العراق: ثورة الكرامة بين إرث الماضي وهزالة الحاضر.  - صوت العرب اونلاين ' rel='stylesheet' type='text/css'>
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / أُخَرُ الأَخْبَار / العراق: ثورة الكرامة بين إرث الماضي وهزالة الحاضر. 

العراق: ثورة الكرامة بين إرث الماضي وهزالة الحاضر. 

علي ماجد شبو : صوت العرب – عمان.

من مفارقات الزمان أن يكون من أهم منجزات الاحتلالين الأمريكي والإيراني للعراق هو الوصول بالدولة والمجتمع الى درك عميق يفضي إما بالقبول بالأمر الواقع، والذي يعني الإنتحار الجماعي، او بالتمرد على هذا الواقع، وقد إختار شباب العراق، رجالاً ونساءً، التمرد ثم الثورة على هذا الواقع. واقع الإغتراب والاستلاب الذي يعانيه هؤلاء الشباب، كما مجمل فئات الشعب العراقي، في أماكن عملهم وفي لهوهم، وفي شوارعهم، وفي منازلهم وبالتالي في بلدهم العراق.


ثورة الشباب لم تنبثق فقط عن جوع وحرمان ومايتبع ذلك من مهانة وإذلال، بل إنطلقت ثورتهم من أجل الكرامة. والكرامة هنا قيمة تحتضن كل الاحتياجات الإنسانية المادية والمعنوية والأخلاقية. وفق إحصائيات معدة عن تقارير الأمم المتحدة الخاصة بالسكان، يشكل حجم الشباب في العراق، بين عمر 15 و40 سنة حوالي أربعين بالمائة من مجموع السكان العام الذي يقارب اليوم أربعين مليون إنسان بينهم أفراد الحكومة والبرلمان والقوات التي تستخدم الغازات السامة والقتلة ، إضافة إلى المتطرفين في الدين وفي القومية. أي ان أيّ فلترة حقيقية لسكان العراق ستظهر لنا ان الشباب هم الغالبية في العراق والفئة الممثلة لمختلف فئات الشعب العراقي، ولكن هذا هوليس بيت القصيد.

أعود هنا الى الإحساس المتعمق بالاغتراب لدى الشباب والذي أستمر بالتزايد والتضخم في كل مرة تحدث فيها مقارنة بين واقع الحاضر المعاش (من جميع نواحيه) وبين ماضٍ يفاخر به العراقي بان أجداده كانوا قد أنتجوا حضارة كونية علّمَت البشرية أبجدية الكتابة، ومنها تأتت القراءة أي الانفتاح على أبواب المعرفة. ثم تلى ذلك كتابة أول الشرائع القانونية التي تحكم تعاملات وسلوك المجتمع، كما تحكم روابط المجتمع بالحاكم. هنا إنجازان عظيمان لحضارة الرافدين (Mesopotamia) التي ساهمت ببناء حضارة العالم على مدى العصور. الإنجاز الأول يلغي الجهل ويمجد آفاق المعرفة، والثاني يؤسس لنظام من العدالة الاجتماعية بعقد تشريعي يربط الدولة بالمجتمع، كما يؤسس لعلاقة معلومة الأبعاد بين الحاكم والمحكوم.

هذه الإنجازات وغيرها الكثيرتمت منذ آلاف السنين وعلى نفس هذه الأرض، أرض الرافدين. ولكن حين تتم المقارنة مرة ثانية بين ماضٍ ليس ببعيد، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، منذ حوالي قرن من الزمان، وبالتحديد منذ بدء العهد الملكي وما تلاه من عهود، بغض النظر عن طبيعة السلطة، الا ان المجتمع العراقي، عموماً، ظل متماسكاً، ومتضامناً فيما بين خلاياه على الرغم من حجم الجرائم السياسية التي مورست بحقه. وعلى الرغم من بطش بعض السلطات ومن فسادها ومن انحيازها، إلاّ ان الإحساس بالمواطنة لم يتأثر، بل بالعكس، فقد كان الإحساس بالفخر يلف المجتمع كما الفرد بإنتمائه الى هذه الأرض، أي الإحساس بالفخر بكونه عراقياً. غير ان هذا الإحساس بالفخر تداخل كلياً، بل وتماها تماماً على الصعيدين الفردي والجمعي، مع الإحساس بالمواطنة. حيث ان الإحساس بالفخر لايمكن ان يتحقق حين يغيب الإحساس الصادق العميق بالمواطنة. وهنا شكلت “المواطنة” قيمة ومفهوماً أخلاقياً يُلغي الإحساس “بالفخر” عند إستلابها أو غيابها. ومن نتائج ذلك، وباختصار شديد، إلغاء القدرة التنافسية للأفراد أي إنتزاع الجانب الإنساني منهم.

ولا بد من التأكيد في ان الإحساس بالمواطنة ينبثق من بين عوامل متعددة، لعل أبرزها، الإحساس بالإنتماء الكامل للبلد وهو الركيزة الأهم، (على الصعيدين الفردي والجمعي)، من أجل تحقيق السلم والعدالة والرفاه الاجتماعي. هذه العوامل بمجموعها تُفضي الى بلورة الإحساس بأهمية “الوجود الفردي” داخل المجتمع المتصالح مع تنوعه ومتوازن مع اختلافاته. إن الوجود الفردي هو الذي يُشكّل المحرك الأساسي للإنتاج والإبداع داخل المجتمع. إبداع على صعد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والزراعية كما هو إبداع في الثقافة والفن.

غير أن الإحساس الاساسي بالمواطنة كان قد أُستهدفَ أساساً، وقد حُورب منذ عام 2003 من قبل سلطات الاحتلال ومن جميع الأحزاب التي انضوت تحت شعاراتها لتفتيت تماسك ولُحمة الشعب العراقي من كيان متجانس لشعب واحد بتنوع ثقافي، ولغوي، وأثني، وديني فريد الى تفتيته ك”مكونات” أثنية ومكونات دينية، ومكونات مذهبية. بدأ هذا الخراب بيد الأمريكان وتوابعهم من السياسيين، فهم الذين جاؤوا بمصطلح “Component” اي “مكون ومكونات”، وسوّق لهذا المفهوم التفتيتي لقيم المواطنة بصفة خاصة الاحزاب التي تستمد شرعيتها من تزييف الدين، وأحزاب أخرى تستمد شرعيتها من الخصوصية الأثنية القائمة على الفصل العنصري. ولهذا فإن وجود هذه الأحزاب جميعاً قائم أساساً على شرعية خفية وسرية عمودها هو تفتيت وإلغاء مفهوم المواطنة وأعني بهذا احزاب السلطة، وبشكل خاص حزب الدعوة وحزب الحكيم وسواهما، والأحزاب الاثنية، وأعني بها الاحزاب الكردية القائمة إيديولوجياً على العنصرية.

ومن بين هذا كله جاء جيلٌ آخر جديد في العراق، معظمه وُلِدَ وتربّى أو نشأ منذ تسلط هذه الأحزاب. جيلٌ إنتفض على ثقافة أُ ُجبر على ان يتربى بكنفها، ثقافة تُعادي الوطن ووحدته باسم الدين وباسم الديمقراطية الزائفة والفيدرالية المشوهة. جيلٌ لاتعرفه هذه الأحزاب. جيلٌ انتفض ضد استلاب انسانيته ووطنيته وطالب بوطن وبكرامة. جيلٌ يرفض كل الأحزاب وتلك كانت شعاراته في كل ميادين التحرير والاعتصام في العراق.

وهنا أيضاً جاء حدث هام وجديد، فقد خالف الشباب الحالي جيل (او أجيال) آبائهم ومن سبقهم. وأعني بذلك الجيل الذي اكتفى بندب حظه وغمس رأسه في الماضي لينسى الحاضر. أما جيل الشباب الحالي فلم يفعل ذلك، والسبب ببساطة شديدة، ان جيل الشباب هذا لايملك ماضٍ يدفن فيه رأسه، فتمرد على واقعٍ يفرض عليه الاغتراب من كل ما حواليه. وما هو حواليه يتلخص بمأسسةٍ عصرية لحياة القرن الاول الهجري وتزيين تلك الحياة باوهام وخرافات صبغت شوارع العراق بالحزن والدم. هذه الحياة بكل تفاصيلها هي من صنع السلطة، وأحزابها المستندة الى الدين او الإيديولوجيا الاثنية العنصرية، والتي توالت على الحكم منذ الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

والمفارقة الأخرى هي مطالبة هؤلاء الشباب بإسقاط العملية السياسية برمتها وبتأسيس دولة علمانية تحترم متطلبات جميع أبنائها. هذه المطالبات صرخ بها الشباب في كل ميادين التحرير في العراق لاسيما مدن الجنوب واخص بالذكر مدينة الناصرية حيث ولد هناك في مدينة “لكش” السومرية العظيمة أول حكومة مدنية علمانية في التاريخ على يدي حاكمها القوي “أوركاجينا” الذي أسس قواعد الحكم المدني العلماني ووضع الضوابط والقوانين التي تحدّ من هيمنة الكهنة على الشعب، ثم قام بإلغاء جميع امتيازات الطبقة الكهنوتية.

اذن فإن هذه الثورة، ثورة الشباب رجالاً ونساءً وبغض النظر عن أعمارهم، هي ثورة وجود بالنسبة اليهم لكي تعيد اليهم ماأستلب منهم معنوياً (أي سنوات العمر التي مضت بكل فرصها في الفرح والسعادة والنجاح، والسنوات التي حلّت بديلاً لها في الإحساس العميق المُذل في الاغتراب وإستلاب المواطنة) ومادياً، (وأعني بذلك فرص العمل وبناء الحياة والتأسيس لرفاهية جماعية والعمل على استعادة الأموال المنهوبة). غير ان إشكالية الوجود بالنسبة للشباب الثائر هي ذاتها بالنسبة لجميع الأحزاب الحاكمة. لان التخلي عن السلطة يعني بالنسبة لها هو النهاية الأكيدة لوجودها.

وبين إشكالية هذين “الوجودين”، أي إصرار الشباب في تأكيد وجوده، وهو يعني تأكيد إصرار وجود الشعب العراقي، وبين وجود قلة متسلطة بالأحزاب وبقوة المليشيات – المتعددة الولاءات إلاّ الولاء الى العراق- والتي تدرك بعمق معنى هذه الثورة. فهي بالنتيجة “ثورة وجود” فإما أن يحقق الشباب وجوده، وهنا أعني الشعب بعمومه، وأما الأحزاب المتسلطة هي التي تحقق وجودها. ان الفوز الناجز والكامل لأي طرف سيلغي بالضرورة وجود الآخر. لكن التاريخ لم يذكر بقاءً دائماً لأحزاب او تيارات سياسية، بل حفر في ذاكرة الأجيال على مدى الزمان بإن الخلود والبقاء للأوطان وللشعوب التي تحترم ارضها.

إن منظومة السلطة ستستمر بالمناورة، وستطرح مشاريع، كما تفعل الآن، بلغة ملونة بالوطنية والعدالة وبالمساءلة والشفافية ولكن بمضمون يكرّس بقاءها في السلطة وديمومة حكمها. أما الشباب فلا يملكون مقابل ذلك إلاّ الأمل وصدورهم العارية والمشرّعة لرصاص القناصة وسموم السلطة والميليشيات. صدور عارية، لكنها محصنة بالإيمان بالوطن، وبالمستقبل، وبالحرية والكرامة.

إن الشباب اليوم يكتبون تاريخاً جديداً للعراق، وتاريخاً جديداً لكرامة المواطن في هذه المنطقة من العالم والتي عانت من ذلّ حكوماتها أولاً ومن ذلّ تسلط الدول الكبرى وإعلامها ثانياً.

“نريد وطن” هذه الصرخة التي أطلقها الشباب في جميع ميادين التحرير هي أولاً، صرخة إحتجاج ورفض للوجود الأجنبي الأمريكي والإيراني، وثانياً رفض للأحزاب الدينية التي أحالت البلد الى مأتم كبير تتوقف على عتباته كل ديناميكيات التاريخ ، وثالثاً، رفض للأحزاب الاثنية القائمة على الفصل العنصري التي إستبدلت، وبمساعدة هزالة السلطة العراقية، آليات الإقليم الى آليات دولة وبذلك حوّلت العراق بشعبه وبتاريخه الى إقليم تابع الى دولة الإقليم في شمال العراق. “نريد وطن” هي صرخة لإستعادة المنطق التاريخي الى الحياة والقفز بالبلد من القرن الأول الهجري الى القرن الحادي والعشرين بكل جمالياته وإشكالياته. نريد وطن، هي صرخة لعراق عادل لايسمح بتسيّد قومية كبيرة كما لايسمح بتقزيم وتهميش قومية صغيرة. هي صرخة لإبتداع أسس حقيقة للتعايش السلمي والعادل من اجل رفاهية الجميع معاً في عراق واحد يرفض الهويات المُفتته والكيانات المغلقة خارج التاريخ ..

“نريد وطن”، انها صرخة، بكل بساطة، لإيقاظ العراق من سباته الذي طال، وصرخة لشعبه، كل شعبه، أن لا يكون إلاّ عراقياً.

 

تعليقات من فيسبوك

شاهد أيضاً

هل ينتظر لبنان “المعجزة” الفرنسية الأخيرة قبل الانهيار !

باريس – صوت العرب – وكالات – تعول السلطة السياسية اللبنانية على جرعة إنعاش جديدة …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم