' rel='stylesheet' type='text/css'>

الشعبيون الجدد …والاتصال المخادع.

الشعبيون الجدد …والاتصال المخادع.

*د.خالد شوكات :صوت العرب – تونس.

كان العديد من الاصدقاء يشيرون طيلة السنوات العشر الماضية، من باب الواقعية طبعاً، بأن العمل على امتلاك “ميليشيا فايسبوكية” تصدّ عنّا هجمات الميليشيات الافتراضية التي قام زعماء الطوائف السياسية والأيديولوجية بتكوينها لخوض الحرب الأهلية الافتراضية القذرة، من خلال ترذيل خصومهم واعدائهم من جهة، والترويج لأنواتهم المتضخّمة من جهة ثانية.

كان هذا التمشي يسوّق باعتباره “الاتصال السياسي العصري”، الذي لا يمكن الاستغناء عنه، والمعتمد في اعرق الديمقراطيات وأكبرها في العالم، خصوصا في ظل هيمنة “وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا”، فنحن نكاد لا نستطيع الاستغناء اليوم عن “الفايسبوك” و”تويتر” و”جوجل” و”يوتيوب” و”أنستغرام” و”واتساب” ومثيلاتها، ونقضي معها من الوقت أكثر مما نقضي مع عائلاتنا وأصدقائنا، بل صرنا عبيدًا لها مادمنا مدمنين عليها، وقد اصبح النفاذ الى عموم الناس من بواباتها ضرورة لا يستغني عنها زعيم سياسي أو حزب او رجل اعمال او شركة تتطلع الى تسويق بضاعتها.

وقد كان لي – وما يزال- نقد شديد لهذا النوع من الاتصال، مردّه اخلاقي بالدرجة الاولى، فقد كان المحتوى الاتصالي الأكثر تأثيرا غالبا، لا يلتزم بالمعايير الاخلاقية المعتمدة في الواقع الحقيقي، مستبيحا بطريقة غير مسبوقة اعراض الناس وحياتهم الخاصة، معتمدا في ذلك على عدم وجود قوانين رادعة بالدرجة الكافية، وَكمّاً كبيرا من المعلومات المتداولة تصعب مراقبتها، ومن هناك كانت هذه الوسائط وما تزال مجالا لارتكاب جرائم كبرى في حق الشعوب والجماعات والافراد، بل سببا في خراب العديد من الدول والبلدان.

هذا النقد اصبح اليوم حركة متصاعدة على المستوى العالمي، وأصبحت إدانة اصحاب هذه الوسائط في وتيرة متصاعدة، ففي الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوربي تتحرك المؤسسات الاتحادية في اتجاهين، الاتجاه التشريعي حيث الرغبة في جعل القوانين السارية في العالم الواقعي هي نفسها التي يجب ان تسري في العالم الافتراضي، والاتجاه القضائي حيث تضغط اجهزة التحقيق لفضح الممارسات غير الاخلاقية والجشع والأنانية وانتهاك الخصوصية وإلحاق الاذى بالذات الانسانية والتحيٌل والخداع والتلاعب بالمعلومات والرأي العام لدى وسائل التواصل الاجتماعي والشركات التي تقف وراءها او الناتجة عنها، ويتوقع أن يتصاعد الوعي العام الدولي بخطورة الاخبار المضللة (fake news) والاتصال المخادع (manipulated communication) حتى يصبح حركة كونية تعيد للتواصل مرجعيته الاخلاقية والانسانية.

في هذا السياق، وبما عزّز لدي هذه القناعة، شاهدت البارحة على قناة ARTE الفرنسية الألمانية فيلما وثائقيا جديدا عن “الشعبوية الجديدة والاتصال المخادع”، يتابع من خلال اربع حالات في اربع دول وأربع قارّات هي الولايات المتحدة في امريكا الشمالية، والبرازيل في امريكا اللاتينية، والهند في اسيا، وإيطاليا في اوربا، (وكان بالإمكان اضافة حالة خامسة في رايي هي تونس في افريقيا)، مسارات أربع زعماء من طائفة الشعبوية الجديدة هم الرئيس الامريكي السابق “دونالد ترامب”، والرئيس البرازيلي “بولسونارو”، ورئيس الوزراء الهندي”مودي”، ونائب رئيس الوزارء الايطالي السابق “سالفيني”.

الأول اي “ترامب” كان يغرّد على تويتر اكثر من مائة مرة في اليوم احيانا، والثاني “بولسونارو” شكل بفضل ابنائه النشيطين على الانترنت شبكة عريضة من المتابعين عبر الواتساب، والثالث “مودي” طرح “تطبيقة” جعلت حزبه بهارتيا جاناتا اكبر حزب في العالم ب180 مليون عضو، اما “سالفيني” فقد اصبح في ظرف قياسي السياسي صاحب اكبر حساب على الفايسبوك في اوربا.

أمّا الرابط المشترك بين هؤلاء القادة السياسيين الأربعة جميعا، فهو اعتمادهم على وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيق مجدهم السياسي وفوزهم الانتخابي، وتفوقهم على خصومهم ومنافسيهم بحسن تسخيرهم لهذه الوسائط العصرية، بشكل سريع ومفاجئ تقريبا، فجميعهم تقريبا سطع نجمه خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، وجميعهم سوّق لمحتوى اتصالي يقوم على الكراهية ومعاداة خصم ما بطريقة راديكالية. ترامب هاجم الأقليات واليسار، وبولسونارو استدعى العمّال والنقابات، ومودي حرّض على المسلمين، وسالفيني استبدل معاداة الجنوبيين بمعاداة المهاجرين، ولعل ما كشفه الفيلم استعانة هؤلاء بخبراء في التسويق السياسي والاتصالي، شجعوا قادتهم على اختلاق عدو ومهاجمته بطريقة راديكالية والمزايدة على الوطنية واشاعة الخوف لدى القلقين على معاشهم او استقرارهم او هويتهم.

لكن اخطر ما كشف عنه الوثائقي، يظل كما اعتقد اعتماده “الاخبار المضللة” و”المحتوى القذر” في تصفية الحسابات واقصاء الخصوم السياسيين، من خلال فبركة الإشاعات وانتهاك الأعراض والترويج في حقهم للبذاءات، فالغاية عند الشعبويين الجدد تبرر الوسيلة.

وللأسف فإن تونس لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة، وان الوقائع تؤكد هذه الانحرافات الاخلاقية المدمرة التي تستعين بادوات التواصل الاجتماعي لتحقيق غاياتها السياسية وغيرها، ولهذا كان لزاما الانخراط في هذه المعركة الاخلاقية التي يتلمس العالم طريقها وسينتصر فيها غالبا، اذ لا بد ان ينضبط العالم الافتراضي يوما ما لا نظنه إلا قريبا لذات القواعد الاخلاقية التي تقيّد السلوك في العالم الواقعي.

*كاتب ووزير سابق.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: