجوده، وكنت أُصغي إلى حديثه وكلماته، فضلاً عن اختيار مفرداته، ومع الأسف ضاعت عليّ فرصة اللقاء المباشر والخاص، حين طلب لقاء بعض الشخصيات العراقية في لندن ، وكنت حينها مسافراً، وحصل أن تجدّدت الفكرة لاحقاً باتصال من اللواء عبدالإله الكردي السفير لاحقاً، لكن ذلك لم يحصل حتى خلال دعوتي إلى الأردن من رئيس مجلس النواب سعد هايل السرور، بسبب تدهور صحّته الذي حال دون ذلك.

      ومثل هذا التواضع ينطلق من تربيته العائلية، وإضافة إلى حُسن معشره، منذ أن كان  طفلاً مع أقرانه في المدرسة، فلم يشعر يوماً بالتعالي أوالتكبّر عليهم وهو ما يستذكره الأردنيون من الناس البسطاء الذين أحبوه حبّاً جمّاً، بل بكوا بكاءً مرّاً حين رحيله.

      وقد نقلتُ في بحث لي عن الملك حسين بعد عام على رحيله قدّمته إلى “المؤتمر الفكري الدولي” العام 2000 في جامعة معان (الأردن) والموسوم” الملك حسين: الحاكم والإنسان وسؤال التسامح“، ما قالته الصديقة ليلى شرف وزيرة الإعلام الأسبق وعضو مجلس الأعيان سابقاً، وهذا الاقتباس يمثّل نموذجاً لعلاقة الحاكم بالمحكوم، ومن هو في قمّة الهرم ﺒمن هو في قاعدته، وذلك نقلاً عن شابة أردنية روت لها بأن أمها خاطبت زائرين (أجانب) عبّروا عن دهشتهم لما شاهدوه من مظاهر الحزن التي تلت وفاة الملك حين قالت لهم : انظروا، لم يسبق لي أن قابلت الملك أو صافحته، كما لم يسبق له أن مرّ شخصيّاً بجوارنا ولم أرَه شخصياً أبداً، إلاّ أنني في كل مساء عندما أعدّ مائدة العشاء، أشعر أن هناك شخصاً غائباً عنّا.

     وتلك الحادثة بالغة الدلالة على النوافذ المفتوحة بين الحاكم والمحكوم، على الرغم من جميع التعقيدات التي أحاطت بها والملابسات التي عرفتها أجواء التوتر السياسي أحياناً وبيروقراطية الدولة ودواوينيّتها وتجاوزاتها أحياناً على حقوق المواطنين وحريّاتهم وهو ما ينبغي أخذه بسياقه التاريخي.

      ولعلّ السيماء الشخصي للملك حسين وروح السخاء والبساطة والمروءة التي امتاز بها هي التي جعلته قريباً من الحس الشعبي. وحسب ليلى شرف، فالأردنيون يشعرون أنهم يعرفونه فرداً فرداً وأنهم يستطيعون اللجوء إليه في أوقات الشدّة. وهو ما سمعته من دولة أحمد عبيدات ودولة طاهر المصري ودولة عدنان بدران ومعالي سمير الحباشنة ومعالي جواد العنّاني وآخرين.

  1. تسامحه الاستثنائي الجّم فقد امتاز بتواضع الكبار، وكلما تسامت النفوس تواضعت، ولم يكن ذلك متكلّفاً أو مصطنعاً، وإنما كان نابغاً من سويّة إنسانية وخلق رفيع ، فالتسامح بالنسبة إليه يقوم على أسس أخلاقية وحضارية وإنسانية، وهو ما  شكّل صورةً للدولة الأردنية وأصبح ملمحاً من ملامحها حتى اقترب من القاعدة الحقوقية، حيث أصبحت حالة عامة، وهو ما يطبع علاقة الحاكم بالإنسان، وحين تجري مقارنة بينه وبين صدام حسين مثلاً أو حسني مبارك أو معمّر القذّافي، ستجد فرقاً شاسعاً بين شخصية الملك حسين المتواضعة وبين هذه الشخصيات المتغطرسة، وهو فرق بين التواضع والتعالي وبين التسامح والتعصّب وبين الشموخ والغرور.

      وقد ذكرت في البحث الذي جرت الإشارة إليه، أنه لم يلتجأ إلى إعدام شخص واحد خلال كل فترة حكمه، على الرغم من العديد من محاولات الانقلاب العسكري التي قامت ضدّه، لكنّه بعد حين يلجأ إلى تخفيف الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، ومع مرور الوقت يتم الإفراج عن المحكومين، وفي الغالب، تتم معاملتهم بالحسنى، وبعضهم احتل مناصب رفيعة.

     وقد تطورت نظرته المتسامحة مع نضج تجربته وأصبح التسامح الوسيلة الأكثر ملائمة لتحقيق المثل الإنسانية والقيم العليا، فلم يجلب العنف غير العنف والانتقام غير الانتقام والكراهية غير الكراهية ،ﻓ رذيلتان لا تنتجان فضيلة، و ظلمان لا ينجبان عدلاً  وقد كان حقّاً قريباً من إعلان منظمة اليونسكو الصادر في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 “إعلان مبادئ التسامح” ، لأنه أدرك أن نقيض التسامح هو اللّاتسامح ، ونقيض اللّاعنف هو العنف، وهما ينجمان عن التعصّب ووليده التطرّف، وحين يصير الأخير سلوكاً يصبح عنفاً، وإذا ما ضرب العنف عشوائياً فإنه يتحول إلى “إرهاب” و”إرهاب دولي“، حين يكون عابراً للحدود.

     إن إيمانه بمبادئ التسامح جعله أميل إلى الاعتدال والوسطية، وحين يصبح الحاكم  بمثل هذا الفهم والمسؤولية،  فإنه يتطلّع بعدلٍ إلى الدولة وبنائها وترسيخها وحقوق المواطن ومستقبله، بل يحاول معالجة ما ينشأ من ظواهر سلبية وممارسات خاطئة وانتهاكات لحقوق الإنسان، لأنها ستعود بالضرر على الدولة وعليه.

     إن وسطيّته واعتداله جعلت من إيمانه الديني بعيداً عن التعصّب والتطرّف، فقد كان مؤمناً بحب الحياة وفي الوقت نفسه معتقداً باليوم الآخر، وغالباً ما تأتي آيات قرآنية على لسانه، على نحو عفوي وغير متكلّف وهو ما وجدته أيضاً لدى شقيقه سمو الأمير الحسن، الذي يكاد يكون الوجه الآخر للملك حسين، وهو ما أشرت إليه في بحث عن سمو الأمير الحسن الموسوم:” لا يكتمل نصفه إلاّ بالنصف الآخر“.

  1. عقلانيته الاستثنائية، وهي نتاج لمراجعة وتفكّر ونقد ذاتي ورسوخ رؤية، فقد قادته المبادئ التي أعلنها والسياسات التي رسمها وسار على هداها إلى التوازن والعقلانية ،  فالغاية بالنسبة إليه لا تبرّر الوسيلة، لأن الأخيرة ملموسة ومعروفة، في حين أن الغاية بعيدة المدى وغير منظورة، وهكذا تصبح الوسيلة من “شرف الغاية”، ولا غاية شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، وحسب المهاتما غاندي فإن الوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة ترتبط بها عضويّاً ولا يمكن فصلهما.

      وكان الحسين  يقلّب الأمور ولا يحاول أن ينفرد في رأي وإن كان رأيه مختلفاً، وهو ما كانت قراراته خلال الحروب مع “إسرائيل” والتصدي لعدوانها، سواء دخلها مقتنعاً أو اضطّر عليها بفعل الجو العام السائد أو حين حاول تجنّبها، ومثل تلك العلاقة المركّبة والمزدوجة كانت تطبع مواقفه من المقاومة الفلسطينية على الرغم من الموقع الحسّاس الجيوبوليتيكي للأردن كدولة مواجهة ضدّ “إسرائيل” ،  ذلك بحكم أن القدس ضمن الإدارة الأردنية قبل احتلالها العام 1967 (القسم الشرقي) والضّفة الغربية، وحتى فك الارتباط في العام 1988، يضاف إلى انطلاق الثورة الفلسطينية والعمليات الفدائية من الأردن.

      وعلى الرغم من اختلاف التصوّرات والتباين في وجهات النظر وتنازع السلطات، إلاّ أن دور الجيش الأردني في معركة الكرامة 21 آذار/ مارس 1968 كان له صدىً كبيراً في دعم المقاومة الفلسطينية وإعلاء شأنها، وذلك بإلحاق ضربة موجعة ﺒ “إسرائيل” بعد عدوان 5 حزيران/ يونيو العام 1967 .

     لقد تعامل الأردن مع الفلسطينيين من منظور مختلف، فعلى الرغم من رفضه فكرة التوطين، مثل بقية البلدان العربية، بما فيها من جانب المنظّمات الفلسطينية لأسباب سياسية، إلاّ أنه منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية كمواطنين، وهذه الحقوق جزء من الحقوق الإنسانية كالملكية والجنسية والإقامة والسفر، ناهيك عن الحقوق السياسية، وهو ما أخذت به لاحقاً العراق وسوريا. وكان أمام الأردن قرابة مليون لاجئ فلسطيني في حين كان عدد الأردنيين لا يزيد عن 400 ألف أردني، وخلال ثلاث سنوات ارتفع عدد سكان عمّان من 30 ألف ليصل إلى 200 ألف نسمة.

     وتعتبر مخيّمات اللاجئين في الأردن أكبر المخيمات وهي ستة أساسية. وكان الملك حسين يعتقد وهو على حق أن منح الفلسطينيين الحقوق الأساسية لا يتعارض مع حقّهم الثابت وغير القابل للتصرّف بالعودة والتعويض. وعلى الرغم مما حصل من أحداث مؤلمة في أيلول / سبتمبر 1970، راح فيها ضحايا من الفلسطينيين والأردنيين في اقتتال الأخوة ، إلاّ أنه ما إن انتهت الأحداث فإنها لم تترك مجالاً للكراهية أو الحقد أو الانتقام، وعاد الملك حسين والتقى مع  الرئيس ياسر عرفات وفتح صفحة جديدة، حيث كان خطر”إسرائيل” قائماً ومستمراً ، وهو الذي ينبغي أن تصوّب نحوه البنادق.

  1. ثقافته الاستثنائية الموسوعية، فهو يمتاز بين الزعماء العرب بأفقه الثقافي الواسع، فقد كان أديباً وشاعراً وخطيباً ذرب اللسان بلغة متقنة وحديثة. وكان مجلسه الأدبي والثقافي عامراً جمع فيه نخبة من الشعراء والأدباء، وكان يدخل معهم في حوارات ونقاشات ثقافية، ويتردّد عليه عدد من المثقفين المعروفين منهم: محمد علي الحوماني ونديم الملّاح وفؤاد الخطيب وسعيد البحرة وتيسير ظبيان وعرّار (مصطفى وهبي التل) وحسني زيد الكيلاني وغيرهم الكثير.

     وخلال فترة حكمه انتعشت الحركة الثقافية التي أولاها اهتماماً خاصاً وأسس مجمّع اللغة العربية العام 1976 وكذلك تطوّرت حركة الفنون التشكيلية والمسرحية والسينمائية والموسيقية، كما اهتم بالتنوع الثقافي للمجموعات المختلفة، وأقصد بذلك من المسيحيين والشركس والشيشانيين وغيرهم، الذين شاركوا في بناء الدولة وحماية صرحها على أساس المواطنة، وأصبح منهم رؤساء حكومات ووزراء وفنّانين ورُوّاد في الأدب. كما تأسست في عهده  المنتديات والمراكز الثقافية وتعزّزت مكانتها ، واهتم بالعلوم الآثارية فأسس متحف الآثار الأردني عام 1951 ومتحف البتراء في العام 1963 ، ومتحف الحُلي والأزياء العام 1971 ومتحف الحياة الشعبية العام 1977 ومتحف صرح الشهيد العام 1977 وأُسس لاحقاً في عهد الملك عبد الله الثاني متحف الأردن ومتحف الأطفال .

  1. رؤيته الاستثنائية الإستشرافية، حيث امتاز الملك حسين بقراءة استشرافية للمستقبل فهو شخصية رؤيوية وضعت المستقبل دائماً في ذهنها وفكرها، وربما ينطبق عليه قول الروائي الروسي مكسيم غوركي عن أحد مفكري وثوريي عصره:”أن نصف عقله يعيش في المستقبل”  ، بل إنه امتلك حاسّة شمّ سياسية واجتماعية ذكية جداً، فكان يقرأ إرهاصات المتغيرات الدولية والإقليمية ويحاول أن يضع خططاً استراتيجية وتجريبية في الآن، أي  قصيرة ومتوسطة المدى لاختبار مدى تساوق ما يجري كونياً وإقليمياً وانعكاساته على الوضع الداخلي، فيتخذ المبادرة السريعة بشجاعة وبُعدَ نظرٍ.

      فعلى سبيل المثال ، أدرك عشيّة انتهاء الحرب الباردة وبداية أشكالٍ جديدة من الصراع الأيديولوجي في نهاية الثمانينيات أن السياسات والوسائل القديمة لم تعد صالحة في ظل صعود موجة احترام الحقوق والحريات وارتفاع رصيد الدعوات الديمقراطية والإقرار بالتنوع والتعددية، فبادر بجرأة قبل العديد من دول المنطقة لتهيئة البنية التحتية لعملية التحوّل التدرّجي، فأقدم في العام 1989 على تحديث التشريعات لتكريس التعددية السياسية وبعض المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية، وتفعيل قانون الأحزاب السياسية الذي شُرّع منذ العام 1955 ، حيث أجريت أول إنتخابات برلمانية بعد أن تعطلت بسبب الأوضاع الاستثنائية إثر عدوان العام 1967. وهكذا حصل الانفتاح الأردني الداخلي مبكّراً حتى قبل أن تهب موجة التغيير على الشرق الأوسط.

     وكان تقرّر فكّ الارتباط القانوني والإداري بالضفة الغربية الذي اتخذه الملك حسين في العام 1988 استجابة لمؤتمر قمّة الرباط العام 1974، والذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف.) كممثل وحيد وشرعي عن الشعب العربي الفلسطيني، وهو ما أتاح له التفرغ للداخل واستئناف مسيرة إنفتاحية جديدة في العام 1989 وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل المرأة مرشحّة وناخبة.

      مثلما انصرف لتوسيع دائرة التعليم الإلزامي والمجّاني في الصفوف العشرة الأولى، لأنه أدرك أن إحداث النهضة الحقيقية والتنمية المستدامة لا بدّ أن تقوم على التعليم، خصوصاً بنقل المجتمع الأردني من مجتمع شبه أمّي متخلّف إلى مجتمع متعلّم يتطلّع إلى الحداثة والمدنية. وشملت النهضة قطاع الصحة والخدمات والبنية التحتية والعمران والنقل والزراعة والسياحة والصناعة والتجارة والطرق والجسور والمواصلات والإهتمام بالثقافة والرعاية الشبابية والرياضة.

  1. قدرته الاستثنائية في عقد تحالفات ومدّ جسور وقنوات اتصال، دون نسيان الإمساك بالحلقة المركزية بيد الدولة، فقد عمل بكل سعي لعقد اتفاقات وتحالفات عسكرية ومدنية وعشائرية في الحضر والبادية  تحت لواء الدولة وقيادتها، وحاول ذلك عبر فلسفة تقوم على إخضاع كلّ المرجعيات للدولة وقوانينها الموحدّة لإحداث التغيير المنشود. وأتاح له ذلك الانفتاح دعم قوى اجتماعية مختلفة لتعزيز مكانة الدولة وتمثيلها، خصوصاً وأنه محاط بدول إيديولوجية شمولية دينية أو قومية، الأمر الذي دفع الأردن للبحث عن حلول للمشاكل القائمة بوسائل سلمية وبإيقاع دبلوماسية نشطة وبنّاءة ومدّ أواصر التواصل مع الآخر وتجنب القطيعة.

     لقد أدرك الملك حسين أن شرعية أي نظام سياسي تقوم على رضا الناس وتحقيق منجزات لمصلحتها، أمّا المشروعية فتقوم على الالتزام ﺒ حكم القانون، وإذا ما سارت الشرعية السياسية بموازاة المشروعية القانونية، فإن ذلك يعني أن الدولة سلكت الطريق الصحيحة على الرغم من وعورتها أحياناً وكثرة منعرجاتها وتقلّبات المناخ السياسي وعواصفه.

  1. قدرته الاستثنائية على تدوير الزوايا وسعيه المستمر لتنقية الأجواء العربية، خصوصاً في فترة الأزمات وتعقّد المشكلات وتعاظم التوترات، فيبادر حين تتلبّد السماء بالغيوم ويسعى لانكشاحها ليرى الجميع شمس الواقع وما خلفها، وذلك بوضع الخلافات جانباً وتهيئة الأجواء لقبول اللقاء والحوار ومن ثم الجلوس إلى طاولة مفاوضات أو عقد اجتماعات ثنائية أو جماعية، معلنة أو سرّية وصولاً إلى توافقات واتفاقات ومصالحات

كلّما اقتضت الضرورة ذلك.

     فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد ترك خلافاته مع قيادة الرئيس جمال عبد الناصر جانباً وتوجّه إليه عشية عدوان 5 حزيران/ يونيو 1967 ليطلب منه توقيع معاهدة للدفاع المشترك شبيهة بالمعاهدة المصرية – السورية ، بل هي استنساخ لها، وطلب منه إرسال الجنرال عبد المنعم رياض معه إلى الأردن ليكون مسؤولاً عن القوات الأردنية والقوات العربية المتوقّع قدومها من العراق والسعودية، ووافق على المصالحة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري بطلب من عبد الناصر ، بل قام باصطحابه معه في الطائرة إلى عمان مع عبد المنعم رياض، وذلك لتأكيد صدقيه توجّهه.

     وعلى الرغم من معلوماته وتقديراته المختلفة عن معلومات القيادة المصرية، إلاّ أنه كان حريصاً على وحدة الصف العربي مثلما هو حريص على تأكيد صدقيته، وهو ما أكدّه محمد حسنين هيكل ، بتنبيهه للفخ الذي أريد للعرب أن يقعوا فيه، وهو ما كان لديه من معلومات مسبقة.

     وحاول خلال حرب الخليج الثانية أي بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب/ أغسطس 1990 ، الحيلولة دون الحل العسكري لأنه أدرك أن التدمير سيمتد إلى عموم دول المنطقة، فحاول الضغط على الجانب العراقي للإنسحاب من الكويت ، ونزع فتيل الحرب ، إلاّ أن التعنت والرؤوس الحامية والمخطّطات الهادفة إلى الإستلاء على المنطقة كانت هي الأقوى والأسرع، وحصل ما حصل . وظلّ حريصاً على التخفيف من عبء الحصار الدولي الجائر على العراق وشعبه .

  1. إنسانيته الاستثنائية، فقد تمتّع الحسين بسعة صدر وقدرة كبيرة جداً على التحمل ، وبعيداً عن السياسة فقد كان رحيماً ” والرحمة فوق القانون” كما يُقال و رؤوفاً وعطوفاً ، بل عاطفيّاً تترقرق عيناه بالدموع إزاء بعض المشاهد الإنسانية. وحسب نيتشه: “ما قيمة فضيلتي إن لم تجعل منّي إنساناً عاطفياً”

      وعلى الرغم من إحساسه بالغدر في الكثير من الأحيان، إلاّ أنه تعامل ببعد نظر إنساني مع خصومه وأعدائه ، وحسبي هنا أن أذكر بعض الحوادث ذات الدلالة، منها حادثة الجنرال علي أبو نوار رئيس الأركان العامة الذي كان على رأس حركة استهدفت النظام بالكامل في العام 1957 ، واضطّرّ بعدها للعيش في المنفى حين سمح له الملك بالمغادرة وهو يعرف أنه سيتحوّل إلى” خصم لدود” كما يذكر الملك الحسين في كتابه:” مهنتي كملك: أحاديث ملكية” ، إلاّ أنه عفا عنه وعاد إلى الأردن  في العام1965 ،ثم عينه سفيراً في باريس العام 1971 ، وعضواً في مجلس الأعيان في العام 1989 .

 ونستعيد  أيضاً ما حصل مع الجنرال نذير رشيد الذي شارك أيضاً في المحاولة الإنقلابية ضدّ الملك حسين في نيسان/ أبريل 1957 ، وهرب على إثرها إلى سوريا، ثم صدر العفو الملكي عنه وبقية المعارضين العام 1965 ، وعاد إلى الخدمة وعيّنه الملك مديراً للمخابرات العامة العام 1970 ، ثم سفيراً وعضواً في مجلس الأعيان، وأصبح وزيراً للداخلية في حكومة عبد السلام المجالي(أبريل/ نيسان 1997 ) .

  وأستعيد ما حصل مع الصديق ليث شبيلات  كما نقله لي، فبعد أن قضى سبعة أشهر في السجن بعد الحكم عليه 3 سنوات بتهمة “تشويه سمعة الملك” قابلته والدته طالبة إطلاق سراحه ” عشيّة يوم العيد” ، فقال لها “أبشري الليلة ينام لديك في البيت”، وذهب الملك حسين بنفسه إليه في السجن واصطحبه معه بسيارته وطاف به في  شوارع عمّان ليوصله إلى البيت وفاءً  لوعده .

     وفي الختام أقول أن هذه الإنسانية  المرهفة والحساسية الأخلاقية الفائضة ، إضافة إلى السجايا الشخصية والقيادية الاستثنائية هي التي وفّرت “ الإجماع  الاستثنائي” على شخصه، فحتى المعارضة لبعض الإجراءات والتوجّهات كانت تعتبره ملكاً للجميع، وتلك إحدى امتيازات الأردن. وهكذا كان رحيله صدمة وخسارة حقيقية لكل أردني وربما لكل عربي منصف، اختلف أو اتفق معه، وهو ما نستعيده اليوم بمناسبة مئوية ميلاد الدولة الأردنية.

* أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – له أكثر من 70 كتاباً ومؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني. نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي  (أونور)، بيروت. وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

إقرأ ايضاً

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: