' rel='stylesheet' type='text/css'>

الشرق الأوسط بين طموح الصين ونفوذ أمريكا..!!

الشرق الأوسط بين طموح الصين ونفوذ أمريكا..!!

صوت العرب

2021 كان عام التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، لكن الصراع بين الولايات المتحدة والصين وضع دول المنطقة بين شقي الرحى و طرفاها أقوى دولتين في العالم.

كان عام 2021 قد بدأ بقمة العلا في السعودية، والتي دشَّنت المصالحة بين السعودية ومصر والإمارات والبحرين من جهة وبين قطر من جهة أخرى، وشهدت شهوره فصولاً من التقارب بين القوى الإقليمية في المنطقة أعادت ترتيب خريطة التحالفات فيها بشكل واضح.

وجاءت زيارة ولي عهد أبوظبي إلى تركيا لتمثل تحولاً جذرياً في الشرق الأوسط، نظراً لما مثله كل منهما على مدى نحو عقد من الصراعات في المنطقة. فالإمارات كانت طرفاً فاعلاً في أكثر صراعات الشرق الأوسط شراسة، سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن أو مصر وتونس والسودان والعراق، إلى الصراع شرق المتوسط.

ولعبت التغيرات الدولية دوراً كبيراً في التحولات في الشرق الأوسط، وبشكل خاص تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة وملفاتها، في ظل تركيز إدارة جو بايدن على الداخل الأمريكي المرتبك للغاية، في أعقاب رئاسة دونالد ترامب، وهو ما انعكس في خطاب بايدن بمناسبة مرور 100 يوم على رئاسته.

تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط

بينما شهد عام 2021 تغييراً عميقاً في كثير من مناطق العالم، بدا الشرق الأوسط كمنطقة تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين دولها من جهة وفي علاقات دول المنطقة مع العالم والقوى الكبرى من جهة أخرى. وظهرت ثمار الوساطات والدبلوماسية الهادئة أخيراً. فالعراق، الذي كان ساحة مفتوحة للصراع، تحول إلى وسيط إقليمي هام ونجح في استضافة اجتماعات بين السعودية وإيران، لم تكن متخيلة قبل فترة.

وعلى الجانب الآخر من تلك الصورة، بدأ العام المنصرم في واشنطن، صاحبة النفوذ الأقوى في الشرق الأوسط، وسط تغييرات جذرية أضرت كثيراً بصورة القوة العظمى عالمياً. فجائحة كورونا تعصف بالبلاد، والانقسام الداخلي على أشده، وانعكس في اقتحام أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب للكونغرس، بهدف إفساد التصديق على الانتخابات التي خسرها وإبقائه رئيساً بالقوة. وهذه العوامل، إضافة إلى اقتصاد منكمش بصورة لم تحدث منذ عقود، جعلت إدارة بايدن مشغولة داخلياً وشبه معزولة عن العالم.

صحيح أن بايدن كرر عبارة “أمريكا عادت لقيادة العالم” كثيراً، لكن حقيقة الأمر ومسار الأحداث أثبتا أن تلك العودة قد لا تحدث قريباً، هذا إن حدثت من الأساس. وعندما أنهت أمريكا أطول حروبها وانسحبت من أفغانستان، بعد 20 عاماً لم تحقق شيئاً خلالها، وجدت دول الشرق الأوسط أنه حان الوقت لإدارة صراعاتها بشكل مختلف لا يعتمد على دعم أمريكي، ببساطة لم يعد متاحاً، بحسب تحليل لشبكة CNN الأمريكية.

جذور الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط ترجع إلى الحقبة الاستعمارية الغربية، وتلقي بظلالها على علاقات دول المنطقة بشكل عام. وعلى الرغم من ذلك، ربما كان العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو أكثر سنوات العنف والاضطرابات في المنطقة منذ نهاية الاستعمار، وعانت منه- ولا تزال- أغلب دول الشرق الأوسط. فبخلاف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أرض فلسطين التاريخية، شهدت سوريا واليمن وليبيا والعراق حروباً أهلية طاحنة، وقائمة الصراعات تطول.

وتزامنت تلك الصراعات مع تحول السياسة الخارجية الأمريكية تدريجياً إلى التركيز على المنافسة مع الصين، ومن ثم تراجع الاهتمام الأمريكي تقريباً بملفات الشرق الأوسط، وبدا مؤخراً أن واشنطن، وتحديداً إدارة بايدن، لا تولي أهمية سوى للاتفاق النووي الإيراني وكأنه العصا السحرية لحل مشاكل المنطقة.

هل أمريكا تستعد لمغادرة الشرق الأوسط؟

يرى كثير من المحللين أن التحولات الكبرى التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، والتي وصفها تحليل سي إن إن بالمتسارعة والعشوائية أحياناً، جاءت مدفوعة بتوقع صار أشبه بالواقع الفعلي أن الولايات المتحدة تلمْلم أوراقها وتستعد للرحيل تماماً عن الشرق الأوسط.

والحقيقة أن هذا التوقع لم يتوقف عند مستوى التحليلات السياسية أو تكهنات الخبراء، فقد عبر لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي، خلال حوار المنامة الذي أقامه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، عن كيف أنه واجه “مستوى مرتفعاً من القلق لدى الحلفاء بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بهذه المنطقة”.

وأضاف أوستن، خلال المؤتمر الأمني السنوي في البحرين، أن أمريكا “ستظل ملتزمة بالتواجد في هذه المنطقة (الشرق الأوسط). لا يزال لدينا آلاف من الجنود في هذه المنطقة. لدينا قدرات ضخمة هنا”. وواصل أوستن محاولة إقناع الجميع بأن واشنطن لم تغير من مستوى التزامها بمنطقة الشرق الأوسط، فقال: “أنا شخصياً خضت حروباً كثيرة لعدة سنوات دفاعاً عن المصالح في هذه المنطقة، ودعوني أؤكد لكم أننا لن نتخلى عن تلك المصالح في قادم الأيام”.

لكن تطمينات وزير الدفاع الأمريكي لم تجد أذناً صاغية، إذ واصل المشاركون في المؤتمر في محاصرة المسؤولين الأمريكيين بشأن التراجع الواضح لاهتمام واشنطن بملفات منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كانت أمريكا صاحبة النفوذ الأقوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حتى إن أحد المشاركين وجه سؤالاً لأوستن عن سبب غياب الرد الأمريكي على تعرض قاعدة عسكرية أمريكية في سوريا لهجوم الشهر الماضي، بحسب CNN.

وحاول بريت ماكغورك منسق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي في إدارة جو بايدن، الإيحاء بأن واشنطن ردّت بالفعل على الهجوم لكن بطريقة “سرية”. “لا يتم الحديث عن مثل هذه المواضيع في وسائل الإعلام كما لن يظهر كل رد فعل أمريكي على شاشة CNN أو غيرها”، مضيفاً أن القول إن أمريكا لم تفعل شيئاً هو “قول غير دقيق”.

لكن الواضح أن اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط قد عقدوا العزم واتخذوا قرارهم بالفعل فيما يتعلق بالاعتماد على الولايات المتحدة بشأن قضايا الأمن والدفاع عن أنفسهم، بحسب تحليل الشبكة الأمريكية. وقارن محللون تحدثوا للشبكة الأمريكية بين الموقف الأمريكي من غزو صدام حسين الكويت عام 1991، وبين رد الفعل- أو غيابه بمعنى أدق- عندما تعرضت منشآت أرامكو النفطية السعودية لهجوم مدمر بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية منتصف سبتمبر/أيلول 2019.

وكانت سياسة “أمريكا أولاً” التي طبقها الرئيس السابق دونالد ترامب قد تسبَّبت في زعزعة الثقة لدى حلفاء واشنطن في مدى الالتزام الأمريكي تجاههم فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والعسكرية، ثم جاءت طريقة انسحاب إدارة بايدن من أفغانستان في أغسطس/آب الماضي لتضع المسمار الأخير في نعش تلك الثقة، بحسب كثير من المحللين.

الشرق الأوسط في وسط الصراع

في الوقت الذي وجد المسؤولون الأمريكيون أنفسهم محاصرين بالشكوك من جانب حلفاء واشنطن التقليديين في الشرق الأوسط، كانت الصين تجني ثمار استراتيجيتها الخاصة في المنطقة، وحول العالم في حقيقة الأمر. إذ اعتمدت الصين على مبادرة الحزام والطريق لمد جسور التعاون الاقتصادي مع دول الشرق الأوسط. وعلى المستوى السياسي، لا توجه بكين أي انتقادات لدول وحكومات المنطقة تتعلق بحقوق الإنسان أو الديمقراطية، عكس ما تفعله واشنطن. وهذا أمر طبيعي نظراً لأن الصين نفسها تواجه تلك الانتقادات من الغرب أيضاً، وخصوصاً ما يتعلق بأقلية الإيغور المسلمة وتايوان وهونغ كونغ.

وتتمتع الصين بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية وسياسية مع جميع دول الشرق الأوسط، بغض النظر عن الصراعات الإقليمية بين تلك الدول. فالصين وقعت اتفاقية استراتيجية شاملة مع إيران، وفي الوقت نفسه ارتفع مستوى التبادل التجاري بينها وبين السعودية إلى مستويات غير مسبوقة. والصين هي الشريك التجاري الأول للإمارات، كما أنها تتمتع باستثمارات ضخمة في مصر، وعمَّقت بكين من وجودها الاقتصادي في أغلب دول المنطقة.

وفي ظل هذه الصورة، وجدت الولايات المتحدة أنها على وشك أن تفقد حلفاءها التقليديين في الشرق الأوسط لصالح خصمها الأكبر وهو الصين. ومن هنا بدأت واشنطن تمارس ضغوطاً كبيرة على بعض دول المنطقة، خلال 2021، لإجبارها على تقليل التعامل مع بكين، وربما كان ما تعرضت له الإمارات مؤخراً الدليل الأبرز على ما يحدث.

كانت الإمارات قد أبلغت الولايات المتحدة خلال ديسمبر/كانون الثاني 2021 أنها “ستعلق المناقشات بشأن صفقة طائرات إف 35“، وهي الصفقة التي سعت إليها أبوظبي طويلاً، وكانت أحد أهم عناصر صفقة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل. وكشفت كواليس القرار الإماراتي بتعليق الصفقة عما تتعرض له أبوظبي من ضغوط أمريكية لإبعاد شركة هواوي الصينية عن الإمارة الخليجية.

أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للقيادة الإماراتية، قال أمام معهد الدول العربية الخليجية في واشنطن: “ما يقلقنا هو هذا الخط الرفيع من المنافسة الحادة بين الصين وأمريكا وتلك الحرب الباردة الجديدة. لأنني أعتقد أننا كدولة صغيرة، سوف نتأثر سلباً جراء تلك الحرب الباردة، لكننا لا نمتلك القدرة للتأثير بأي طريقة إيجابية في هذه المنافسة”.

هذه السياسة الأمريكية قد تدفع دول المنطقة إلى الاختيار بين واشنطن أو بكين، وقال محللون للشبكة الأمريكية إن الأمور تقترب بالفعل من هذه النقطة، وهو ما يمثل مأزقاً حقيقياً لدول المنطقة حالياً، فالصين تمثل “جزرة” من الصعب الاستغناء عنها، إذ تقدم استثمارات ضخمة وأسلحة متقدمة بأسعار وتسهيلات منافسة، وفي الوقت نفسه لا ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لكن في الوقت نفسه، تظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر على الإطلاق وتوفر حماية مباشرة لبعض الحلفاء، وتواجدها العسكري في المنطقة لا يزال الأكبر على الإطلاق، بين التواجد العسكري للقوى الكبرى، ومن ثم يتضح مدى عمق المأزق الذي تواجهه دول المنطقة.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: