' rel='stylesheet' type='text/css'>

الكونغرس الأمريكي يحقق للسعودية مطالبها … بمعالجة نفوذ إيران الإقليمي في أي اتفاق جديد

الكونغرس الأمريكي يحقق للسعودية مطالبها … بمعالجة نفوذ إيران الإقليمي في أي اتفاق جديد

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

يعتبر الملف الإيراني من الملفات الشائكة، لكنه لا ينفصل عن المواجهة الرئيسية للولايات المتحدة مع الصين، حيث تعتبرها الأكثر تحديا للولايات المتحدة وللنظام الدولي، لذلك تقايض الولايات المتحدة السعودية من أن تتمحور إلى جانبها ضد النفوذ الصيني، خصوصا وأن السعودية تمثل موقعا لوجستيا، بينما الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن المناطق اللوجستية، لكن استراتيجية السعودية أن تكون بعيدة عن التمحور أو الاصطفاف، وإذا كانت الصين تحديا للولايات المتحدة، لكن الصين ليست تحديا للسعودية، بل أكبر تحدي لها النفوذ الإيراني الذي تمدد من خلال الدعم الأمريكي بعدما احتلت الولايات المتحدة العراق وسلمته لإيران ومن خلال العراق تمكنت إيران الدخول إلى المنطقة، لكن السعودية حليف للولايات المتحدة وهي قادرة على الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وتدرك الولايات المتحدة إذا لن تردع الولايات المتحدة النفوذ الإيراني في المنطقة الذي تمدد نتيجة أخطاء أمريكية فإن السعودية قادرة على تغيير حلفائها، لكنها تمتلك صبر استراتيجي وتحقق ف يعهد ترمب وتراهن على استمرار إرث ترامب لأنه إرث أمريكي واستراتيجية أمريكية قبل أن يكون إرثا ترامبيا.

إدارة بايدن عليها أن تفرق بين إرث ترامب في الشرق الأوسط وبين إرث ترامب مع أوروبا وبقية العالم وبشكل خاص فيما يتعلق بانسحابه من مؤتمر المناخ ومن التجارة المتعددة الأطراف في آسيا والتي جنتها الصين.

تعتبر إدارة بايدن أن العالم مختلف عن عام 2017، وتعترف أيضا من أن العالم مختلف عن عام 2009، وهو الزمن الذي تولى فيه أوباما وكان بايدن نائبا له، لكن يعتبر بايدن أن إدارة أوباما قاما باختراقات دبلوماسية بشق الأنفس مثل الصفقة التي منعت إيران من إنتاج سلاح نووي، لكن هم السعودية الأول هو وقف النفوذ الإيراني الإقليمي.

تجد السعودية في تصريحات بايدن إيجابيات عندما أطلق جو بايدن ( التوجه الاستراتيجي المؤقت ) شدد على أن العالم لا ينظم نفسه بنفسه، عندما تنسحب الولايات المتحدة من المحتمل أن يحدث أمرين، إما أن تحاول دولة أخرى أن تحل محل أمريكا، وليس بطريق تتقدم بها مصالح الولايات المتحدة، رؤية أمريكية لتصحيح أخطاء الماضي بعد إدارة بوش الإبن وكل الإدارات التي أتت بعده سواء الديمقراطية إدارة أوباما ثم إدارة ترمب، فأوباما عندما التقى الجنرال ديفيد بترايوس في العراق دار بينهما حديث حول سحب القوات الأمريكية من العراق، فرد بترايوس على أوباما أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيخلق فراغا سيملأه الإيرانيون، باعتبار أن أوباما يرى أن الحرب مكلفة، وأن على أمريكا الاهتمام بالداخل، وهو ما تحققت رؤية بترايوس من أن ملئ الفراغ الإيرانيون بمليشيات عراقية تابعة لها، حيث كانت الإدارات الأمريكية ترى في ذلك الوقت أن الشرق الأوسط ليس بتلك الأهمية بالنسبة لأمريكا التي كان عليها من قبل خصوصا بعدما أصبحت أمريكا من كبريات الدول المنتجة للنفط والغاز الصخريين، بالطبع في ولاية أوباما الثانية.

ورأت الإدارات الأمريكية أن على دول الشرق الأوسط التشارك فيما بينها من دون تدخل أمريكي، لكن نسيت الإدارة الأمريكية أن إيران لم تكن تصل إلى النفوذ الإقليمي لولا أمريكا التي سلمتها العراق بعد إحتلاله والخشية من تكرار نموذج فيتنام وكانت فرصة لإيران بل فرصتها التاريخية، ثم ضربت المنطقة العربية ثورات استثمرتها إيران أيضا ما يعني أن إيران تحقق أحلام يقظة دون أي جهد أي الفرص التاريخية تأتيها جاهزة.

كما استثمرة تركيا لاحقا بعد انكسار تنظيم الإخوان الدولي المدعوم أيضا من إدارة أوباما، بعد حذر كبير من قبل تركيا ولم تتورط تركيا إلا بعد الانقلاب على أردوغان في 2016.

كان هدف الولايات المتحدة الخروج من مشاكل الشرق الأوسط، والتفرغ لتحديات أكبر في الشرق وتحديدا الصين، لكن ما حدث العكس أن صعدت الصين صعودا لم تتوقعه الولايات المتحدة.

كان يدار النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بقوى متعددة، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، لكنها فيما بعد بدأت تجد أن تكاليف هذه القوة الواحدة مكلفة، لكن الولايات المتحدة لا تريد أن تعترف أن بوش الإبن هو من ورط الولايات المتحدة في حروب مكلفة لا طائل من ورائها لتنفيذ الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد، ومحاولة تنفيذ خريطة برناد لويس لتقسيم العالمين العربي والإسلامي من أجل تفكيك خريطة سايكس بيكو التاريخية لدول استعمارية سابقة.

وخريطة تقسيم العالمين العربي والإسلامي وافق عليها الكونغرس في اتفاق سري عام 1983 لكن لم يحن وقت تطبيقها سوى في عهد بوش الإبن عندما احتل أفغانستان والعراق بالتعاون مع إيران الذي طالبته بمكافأتها بعدما أخافته في العراق لم يكن أمام بوش سوى تسليم العراق لإيران، وحاول أوباما تنفيذ رؤية الفوضى الخلاقة لتفتيت المنطقة من خلال ثورات الربيع العربي دون أي تدخل عسكري على غرار بوش الإبن لاستكمال مشروع بوش الإبن.

لكن السعودية أقنعت إدارة ترمب من أن المشاريع السابقة في عهد بوش الإبن وأوباما مشاريع لم تكن في صالح الولايات المتحدة، بل صبت في صالح الصين وروسيا، ما جعله يوافق على مشروع السعودية في تشكيل تحالف دولي للقضاء على الإرهاب الذي شكلته إدارة أوباما وإيران، خلقت بداية مرحلة جديدة للمنطقة من أجل عودة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط بعد مرحلة محالة وأد النفوذ الإيراني.

لم يتوقف عند هذه الحدود بل اتخذ قرارا معاكسا لأوباما الذي قتل أسامة بن لادن باعتبار أن مرحلة القاعدة انتهى عهدها بعدما حل محلها داعش بالتعاون مع إيران، فيما ترمب قتل قاسم سليماني المسؤول عن تحقيق الفوضى الخلاقة التي رسمها أوباما في منطقة الشرق الأوسط وكان اليد الطولي لإدارة أوباما.

سعى ترمب نحو مشروع مخالف للشرق الأوسط الكبير والجديد الذي ستكون فيه إسرائيل فيه مهيمنة، بمشروع آخر أكثر واقعية من خلال إقامة علاقات بين الدول العربية وإسرائيل التي غيرت وجه المنطقة، وهو أيضا مشروع من بقايا الدول الاستعمارية السابقة بريطانيا وفرنسا.

بدأت إيران وتركيا توظفان هذا التغير الذي جعل العرب ولأول مرة يفهموا اللعبة الاستراتيجية التي غابوا عنها فترة طويلة من الزمن، وظلوا أسيرين أفكار الصراع العربي الإسرائيلي، التي ساهمت في جمود المنطقة العربية وقف تنميتهم، لكن مصر أدركت بمفردها هذا الكمين، واستردت أراضيها عبر الاتفاقيات، لكن قاطعها العرب وأسموها خيانة للقضية الفلسطينية، بسبب هيمنة رؤساء يغلبون في تلك الفترة العنتريات كالرئيس صدام حسين والقذافي، للأسف يؤيدهم القوميون وحتى الإسلاميون، وتجاهلوا كثير من النصوص الدينية ( وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله ) وتجاهلوا صلح الحديبية.

لم يستوعب العرب أن هناك مشاريع تريد حصر العرب في صراع أبدي مع إسرائيل، لكن ترمب اعتبر أن هذه العلاقات مقدمة لتحقيق اتفاقية السلام العربية التي وقعت في بيروت عام 2002 رعاها الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما كان وليا للعهد رحمه الله، رغم ان السعودية وافقت على هذه العلاقات مع عدد كبير من الدول العربية بعد مصر والأردن دولة الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، لكن رفضت السعودية إقامة علاقات مع إسرائيل حتى تتحقق الدولة الفلسطينية.

هذه الخطوة محاصرة الأعداء الحقيقيين الذين يتاجرون بالدين وبالقضية الفلسطينية ويحاولون أن يبقى العرب وقودا لمشاريعهم فيما هم يقيمون علاقات تاريخية مع إسرائيل مثل إيران وتركيا والتنظيمات الجهادية وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، من أجل المحافظة على نظام إقليمي ونظام دولي في نفس الوقت.

من ينظر إلى الاستراتيجية الأمريكية، يتضح له من خلال إقامة مثل تلك العلاقات مع إسرائيل المسبقة لأي اتفاق، فكيري وزير خارجية أوباما رفضها رفضا تاما، لكن عندما سئل وزير خارجية بايدن أنتوني بلينكن أيد ما قام به ترمب من إقامة علاقات بين العرب وإسرائيل، فإرث ترمب حاضر بقوة في المنطقة، فهو استبدل مشروع بوش الإبن وأوباما وهيلاري كلينتون وكيري الذين حاولوا استبدال خريطة سايكس بيكو بخرائط جديدة للعالمين العربي والإسلامي لبرنارد لويس، ثم خلق الفوضى الخلاقة عبر ما يسمى بثورا ت لربيع العربي، لكن ترمب استبدلها باستراتيجية أخرى ووقف تسمية النزاع العربي الإسرائيلي الذي تتغذى عليه دول وقوى إقليمية وعالمية مؤدلجة من أجل دخول الشرق الأوسط مرحلة استقرار، ودولة إسرائيل جزء من هذا الشرق الأوسط، وتواصل إدارة بايدن هذا المشروع ما يعني أن إرث ترمب حول الشرق الأوسط باق.

بايدن رئيس منفتح من المخلصين لفكرة صعود الولايات المتحدة والنظام الليبرالي، ويدعم تحالفات الولايات المتحدة التي شكلت صورة العالم وسيدعم السعودية على عكس بقية الديمقراطيين رغم البداية بتسريب تقرير مقتل خاشقجي لكنه أقام تدريب مشترك مع السعودية بعد الضربات الصاروخية على السعودية وبشكل خاص على رأس تنورة.

سبق أن دعم الرئيس بيل كلينتون في حرب البلقان من أجل أوربا موحدة وهو سبب خلافه مع ترمب الذي سمح لبريطانيا بالخروج من الاتحاد وتسبب في خلافات أميركية اوربية أي أن ترمب أوهن التحالف مع أوربا، وسيكون بايدن ضد إردوغان الذي وافق على شراء الأسلحة الروسية وهو في الناتو وهو ما ضغط على إردوغان في التودد للعرب كي يخرج من مأزقه خصوصا وأن هيواجه محنة داخلية من معارضيه عنيفة جدا.

الاستراتيجية الأمريكية في زمن ترمب هي ضمن السياسة الواقعية، لأن توازن القوى تغير، والمقلق لإدارة بايدن أن ترمب وافق على أن تصبح السعودية قوة إقليمية، ووافق أيضا على أن تصنع السعودية جزء من أسلحتها العسكرية يتم تصنيعها بالتعاون مع شركات أمريكية، وهو ما يمثل نقل للتقنية للسعودية، لأن ترمب رئيس اقتصادي، ويعرف إذا لم يوافق على تلك الشراكة التي تستفيد منها شركات أمريكية، فستلجأ السعودية لشركات روسية وصينية وغيرها من شركات عالمية.

طبعا وعد بايدن أن يجعل تغير المناخ قضية رئيسية، أعتقد أنه من أجل كسب ود الاتحاد الأوربي، والتركيز على الدبلوماسية مع المحافظة على التفوق العسكري بالإضافة إلى إظهار الدور القيادي الأميركي عالميا في سياق التعاون مع الحلفاء، تلتقط السعودية بكل حذر عبارة بايدن ( تعتمد قدرتنا على أن نكون دبلوماسيين فعالين إلى حد كبير على قوة جيشينا ) فهي عبارة تحمل معاني واسعة، لكن إيران فهمت اعتماد بايدن الدبلوماسية في التعامل مع الملف النووي الإيراني أنه استمرار لعهد أوباما.

ما جعل إيران تصعد في المنطقة لتحتفظ بشئ من مكتسباتها، أو تستخدمها أوراق تفاوض بينها وبين الولايات المتحدة للحصول على نفوذ إقليمي، لكن السعودية لم تستسلم لإيران فهي تدافع عن نفسها اليوم في اليمن، ولم ترضخ للتوجه الاستراتيجي المؤقت أيا كان توجهه الحقيقي، فإيران والحوثيين فسروا قرار بايدن برفع الحوثيين من قائمة الإرهاب، رغم أن إدارة بايدن أبقت بعض العقوبات على قادة الحوثيين، فكما قادت السعودية عاصفة الحزم في عام 2015 بعد الاتفاق النووي في ذلك الوقت، فهي الآن تقوم بما تمنع من احتفاظ إيران بأي مكاسب أو نفوذ إقليمي.

هناك ضغوط بل وتضافر الجهود الديمقراطية والجمهورية في الكونغرس للضغط على إدارة جو بايدن في الملف النووي الإيراني على أن يكون أي اتفاق مع إيران لابد أن يكون اتفاق شامل يعالج أنشطتها البالستية والإقليمية، ولأول مرة تضع إدارة بايدن عقوبات اقتصادية على ضابطين من الحرس الثوري علي همتيان ومسعود صفداري بسبب تورطهما في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، خصوصا التعذيب أو سوء المعاملة أو العقوبة القاسية اللا إنسانية أو المهينة للسجناء السياسيين والأشخاص المحتجزين خلال احتجاجات عامي 2019 و 2020 في إيران، بل نجد أن المشرعون في الكونغرس رحبوا بقرار بايدن بشن غارات محدودة استهدفت منشآت تابعة لجماعات مدعومة من إيران شرقي سوريا، في رد على الاعتداءات التي نفذتها المليشيات المدعومة من إيران على القوات الأمريكية في العراق، واعتبر المشرعون أن هذا التصرف هو الأنسب لردع إيران عن أنشطتها المزعزعة في المنطقة.

مما جعل المتحدث باسم حكومة إيران علي ربيعي من تعقيد الطريق الدبلوماسي أكثر مما هو عليه، وطالبها بالعودة إلى الاتفاق النووي دون شروط مسبقة، وصل الأمر إلى أن يتهم وزير الخارجية الإيراني التدخلات الدولية في المنطقة من أنها سبب زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن في المنطقة.

هناك اصطفاف استراتيجي في الكونغرس من الحزبين ضد طهران يقلق إيران، والتي وجهت رسالة لإدارة بايدن لإعادة النظر في تعاطي إدارة بايدن مع الملف الإيراني ومطالبته بصفقة شاملة لا تتناول فقط برنامجها النووي بل تأخذ في سياقها الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي الذي يهدد الأمن الإقليمي والعالمي لأن استهداف المناطق النفطية استهداف لأمن الطاقة العالمي، وتجربة كوريا الشمالية حاضرة، فإذا رفعت العقوبات والاستفادة من عوائدها ستتجاوز كوريا الشمالية.

Dr_mahboob1@hotmail.com

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: