' rel='stylesheet' type='text/css'>

المسرح الحساني فن مستقل يستلهم من الثقافة الصحراوية المغربية

المسرح الحساني فن مستقل يستلهم من الثقافة الصحراوية المغربية

محمد ماموني العلوي

صحافي مغربي


بدأت الإرهاصات الأولى للمسرح الحساني مطلع الثمانينات من القرن الماضي من خلال عروض تقدم في مناسبات اجتماعية ووطنية، ما أعطى كذلك الفرصة للمدارس للمشاركة وفتح الباب للعروض المسرحية التربوية للتلاميذ، كما كان للوفود المسرحية من شمال المغرب إلى جنوبه تأثير بالغ في بعث حركة مسرحية حسانية صارت لها مع تلاحق السنوات بصمة خاصة.

لا يزال المسرح الحساني الصحراوي يعمل على بناء موقعه ضمن المسرح الوطني المغربي والعربي والعالمي خصوصا وأن التراث بالنسبة إليه منصة ثقافية تربط الماضي بالحاضر، ويعمل على معالجة النصوص التي ستبلغه إلى الجمهور العالمي، وبفضل العروض المبرمجة على مستوى الجهات الجنوبية للمغرب من طرف الفرق المسرحية والمهرجانات التي أصبحت تعرفها هذه المنطقة شهد المسرح الحساني انتعاشة حقيقية.

ولدعم المسرح الحساني وإعطائه دفعة إلى الأمام في إبراز مؤهلاته الفنية والثقافية تم نهاية فبراير الماضي تدشين فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان العيون للمسرح الحساني الذي تنظمه جمعية “مادس للثقافة والفنون الدرامية” بهدف رد الاعتبار للثقافة والتراث الحساني ضمن المكون الثقافي لجهة العيون الساقية الحمراء.

وأبرز المدير الجهوي للثقافة بالعيون لحسن شرفي أن الثقافة الحسانية تشكل بعاداتها وتقاليدها وتعابيرها الثقافية والفنية وبكل مكونات تراثها غير المادي مكونا أساسيا للثقافة الوطنية المغربية، مضيفا أن هذا المهرجان يعطي للمسرح الحساني أهميته ومكانته ضمن الحقل الثقافي المغربي المتنوع والغني، إضافة إلى خلق جو من التنافس والعطاء في مجال النص المسرحي كتابة وإخراجا وتشخيصا.

  • مسرحية “الخالفة” تأليف عالي مسدور وإخراج أمين ناسور تم تصنيفها من الجمهور والنقاد كأهم مسرحية حسانية

انتعاشة المسرح

يقول المسرحي محمد مغفول إن بدايات المسرح الحساني ليس لها تاريخ محدد حيث أن الباحثين في هذا النوع المسرحي لهم آراء مختلفة، لكن يمكن اعتبار فترة الثمانينات من القرن الماضي هي بداية لظهوره من خلال عروض تقدم في المناسبات الوطنية، ويضيف في تصريح لـ”العرب”، “حينها بدأنا نواكب داخل الوسط المدرسي إنجاز عروض مسرحية للتلاميذ”.

ويعتبر مغفول أن زيارة الفرق المسرحية من المدن الشمالية والداخلية إلى مدن الجنوب من خلال الجولات المسرحية المدعمة كان لها أثر هام في انتشار وتوسع الممارسة المسرحية بالمدن الجنوبية خصوصا مع تقوية البنية التحتية من دور الشباب التي أصبحت تحتضن طاقات ومواهب من التلاميذ وغيرهم، حيث أن العروض كانت تتخذ شكلا فرجويا تقليديا لأن الفضاء المسرحي لم يكن موجودا بقوامه المتعارف عليه من الخشبة والديكور وغيرهما.

 وعلى غرار المغاربة انفتح المجتمع الحساني على المجال المسرحي العربي وخصوصا المسرحيات المصرية ومحاولة أبناء الصحراء محاكاة بعض المسرحيات وخصوصا المنتسبة إلى عادل إمام. ويقول مغفول “لقد انتقل المسرح الحساني من مرحلة التقليد إلى مرحلة الاحتراف خصوصا مع تنظيم مهرجانات مسرحية وتكوين فرق مسرحية حسانية احترافية بدأت في البحث في التراث الصحراوي الذي أصبح مادة دسمة للنصوص المسرحية”.

وكانت مدينة العيون جنوب المغرب مشتلا أثرى الساحة المسرحية بعدد من الممثلين الأكفاء منهم محمد بوشايت، محمد الشرداي، لحبيبة البصراوي وفاطمتو فاصك إلى جانب البلال سالم الذي يعتبر من أهم الفنانين المسرحيين الحسانيين، وتعتبر مسرحية “الصعلوك” تعبيرا حيا عن تألق هذا الفنان، وقد تم كذلك تأسيس مهرجان سنوي بعنوان “المسرح الفكاهي” والذي يحظى بدعم محلي ووطني.

وفي هذا الصدد يؤكد محمد مغفول أنه يمكن اعتبار المهرجان الوطني للمسرح الحساني مرآة عكست تطور المسرح الحساني من خلال احتضانه للعروض المنجزة للمدن الصحراوية ودعوة فرق احترافية من باقي ربوع المملكة المغربية قصد المحاكاة، وبذلك ظهرت فرق مسرحية حسانية وذاع صيتها وخصوصا مسرح أنفاس من الداخلة مع توفيق شرف الدين رفقة البلال سالم اللذين قدما مسرحية الصعلوك الفكاهية.

وهناك المسرح الحبشي بالسمارة مع المسرحي عمر ميارة، الذي كان له الفضل في ظهور قامات فنية حسانية في التمثيل، وساهم مهرجان المسرح الفكاهي في تشجيع الشباب وصقل مواهبهم في مدينة العيون التي أخرجت فنانين كبارا أمثال محمد شرادي.

مسرح مستقل

  • محمد مغفول: المسرح الحساني انتقل من مرحلة التقليد إلى مرحلة الاحتراف

يؤكد عبدالرحمن الزاوي رئيس الفرقة المسرحية “بروفا” أن المسرح الحساني كغيره من روافد الإبداع حامل لقضايا اجتماعية وإنسانية عامة يمكن أن يتفاعل معها الإنسان داخل الوطن، كما يمكن أن يتفاعل معها أي مشاهد في أي مكان بالعالم، وأن هذا المسرح لعب دورا كبيرا في التعريف بالحالات التي يعيشها المجتمع الصحراوي “المعروف بكونه مجتمعا بدويا”، وانتقاله اليوم إلى فاعل مدني وحضري.

وسجل لحسن شرفي ضمن فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان العيون للمسرح الحساني الذي تنظمه جمعية “مادس للثقافة والفنون الدرامية” أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل اعتمدت مقاربة جديدة في المجال الثقافي لإبراز أهمية التراث الرمزي كعنصر أساسي في تكوين الثروات وفي صياغة السياسات العمومية، مبرزا أن هذه المقاربة تجعل من النهوض بالموروث الثقافي والفني الحساني على مختلف الأصعدة إحدى الأولويات الكبرى ضمن مخطط التنمية المستدامة كجزء لا يتجزأ من الرصيد الثقافي والحضاري للمغرب.

وهذا التقدم الذي أصبح يعرفه المسرح الحساني يرجع حسب عبدالقادر أطويف رئيس جمعية “أوديسا” للثقافة والفن إلى حرص وزارة الثقافة على إشراك الثقافة الحسانية ممثلة في المسرح الحساني في النسيج الثقافي المغربي باعتباره رافدا من روافد الثقافة المغربية من خلال دعم الوزارة للفرق المسرحية في إطار برامج التوطين المسرحي والترويج والإنتاج.

وانفتاحا على المحيط الثقافي المغاربي والعربي عرفت هذه الدورة حضور دولة تونس كضيفة شرف، وتكريم إحدى أبرز تجاربها المسرحية سميرة بوعمود، بالإضافة إلى عرض مسرحية تونسية بعنوان “مريض”، وكانت فرصة لفتح نقاش بين مهنيي المسرح والفنون بشكل عام حول القضايا التي تتعلق بأبي الفنون من خلال ندوة المهرجان حول موضوع “من الحكاية الشعبية إلى المسرح.. تجارب مغربية”.

ورغم كون المسرح الحساني لا يزال في بدايات التأسيس، لكن وباتفاق النقاد والمهتمين بالمسرح تم تصنيف النص المسرحي “الخالفة” من تأليف عالي مسدور وإخراج أمين ناسور ضمن أهم مسرحية حسانية أعجبت الجمهور ولجنة التحكيم فنالت جائزة المهرجان الوطني للمسرح في دورته العشرين عام 2018.

 ويلفت محمد مغفول إلى أن العنصر النسوي الحساني كان حاضرا في التشخيص الذي لم تقتصر المسرحيات الحسانية على تقديمه في فضاء محلي أو جهوي بل تعدته لتصبح جزءا لا يتجزأ من المسرح المغربي وخصوصا مسرحية “خالفة”. ويختم حديثه بالتأكيد على أن المسرح الحساني مستقل بذاته ووضع نفسه ضمن المسرح الوطني حيث ينطلق من التراث ليسلط الضوء على الحاضر مستشرفا على المستقبل.

 


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: