' rel='stylesheet' type='text/css'>

الديمقراطية والسعي نحو السراب

علي ماجد شبو : صوت العرب

 حين تحدث هزة أرضية أو ينفجر بركان تحت البحار، فإن ذلك سيفضي الى تسونامي يمتد من الشواطيء الغربية، التي تمّ فيها الإنفجار، الى الشواطيء الشرقية عابراً مئات، أو ربما آلاف الأميال من الأمواج المتلاطمة، محدثاً كوارث ومآسي هائلة، فضلا عن أنه يُنتج تغييرات هيكلية أساسية في الأماكن التي يعبرها او يستقر فيها. وفي منطقتنا العربية بدأ التسونامي السياسي باحتلال الكويت في أغسطس/آب 1990 وما أعقبه من حشود عسكرية من مختلف دول العالم وبضمنها العديد من الدول العربية. وقد جرف هذا التسونامي الجيش المحتل وحرر الكويت. ثم جرف من بين ماجرف أتفاقيات الأمن القومي (العربي) المشترك، واتفاقيات التكامل الاقتصادي العربي وأنهى مؤسسة قمة الملوك والرؤساء العرب والتي كانت تحتضر قبل ذلك. ثم أُعلن، في الخفاء، إنتهاء صلاحية الجامعة العربية وانهاء جميع أدوارها في المنطقة العربية وإستبدال ذلك بتحالفات إقليمية، أو شبه إقليمية أوثنائية “لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي”. أي إنهاء دور جميع الإيديولوجيات المنبثقة عن “القومية العربية” ووحدتها الجغرافية. هذا التسونامي لم يتجاوز القضية الفلسطينية بل إستوطنها منذ ذلك الحين. وقد حملت أمواج هذا التسونامي رياح شديدة مدمرة للهياكل القائمة. هذه الرياح هي: “الديموقراطية”.

لماذا الديمقراطية؟ هل هي قدر مفروض على البلدان، وخاصة البلدان العربية، ام هي الشرعية التي تتخفى خلفها الأنظمة الفردية، والتعسفية، والإستبدادية؟

لنبدأ من حيث كانت البداية، في عام 507 قبل الميلاد قام زعيم أثينا، الإغريقية، “كليزثينيس” (Cleisthenes) بإصلاح النظام السياسي آنذاك، وأتى بنظام أسماه ديموقراطية DemoKratia. وفي اللغة اليونانية “ديمو Demo” تعني الشعب و”قراطية Kratos” تعني السلطة، أي “سلطة أو حكم الشعب”. وكانت هذه بداية الرحلة السياسية في تنظيم سلطة الحكم، فالديموقراطية التي بدأت في أثينا بمبادئها الأولية وبهيكلية السلطة مرّت بتنويعات عديدة على مدى خمسة وعشرين قرناً المنصرمة. ولكن، ليس من أهداف هذه المقالة التوسع في السرد التاريخي للديموقراطية، ولا التعرض الى مجمل الأفكار الفلسفية التي أثّرت بشكل مباشر في إثراء أو إنحراف فكر وفلسفة “المفهوم الديموقراطي”، بل سأكتفي بعرض المفهوم المتوافق علية للديموقراطية ضمن أدبيات السياسة والتنمية الاقتصادية والإجتماعية، وما يتعرض له، هذا المفهوم، من تحولات أو إنحرافات في مسارات التطبيق. أي أن هذه المقالة ستسعى الى ان تكون عبارة عن رحلة داخل الآليات التطبيقية وما ينتج عنها من إنحرافات في الديموقراطية، فكراً وسلوكاً.

،

ولفهم الديموقراطية، يمكن ان نبدأ. بمعنيين: الأول، نموذجي يتعلق فقط بالمفهوم، كفكر فلسفي مجرد، لكيفية تفسير ومعالجة المشكلات الاجتماعية من خلال نظام حكم يضمن الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية والمساواة والحفاظ على قيم الفضيلة الاجتماعية فيما بين الأفراد  والمجموعات المتباينة في المجتمع. وهو مفهوم يملك جدارته بذاته. أي انه يشكّل “الهدف” في العمل السياسي.  ‏اما المعنى الثاني، فهو ترجمة ذلك الفكر بوسائل عملية  وتطبيقية للوصول لذلك الهدف.  ففي المعنى الأول يبرز المفهوم كضرورة لتحقيق مجموعة واسعة من الحريات وترسيخ الحقوق المدنية للجميع، أي بمعنى آخر، أن “الجميع” يمتلكون السلطة ولا أحد يخضع لسلطة أحد. غير ان المعنى الثاني يحمل مجموعة من المعايير التنظيمية التي تترجم مفهوم ‏”سلطة الشعب إلى الشعب” عن طريق إنشاء المؤسسات القادرة على إنجاز نظام إنساني متوازن، من خلال هيكلية السلطة، ووضع القوانين والنظم الكفيلة بتحقيق المساواة بين افراد المجتمع وضمان الحقوق المدنية والتوسع في آفاق الحريات، الفردية والجمعية، وخاصة حرية الرأي وحرية الصحافة وكذلك، تقنين عملية انتخاب ممثلي الشعب وإقرار قواعد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات. إن الديموقراطية بهذا المفهوم تمثل إرادة قوية نحو تحقيق العدالة والمساواة عبر تحقيق معدلات مستقرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وضمان حياة آمنة وكريمة، وتوفير سُبل الرفاهية للجميع. الديموقراطية بهذه المعاني كلّها، وسيلة حضارية، تكاد أن تكون مثالية، للتعايش المشترك. ولكن، بالنظر الى الواقع المعاش ولما نمرّ به من تغيّرات هيكلية في حياة المجتمعات، فإن هذا المفهوم برمته، يصبح إذن، شيئا من اليوتوبيا، ‏أو شيئا من السراب.

وقبل الغوص بالآليات التي ساعدت على إنحراف الفكر أو النموذج الديموقراطي، سيكون من المفيد التعريج قليلاً على مذكرات دانيال ميتران والمحادثة التي وثقتها فيما بينها وبين زوجها فرانسوا ميتران عقب فوزه برئاسة فرنسا بفترة زمنية وسؤالها التالي له:

” بعد أن أمتلكتَ السلطة الآن، لماذا لا تفعل ما وعدت به؟ قال لي إنه لا يملك القدرة على مواجهة البنك الدولي والرأسمالية والليبرالية الجديدة. وأنه فاز بالحكومة ولكن ليس بالسلطة. تعلّمت من هذا (الدرس) أنه حين تكون انت الحكومة، او تكون رئيسا للدولة، فلا فائدة من هذين المنصبين في هذه المجتمعات الخاضعة للرأسمالية. عشت هذه التجربة مباشرة لمدة أربعة عشر عاما.  في فرنسا، نحن ننتخب، والمسؤولون المُنتخبون يٓصنعون قوانين لم يقترحوها هم أبداً ولم نكن نحن (الشعب الفرنسي) نريدها أبداً. هل فرنسا ديمقراطية؟ وهل هي قوة عالمية؟”. [i]   (من كتاب مذكراتي لدانيال ميتران). هذه التساؤلات هي التي ستقودنا في هذه المقالة الى البحث في أسباب الخلل في التطبيق الديموقراطي. فاذا كان ممثلي الشعب في البرلمان يقرّون قوانين لم يقترحونها ولم تكن من مطالب الشعب، فهذه القوانين بالضرورة ستخدم جهات أخرى غير الصالح العام. وإذا كان ميتران – وهو رئيس واحدة من أهم البلدان في العالم عسكرياً، وإقتصادياً، وصناعياً وتكنولوجيا، إضافة الى كونه واحداً من نادي “الخمسة الكبار” الذين يمتلكون “الفيتو” في مجلس الأمن –  يشكو من إختطاف السلطة في بلده، فكيف يكون الحال حين يتعلق الامر في بلداننا العربية؟

حين تصبح الديموقراطية وسيلة للتعايش المشترك سيكون من المنطقي التفكير بان المبادئ المتضمنة في الديموقراطية قادرة على ان تكون وسيلة لتوحيد المجتمع على تنوعه، وبغض النظرعن تعدد وتضارب مصالحه، وعن فضائله الأخلاقية. فالديموقراطية، وإن كانت تجمع أفكاراً وإيديولوجيات متباينة، بل ومتناقضة أحياناً، إلاّ أنها، أي الديموقراطية،  ليست فقط توسيع حق التصويت لكافة فئات الشعب، كما يقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي، (1859-1952)، الذي يضيف، “ولكن أيضاً بتزويد المواطنين بالقدرة على إتخاذ خيارات وقرارات مستنيرة وذكية تؤدي الى الصالح العام ” [ii]، أي تسليح المواطنين بالمعرفة لتمكينهم من الاختيار العارف والواعي. إن المشاركة في الديمقراطية كما تصورها ديوي “تتطلب عادات ذهنية نقدية وفضولية، وميلاً نحو التعاون مع الآخرين، وشعوراً بالروح العامة والرغبة في تحقيق الصالح العام. ولأن هذه العادات والميول يجب أن تُرسَخ منذ الصِغَر، ركز ديوي تركيزاً كبيراً على التعليم؛ وهو في الواقع، قد أطلق على المدارس العامة اسم (كنيسة الديمقراطية) [iii]”

تأُسست المدارس ووضعت مناهج التربية والتعليم لكي تنشيء جيلاً منظبطاً وأخلاقياً. فمعنى الإنضباط يخص الالتزام بالقوانين وإحترامها، أي ان يتعلّم الفرد اين حدود حريته داخل المجتمع، وأبعاد مسالك وآفاق الطموحات الفردية المشروعة، وإحترام فضاء المجتمع، وفضاء الأفراد فيه. أما أخلاقياً، فهو نهج في السلوك الاجتماعي والمهني. ففي السلوك الاجتماعي هناك محددات لإحترام الفضاءات بين الأفراد كتلك التي  تضع أسس اللباقة وبروتوكولات التصرف والمحادثة، وهي التي تقنن مسارات الاحترام واللياقة في الشارع ووسائط النقل العامة، والأماكن العامة بين الغرباء، وتحدّد فضاء حريّاتهم. اما على الصعيد المهني فعلى الفرد ان يلتزم بالمحددات الأخلاقية الثابتة في المحافظة على المال العام وعدم التجاوز عليه، وأن ينسج تشابكا رصيناً بين القيمة الأخلاقية المدعو الى تبنّيها والى قيم المواطنة. فالمواطنة تبدأ كقيمة أخلاقية تحتضن “كرامة” المجتمع، كما الأفراد، وهي بهذا، تشكّل الهويات الفردية والجمعية لهم. وفي حال تعرّض الإحساس او الشعور المجتمعي “بالكرامة” الى أي حالة من التآكل والتلف، سواء كان ذلك على الصعيد الفردي ام الجمعي، فان المجتمع بأكمله سيتشوّه لانه سيفقد قيمة شديدة الانضباطية، وأعني بذلك “المواطنة”.  وقد تنبّه  مونتسكيو، 1689-1755 الى الأهمية الكبيرة للقيم الأخلاقية في رؤيته للديموقراطية، وذلك في الزامها بما أسماه “الفضيلة السياسية” والتي تتضمن حزمة غير قابلة للتفكيك من القيم الثابتة بما في ذلك قيمة المواطنة. وبإفتقاد الفضيلة السياسية، ستفقد الديموقراطية أسباب وجودها وديمومتها وبالتالي شرعيتها وتنجرف نحو كل أنواع الاضطرابات.

إن آليات التطبيق الحديثة للديموقراطية بدأت حين انطلقت الثورة الفرنسية، 1789 .  وبعد إنهاء الحكم الملكي، ربطت مفاهيم العدالة والمساواة داخل “النظام الجمهوري”، بل وجعلت هذه القيم مرتبطة حصرياً “بمبادئ الجمهورية”. ولكن تفجّر “كمونة باريس” في عام 1871 كان بمثابة الكابوس الكبير بالنسبة للجمهوريين، فقد رؤوا في الكومونة، كما يذكر عالم الاجتماع جان كلود كوفمان، “تدميراً للدولة ونهاية للنظام القائم، وللتدرج الهرمي التنظيمي،” ويضيف كوفمان، بأن الجمهوريين كانوا يرون في تفجّر الكومونة ومطالبها “محاولة لإختراع مجتمع يمكن ان يحكم نفسه من القاع. ولذلك كان أول إجراء يُتخذ لدرء المخاطر تلك، هو الاقتراع العام”. “كتاب نهاية الديموقراطية ص 305″[iv] “. لعل الدرس القادم من كومونة باريس هو أن العمل على ترسيخ مبادئ الجمهورية يتطلب ابتكار نظام إنضباطي جديد يتمحور حول “أخلاقيات” يشترك فيها الجميع ويدفع المجتمع نحو تحقيق أهدافه في العدالة والمساواة والتقدم والرفاه، بشكل مستمر وثابت. أما الاقتراع العام، والذي ولد في فرنسا عقب ثورة  1848 ، فسيجلب بعض ممثلي الشعب من “القاع” ليكون لهم صوتهم بين مجموع أصوات المُنتخبين الآخرين. مع التنويه بأن قانون الانتخاب هذا قد أقصى المرأة من حق التصويت، ولم تُمنح المرأة، في فرنسا، هذا الحق الى نهاية نيسان/أبريل 1944 .

وهنا أود أن أشير الى نقطتين جوهريتين في موضوع الإقتراع العام: الأولى تتعلق بالمرشحين لمناصب البرلمان والثانية بالناخبين. وسأبدأ بالأخيرة. فإن كانت الديموقراطية تعني إتاحت الخيارات للناخب، فإن هذه الخيارات ستجزأ المجتمع حسب إمكانيات الأفراد او المجاميع على التمتع بهذه الخيارات. فالمجموعات الفقيرة، والمُقصاة، الى حد بعيد، من فعاليات المجتمع لا تستطيع التمتع الفعلي بالخيارات المطروحة. وهي خيارات تنقصها التعريف بآليات التّرشح وبالمرشحين نيابة عنهم، وبحقيقة البرامج المفترضة التي يسعى الى تحقيقها المرشح. فبدون المعرفة الكاملة والمطلوبة سيأتي الناخب بإختيارٍ مزاجي أو بالتوافق مع من حوله.  وربما يمكن إعتبار ذلك أن”أفضل حجة ضد الديموقراطية هي محادثة لمدة خمس دقائق مع الناخب العادي” كما أشار، ساخراً، ونستون تشرتشل. أما المُرشحون لمقاعد البرلمان فهم خاضعون الى محددات وشروط ترشّح الأفراد. هذه الشروط تقلص فرص العديد من أفراد الطبقات الدنيا، ولهذا فان الحسابات كانت أيضا واضحة في ان العدد القادم من “القاع” سوف لن يؤثر بشكل دراماتيكي على نتائج التصويت داخل البرلمان. وهنا تستوجب الملاحظة بأن الربط بين قيم الديموقراطية ومبادئ الجمهورية تتلاشى ضمن الاقتراع العام. والواقع يثبت أن الاقتراع العام غير مرتبط بشكل النظام سواء كان نظاماً جمهورياً أو ملكياً، بل بالعكس، فالاقتراع يُلغي الكثير من الفوارق بين النظام الجمهوري والنظام الملكي، طالما كانت بنية الحُكم وشرعيته تُصاغ بمجالس الشعب (البرلمان) التي تشّرع القوانين وتقّر الميزانيات وتقوم على مصادقة الاتفاقيات التي تعقدها الحكومة.

وهكذا فإن التجربة الإنسانية الكبيرة في تحقيق الديموقراطية بدأت بتنفيذ مبدأ ” السلطة من الشعب” عن طريق إنتخاب ممثلي الشعب بشكل مباشر وبقدر معقول من النزاهة، ولكي تتمكن الحكومات من إنجاز ذلك، كان لابد من إنشاء مؤسستين أساسيتين، الأولى معنية في وضع الأسس والسبل لجميع مراحل وعمليات الانتخابات، والثانية في وضع ضوابط عمل البرلمان و تحديد مسؤوليات “ممثلي الشعب” ومنح الصلاحيات اللازمة لهم للقيام بمهامهم في البرلمان. ولكنّ المشرّعين إنتبهوا الى حالات متكررة في سوء الإدارة وأخرى في تفشي الفساد والمحسوبية في بعض مواقع الحكومة، خاصة المواقع التي على تماس مباشر بخدمة المواطن. فقاموا بتبني مقترحات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي والمنظمات العالمية المعنية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وذلك بإنشاء مؤسسات أخرى، أو منظومة مؤسسات، جديدة لتضمن “سلطة الشعب” بلا محسوبية وبلا رشى، فأُستنبط مفهوم “الحاكمية الجيدة” Governance Good، وجعل لها مؤسسات رقابية عديدة، معظمها إستقرعبر الفضاء الالكتروني، من خلال ماسمي “بالحكومة الإلكترونية”، وذلك لضمان شفافية الأداء الحكومي، ولمحاربة الفساد الناجم عن سوء الإدارة.

وبهذا الصدد، تؤكد دراسة إستقصائية، إقليمية للمنطقة العربية، قامت بها الأمم المتحدة بأن  “من بين الأولويات الإقليمية التي برزت هي، التجارة الرقمية ، والاقتصاد الرقمي ، والحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة ، والتقييم الذي يركز على المستخدم لتطوير الحكومة الإلكترونية الإقليمية ، وتخفيف مخاطر الكوارث ، والرقمنة على نطاق واسع لوظائف القطاع العام الأساسية واعتمادها السياسات الرقمية الاستراتيجية وخطط التنفيذ على المستويين الوطني والإقليمي.[v]”  ،  فضلاً عن أن حقيقة ضعف أوقلة أجور الموظفين سمحت بتسلل الشركات المتوسطة والكبرى بهدايا وعطايا، تكرّس الفساد بين موظفي الدولة. هذا كله، وغيره من الأسباب، أعطى المبررات لإنشاء مؤسسة رقابية جديدة هي “مؤسسة النزاهة”، من مهامها، مراقبة جميع المؤسسات التي سبق وأن ذكرت، ومن الطبيعي ان تلتزم مؤسسة النزاهة بمعايير محددة، وواضحة، وشفافة، لمحاربة الفساد، مدعومة بسلطةٍ قضائية مستقلة.

والملاحظ أن مؤسسات النزاهة تعمل اليوم في معظم الدول التي تطبق الديموقراطية، حديثة كانت ام قديمة. ولكن هذه المؤسسات لم تُنهي أو توقف الفساد المتزايد، ولا أداء الحكومة المترهل، ولذلك أصبحت بعض مؤسسات الدولة الحيوية، مصدر إرهاق لميزانية الدولة، وخاصة تلك المؤسسات المعنية بالخدمات الأساسية، التي تُراكم الخسائر والديون الكبيرة مما جعل الحكومات تفقد الأمل، تقريباً، في إصلاحها.  وللتخفيف عن عبء ميزانية الدولة، جاء الحلّ السحري، بنصائح مشدّدة من صندوق النقد الدولي ومن البنك الدولي، ببيع هذه المؤسسات الوطنية، بكل مافيها من ممتلكات وبشر، الى القطاع الخاص. أي خصخصة Privatization” ” خدمات الدولة. لاشك عندي بأن الانحراف الأساسي في تطبيق ماهو جوهري في مبدأ “سلطة الشعب من الشعب واليه” بدأ من هنا. تلى ذلك خصخصة قطاعات لاتقل خطورة، بل وتمسّ سيادة البلدان، وسآتي على ذكرها بعد قليل.

من بين الفعّاليات الإنسانية الأكثر وضوحا في التطبيق السليم “للنموذج الديموقراطي” هي “إتاحة المعرفة” للجميع. وقد وفّرت الإنترنيت الوسائل الكفيلة للوصول الى المعلومة او الى مكامن المعرفة بسهولة ويسر.  فساهمت هذه النفاذية الى المعرفة، بتسليح الأفراد بآليات نقدية قائمة على التفكيك الدائم للأدلة. فالحقائق لن تكون ثابتة لانها جزئية، ونسبية، ومؤقتة. ‏وهكذا فقد خلقت تقنيات الإنترنت، او الفضاء الرقمي، مجتمع سهل الانسياب يعيش في عالم يبدو “كاملاً” يُوازي عالمه اليومي المعاش، أي عالم الواقع، حيث تتغير قواعد الاشياء. وهو بهذا المعنى ليس فقط بعالم افتراضي، بقدر ما هو عالم جديد لمجتمع جديد، مجتمع سهل، وسلس وقابل للانسياب الحر.هذا الانسياب يسمح بالتزود بمختلف المعلومات، وبالاتصال بمختلف الأفراد والجماعات والتنقل بين كل هؤلاء دون ان يكون للمرء أي علاقة واقعية أو مادية محسوسة، بأيٍّ من هذه المجاميع او الأفراد. إن الإستمرار في الدخول الى ذلك العالم يعزز ثقة الفرد “المجهول” بوجوده ككائن “مفيد ومميز”. مما يمنحه الثقة في الكتابة في أمور عدة، بل وأكثر من ذلك في بلورة وإعطاء رأي الى الآخرين، ولكن من وراء جدران ذلك الفضاء الرقمي.  هذا إذن عالم مثالي لم تكن الصحافة، مهما تمتعت بحرية، قادرة على تحقيقه. مع ان هذا الانسياب المعرفي، هو بشكل من الأشكال، ثمرة تحجيم الصحافة.

من المعلوم أن تحجيم الصحافة بدأ منذ عقود عديدة قبل التوسع بالفضاء الرقمي وتطبيقات الإنترنت المتنوعة، فإنحسار حرية الصحافة كان دائماً ما يبرز بشكل واضح في البلدان التي يقودها “القائد الأوحد المستبد”. فحرية الصحافة تتراجع بشكل سريع تحت ضوابط السلطة الاستبدادية. وفي هذا الصدد، تؤكد منظمة “مراسلون بلا حدود” عبر أمينها العام “كريستوف ديلوار” أن “حرية الصحافة لم تتعرض أبدًا للتهديد كما هو حاصل الآن. ان التحول في الديموقراطيات يجعلك تشعر بالدوار”. وهو يعني “بالتحول في الديموقراطيات” النكوص والتراجع في الوعد والنموذج الديموقراطي، فقد شدّد ديلوار بان “الوضع الحرج أو الخطير لحرية الصحافة يشمل 72 دولة من أصل 180 دولة شملهم الاستطلاع الذي قامت به المنظمة في عام 2017 “.(جريدة اللوموند). [vi]

  غير إن التضييق على حرية الصحافة أفرز قنوات جديدة لحرية الكلمة وحرية الرأي. فهذا التضييق أدّى الى التوسع في إستخدام وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنيت. غير ان هذه الوسائل خلقت مناخاً خصباً “للأخبارالملفقة”  Fake News والتي تشغل حيّزاً هائلاً ضمن اخبار ومداولات التواصل الاجتماعي. تنتشر”الأخبار الملفقة” أساساً في مجالات تخص الناس بشكل مباشر مثل السياسة الداخلية، والتعامل الاقتصادي، والتعامل بين أفراد السلطة، وعلاقة الحكومة بمحيطها الخارجي، والمشاكل الآنية التي يعانيها المجتمع. ويتم نشر فضائح كبيرة، لأفراد في السلطة أو مؤسسات لها علاقة بالحكومة، تكشف عن حجم الفساد الداخلي للدولة.  هذه الاخبار “الملفقة” ليست من اختراع ناس عاديين، بل هي من منتجات قوى متمرّسة وغامضة تقف خلف هذه الوسائط ومتمكنة منها، تراقب مايجري وتبث ما يمكن ان يزيد او ينقص من سخونة المواضيع. وبكلمة أخرى،  تصنيع أفكار “المؤامرة” ونشرها واستخدامها على نطاق واسع. والمجتمع العربي ميّال كثيراً الى تصديق هكذا أفكار. وانا لا أتحدث عن الشارع العربي، بل الطبقات المتعلمة وما فوق ذلك. “فنظرية المؤامرة” تُبث الى الشارع عن طريق تلك الطبقات المتعلمة لأنها تمتلك درجات معقولة من الصدقية عند الشارع. والنتيجة، يبدأ الإرباك المجتمعي وتنحسر ثقة المواطن بالدولة شيئاً فشيئاً، مما يؤثر ذلك بشكل مباشر على الاستقرار السياسي والمجتمعي، وبالتالي على كل عمليات التنمية المستدامة وخاصة في القطاعات التنموية الأكثر تماساً مع الناس مثل الإسكان والصحة والتعليم والنقل العام والخدمات الأساسية مثل توفير الكهرباء والماء ووقود الطاقة. ولكن لنتساءل ماالهدف من تصنيع نظرية المؤامرة؟ من الممكن ذكر العديد من الأهداف او المبررات لوجود “المؤامرة” وانتعاشها، وكلها تفضي الى تقويض سلطة الدولة، ولكني أعتقد بأن أهم سببين هما أولاً أن “نظرية المؤامرة” تعطي تفسيرات مريحة ومقبولة لقطاع كبير من المجتمع بخصوص قضية ما تشغله ولم يجد لها أجوبة شافية قبل هذه التفسيرات، و ثانياً، ُتبث معلومات، عبر قنوات واسعة ومتعددة، قابلة للتصديق من معظم الأطراف حول قضية تشغل الرأي العام. أي أن تجعل من تلك المعلومات تياراً إعلامياً إخبارياً وتحليلياً موازياً للإعلام الإخباري الرسمي ولكن مع المحافظة على مصادر السرية والغموض.

هل يمكن للانتخابات والاقتراع العام أن يحققا تطبيق “النموذج الديموقراطي؟” الجواب سيكون سريعاً بالنفي، خاصة بتنامي الحركات السياسية اليمينية المتطرفة والتيارات الاثنية والدينية المتعصبة وتنامي المشاعر الشعبوية في الدول الغربية، كما في الدول العربية. إن الإندماج المتزايد للتيارات الشعبوية اليمينية بالتيارات القومية أو الدينية أو المذهبية المتعصبة أفضى وبشكل متسارع الى تعطيل “النموذج الديموقراطي”. ويتّضح هذا المسار حتى بين الأحزاب السياسية التقليدية وذات التجربة الطويلة، ولاسيما في البلدان التي تملك جذوراً عميقة في الديموقراطية. فهذه الأحزاب أفرزت قادة سياسيون من صنف غير معهود. قادة يحملون أفكاراً وبرامج تتعارض وجوهر السلام المجتمعي، كما تتعارض ومبادئ التعاون الدولي بل وتتعارض ومصالح المجتمع الدولي برمته.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو إنتخاب دونالد ترامب الى سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة الامريكية والذي يحمل أجندة سياسية لاتتوافق حتى مع حلفائه من الدول الغربية.  فقد بدأ مهامه الرئاسية بالخروج عن الإجماع الدولي وقرارات الشرعية الدولية في مجلس الأمن الدولي فيما يختص بالقضية الفلسطينية، ثم تلى ذلك بنقد و بمهاجمة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة، والتلويح بتقليص مساهمة بلاده في ميزانية الأمم المتحدة، ثم سحب عضوية بلاده من اتفاقية باريس الخاصة بالمناخ (وهي إحدى إتفاقيات الأمم المتحدة للحد من تلوث المناخ)، فضلاً عن سحب عضوية بلاده من منظمة اليونيسكو، ومن الميثاق العالمي للهجرة، وكذلك الانسحاب من مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة. ألا يُشكل هذا الانسحاب الأخير مفارقة مميزة من دولة تعمل كبوليس العالم في الدفاع عن حقوق الانسان، أم إنها خطوة مدروسة للتملّص من المحاسبة عن الإنتهاكات العديدة التي أرتكبتها الولايات المتحدة الامريكية في مجالات حقوق الانسان في بلدان عديدة ولاسيما في حربيها ضد أفغانستان والعراق؟ إن ترامب ليس بظاهرة إستثنائية، أو حدث عابر في التاريخ، بل هو ظاهرة ستعيد إفرازها الديموقراطيات، القديمة والناشئة، كجزء من نظام عالمي جديد وتحت التكوين.

أين نحن اليوم من يُوتوبيا الديموقراطية أو ما تبقى من أحلام الديموقراطية؟ لنرى كيف تعمل الدول ضمن عواصف السياسة والاقتصاد وتغيّر المناخ والتضخم السكاني والهجرات البشرية، وتزايد معدلات الفقر، إضافة الى الأزمات الحادة التي خلقتها الحروب وما افرزته من نتائج مدمّرة، لعل أبرزها، هجرة العقول والموارد البشرية. ثم تزايد الحوادث الإرهابية في العالم مع التركيز على المنطقة العربية وتكاثر الحركات والتيارات الإرهابية المسلحة المدعومة من الغرب والشرق بأيديولوجيات قائمة على التعصب الديني أو التمترس الاثني العنصري.

لو تمعنا ببعض الأرقام الرسمية (الصادرة عن البنك الدولي  [vii]  )، لحالة الفقر في المنطقة العربية، المستخلصة من إحصائيات تمت بسنوات مختلفة بين 2010 و 2017 فسنجد إن النسب المئوية للسكان الذين هم تحت خط الفقر في بعض البلدان العربية كما يلي: “في الجزائر 5.5 حسب إحصائيات عام 2011، جيبوتي 21.1 حسب إحصائيات عام 2017، مصر 32.1 إحصائيات 2017، العراق 18.9 حسب إحصائيات عام 2012، الأردن 14.4 حسب إحصائيات عام 2010، لبنان 27.4 إحصائيات 2012، موريتانيا 31.0 إحصائيات 2014، المغرب 4.8 إحصائيات 2013، السودان 46.5 إحصائيات 2009، تونس 15.2 إحصائيات 2015، اليمن 48.6”.  لكن هذه الأرقام إرتفعت بشكل إستثنائي في هذا العام، خاصة بعد الإجراءات الاحترازية التي إتخذتها الحكومات للحد من وباء كورونا (كوفيد 19 ). ويمكن المجازفة  بتقدير الزيادة في هذه الأرقام بمعدل لايقل عن خمسين في المائة، وستكون هذه التقديرات في الغالب أقل من الزيادات الحقيقية. في حين سجلت ثروات بعض مالكي الشركات الكبرى العالمية أرقاماً فلكية خلال فترة الإغلاق والحجر الذي فرضته الحكومات لمجابهة وباء كورونا. فقد بلغت الثروات الشخصية لرؤساء الشركات الكبرى الثلاثة الى نهاية أغسطس/آب 2020 : جيف بيزوس (أمازون) 187 مليار دولار، بيل كيتس (ميكروسوفت) 124 مليار دولار، مارك زوكيربيرغ (فيسبوك) 102 مليار دولار[viii]. مع ملاحظة إن مجموع ثروات هؤلاء الأشخاص الثلاثة تعادل مجموع ثروات ثمانية وأربعين بلداً من البلدان الأكثر فقراً في العالم. (وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية) [ix]

إن تفاقم أعداد الفقراء والباحثين عن فرص العمل شجع بروز أجندات سياسية بمظهر الديموقراطية ولكن بأفعال وتعاملات “الاستبداد الشعبوي” وهو ما غيّر أسلوب التعامل السياسي بين البلدان. وسيكون من الضروري فهم هذه الأجندات لكي نتفهم مايجري في بلداننا العربية.  فعلى إمتداد الجغرافية العربية تُمتحن تطبيقات هذه الاجندات السياسية على الواقع العربي.  هذا الامتحان بحد ذاته ليس معرقلاً للنموذج الديموقراطي في البلاد العربية فحسب، بل مستأصلاً له تماماً.  (هذا إن كان هناك شيئاً من ممارسات هذا النموذج في بلادنا العربية).   ومن نتائج ذلك، أشير الى الخلل الناتج عن تطبيقات هذه الأجندات وتأثيره المدمّر على بنية  الوجود العربي وعلى تشويه جوهر الهوية العربية. فلو نظرنا، بحياد، الى خارطة العالم فسنجد أن المنطقة العربية هي الوحيدة التي تُزمن الحروب والعلاقات المتشنّجة مع غيرها من الدول بما في ذلك العلاقات العربية العربية فيما بينها، فضلاً عن تحويل المنطقة الى مستودع لمنتجات مصانع الأسلحة في العالم، ثم هدر الثروات العربية الهائلة، على تنوعها، وتفاقم المشاكل الاقتصادية التي تتنامى كل عام وتسحب وراءها طابور كبير جديد من المواطنين العرب (175 مليون إنسان في عام 2020) ليستقروا تحت خط الفقر. إضافة الى كل ذلك فالمنطقة العربية يُنظر لها في الغرب، كما في الشرق، على انها المُنتج الأساسي للإرهاب في العالم. وقد ساعد الاعلام العربي، بكل أشكاله، بتكريس هذه الصورة النمطية عالمياً. وعوضاً أن تنتهج دول هذه المنطقة إستراتيجيات تستعيد فيها كرامتها السياسية وكرامة شعوبها إلاّ أنها أخفقت، مرة تلو الأخرى، في التوصل الى سياسة مستقرة قادرة على أن تقف مع بقية بلدان العالم بندّية قائمة على إحترام السيادة وإحترام كرامة مجتمعاتها. ومن النتائج الخطيرة لذلك، أورد حدثين مَفْصليّين لهما تأثير مباشر على الوجود العربي:

–         الحدث الأول يتعلق بالتنازل التام عن حقوق وشرعية القضية الفلسطينية بإعتبارها القضية المركزية الأولى للوجود العربي. مع أن هذه القضية شكلت، منذ البدء، بالنسبة للأنظمة العربية، المحور الذي يلتّف حوله مفهومي السيادة والكرامة العربيتين. والمفارقة في هذا التنازل المدوّي عن القضية الفلسطينية، هوأن هذه القضية ذاتها هي التي منحت شرعية لهذه الأنظمة على إمتداد العقود السبعة المنصرمة. والتنازل هو التسليم بقبول إسرائيل كقوة أقليمية أولى، في المنطقة العربية، عسكرياً وتكنولوجيا وإقتصادياً.

–        والحدث الثاني والذي لايقل خطورة عن الأول، هوتنازع القوى العالمية والإقليمية الكبرى على ثروات البلدان العربية على أراضيها وفي مياهها دون حتى مجاملة التنسيق “الديبلوماسي” مع هذه الدول، بل وصل الامرالى حدّ التدخل العسكري لعدد من الدول الطامعة بهذه الثروات، في حين لم يبدر أي إحتجاج عربي فعّال على هذه الخطوات، بل أرتكن بعضها الى السكينة والصمت كما لو كانت هذه الثروات لاتعنيها.

إن مايجري هو بمثابة إعلان إحتفالي بائس عن نهاية النظام العربي الذي كان قائماً، وبداية لنظام عربي أو شرق أوسطي جديد تكون فيه إسرائيل المحرّك الأساسي في المنطقة.  ففي النظام الجديد، لن تكون المنطقة العربية فيه أكثر من محطة للعالم من أجل التزود بالطاقة، ومستودع هائل لأسلحة المصانع الكبرى، وسوق ضخم للاستهلاك وأرصفة هائلة، بحرية وجوية، لإعادة تصدير المنتجات فيما بين الغرب والشرق. وشوارع تعج بملايين الفقراء وبالباحثين عن عمل.

 يذكر الفيلسوف البريطاني برتراند رسل انه ” يمكن للمجتمعات أن تكون جاهلة ومغلقة، ولكن الأخطر أن ترى جهلها مقدساً”. علينا أن نتفحص لماذا تنجب “الديموقراطية” مجتمعات عربية متمترسة خلف التعصب الديني أو المذهبي أو الطائفي أو الاثني؟ إن الديمقراطية التي لا تستطيع أن تجمع حولها مجتمع منقسم على نفسه، هي الديمقراطية التي تهمل مبادئها الأساسية، وتنشغل في محاولات إيجاد حلول آنية يائسة للملمة الأجزاء المفتتة من المجتمع. إن الفوارق الشديدة في رفاهية الأفراد داخل المجتمع الواحد، والإتساع المتزايد للفجوة التي تفصل الفقراء عن بقية المجتمع يشكلان خللاً أساسياً  في مبدأ العدالة والمساواة الذي تستند اليه الديموقراطية.  ولمعرفة حجم الكارثة لننظر الى حجم الفقر المدقع، أي الذي يُسمى تحت خط الفقر، في المنطقة العربية وحجم الدخل القومي العربي ثم مقارنة ذلك بأعلى دخل قومي في العالم. يذكر تقرير البنك الدولي المعنون (تغيير إتجاه الثروة، الفقر والازدهار المشترك 2020 ) [x] أن مجموع الأشخاص الذين هم تحت خط الفقر في البلدان العربية هو 175 مليون إنسان. أي أقل قليلاً من نصف سكان المنطقة العربية. في حين بلغ مجموع الدخل القومي لكل البلدان العربية في عام 2019، بما في ذلك أرباح الاستثمارات الأجنبية، هو 3.701  ترليون دولار، ولو خصصت نسبة واحد في المائة فقط من مجموع هذا المبلغ لبرامج موجهة للحدّ من الفقر، لكانت كفيلة بإنهاء معاناة جميع الفقراء في البلدان العربية وتوفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، وبناء مايلزم لهم جميعاً من مدارس ومستشفيات.   علماً بأن أعلى مجموع للدخل في العالم، هو مجموع الدخل القومي للولايات المتحدة الامريكية لنفس العام والبالغ 22.2 ترليون دولار، وهذا المبلغ يشكل ربع إجمالي الدخل القومي للعالم.

يتّضح مما ذُكر أعلاه أن من أشدّ أعراض الخلل في تطبيق النموذج الديموقراطي في المنطقة العربية هو تناسخ التيارات الشعبوية، وضعف تماسك المجتمع، إضافة الى تزايد مساحة الفقر فيه، وغياب العدالة والمساواة في النهج الحكومي، كل هذه العوامل وغيرها تنتج تيارات سياسية ودينية متعصبة وعنيفة. تياراتٌ تنتعش بتوليد العنف والإرهاب ولا علاقة لها ببرامج التنمية. مما يجعل حدود الحريات وهمية ومطاطة. تنكمش أكثر مما تتوسع عقب كل حادث إرهابي مأساوي. والأكثر من ذلك، فعقب كل حادث إرهابي توضع مبادئ معيارية جديدة، قانونية وتأديبية، لإنتاج وتبرير هذه الحدود المنكمشة للحرية. في ظل هذه الظروف، تطفوا الى السطح، المؤسسات والشركات متعددة الأطراف Multilateral” ”   كذراع لمساعدة الحكومة في تنفيذ برامجها التنموية الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا تتمكن تدريجياً من تعزيز نفوذها بعيدا عن الضجيج.  وبموازاة ذلك ومن خلال توقيع إتفاقيات “ملزمة” بمجالات المناخ والتنمية وحقوق الانسان تتمكن المنظمات العاملة في ما بين الحكومات Intergovernmental” ” من تثبيت حضورها بمضاعفة أعدادها.  ثم تتسع قنوات التعاون بين مختلف الحكومات والمؤسسات التمويلية والمانحة، من أجل تمويل برامج محددة، عبر المنظمات غير الحكوميةNGOs” ”  التي بدأت، هي الأخرى تتضاعف، خاصة في العقود الأربعة الاخيرة: هذا التوجه الجديد خلق دورا متنامياً للمجتمع المدني في إطار كل دولة.  وبغض النظر عن التوجه القطاعي الذي تعمل أو تهتّم به منظمات المجتمع المدني، فإن القاعدة الأساسية لكل أعماله هي “الدفاع عن حقوق الإنسان”. ‏ومع ذلك، ففي العقدين الأخيرين من الألفية الحالية، تزايدت النزعات الإثنية والطائفية في عدد من المجتمعات العربية، ‏مما عزّز الإهتمام بتأكيدات “الهوية” أو الهويات المنغلقة على نفسها. أي أن تفتيت المجتمعات المتجانسة وطنياً الى هويات دينية ومذهبية وقومية أو أثنية متناحرة خلق هويات من نوع آخر، هويات مشوهة لا تمثل إلاّ الانحراف، هويات تشترك فيما بينها بالانقسام المجتمعي ومعاداة الوطنية. ولعل حالة العراق هي المثال الأبرز في هذا المجال.

إن الانقسام المجتمعي، وإنشطار الهويات، وتزايد التمترس خلف أيديولوجيات أثنية أو دينية او طائفية أدّى الى إزدياد الحوادث الإرهابية، وتزايد أعداد الضحايا المدنيين في المجتمعات الأكثر سكوناً، دفع ذلك بالحكومات الى نشر أعداد كبيرة من كاميرات المراقبة. مما يتناقض مع حق الأفراد والمجتمع بالخصوصية، كما يحدّ من فضاء حريات المجتمع. ممارساتٌ تتناقض تماماً مع أسس ومبادئ الديموقراطية. حيث أن شوارع المدن الغربية “الديموقراطية” تعج بأحدث تقنيات هذه الكاميرات، والأمر يتعدى ذلك، فالمخازن والمحلات الكبرى إستخدمت أفراداً من شركات أمنية (خاصة) لتفتيش حقائب زبائنها، والبعض منهم يجبر الزبائن على المرور من خلال بوابات ألكترونية للتأكد من خلو الأسلحة والمتفجرات. هذه إجراءات تبدو إحترازية، ولكنها تأديبية في صميمها. ثم إنتقلت هذه الممارسات، بهدوء، الى المدن العربية الساكنة. ولكن التقييدات المذكورة، التي عمّت البلدان التي تمتلك رصيداً وعراقة في السلوك والتطبيق الديموقراطي، تحثّ على إدراك حقيقة دراماتيكية تتمثل في إن القيود المفروضة على المجتمع هي في الحقيقة عبارة عن حدود جديدة من الأسلاك الشائكة في النهج الديموقراطي ومفرزاته من حريات عامة وقيم العدالة والمساواة. أي أنها خطوة أخرى واضحة نحو تراجع الديموقراطية في هذه المحتمعات.  ففي البلدان الغربية لا يقتصر صعود الإستبداد بتزايد الأنظمة الشعبوية، بل يتجلّى ذلك أيضاً في التدخل “التأديبي” المتزايد في أكثر هذه الديموقراطيات ليبرالية. ثم تنتقل هذه التطبيقات ذاتها الى البلدان العربية مع توجهات ديكتاتورية أكثر وضوحاً وصرامة.

إن هذا التراجع الواضح في الحريات والحقوق العامة، (أي التراجع المستدام في الأداء الديموقراطي) وتزايد الحملات “التأديبية القانونية”،  خاصة في فترة إنتشار وباء كورونا (كوفيد 19 )، إلى جانب ظهور الأشكال الاستبدادية المتنوعة للسلطة ، أدّى بعالم الاجتماع جان كلود كوفمان الى إعلان إستنتاجه الخطير: “لقد دخلنا بشكل لا يمكن إصلاحه في مرحلة تراجع الديمقراطية ، مما ينذر بآلام بطيئة لحضارتنا.”  [xi]هذا التراجع الخطير للديموقراطية في البلدان التي وضعت الأسس الكفيلة لديمومتها ولنزاهتها، يمتد بشكل تلقائي الى المنطقة العربية التي لاتمتلك عراقة أو أعراف في الممارسة الديموقراطية. ومما زاد من حدّة الخلل في المنطقة العربية هو البدء بإختطاف الدولة بشكل تدريجي وتحت ستار الخصخصة والتعاون الدولي عبر المؤسسات المالية العالمية المهيمنة.

ضمن برامج الخصخصة، قامت الحكومات بالتنازل عن مؤسسات الخدمات الأساسية كالماء، و الكهرباء، والنقل العام بما في ذلك شركة الطيران الوطنية، وخدمات البريد، ثم خصخصة التعليم في جميع مراحله بما في ذلك الجامعات وإبقاء على نسب قليلة تحت عباءة الدولة، والحال ذاته فيما يخص الرعاية الصحية. والأمر تعدى ذلك خارج حدود “المُعلن” بثلاثة أمور أساسية تمسّ سيادة وهيبة الدولة:

–       الامر الأول يتعلق بخصخصة بعض مسؤوليات الشرطة وذلك  بإستخدام شركات  أمنية خاصة لحماية مواقع الاقتصاد والتجارة في البلد، ولحماية منشآت أخرى لا تقع، تقليدياً، تحت الحماية المباشرة للمؤسسات الأمنية الرسمية.

–       والأمر الثاني يتعلق بخصخصة بعض قطاعات الجيش، وخاصة في أوقات الحروب، كما حدث لحروب أمريكا في الشرق الأوسط. ولتمييز الأفراد المنضوين تحت قطاعات الجيش عن طريق الخصخصة فقد أُطلق عليهم لقب “المقاولون”. والمثاليين البارزين لهذا النوع من الخصخصة العسكرية هما أفغانستان والعراق، ولكنها أُستخدمت أيضاً في سوريا واليمن وليبيا تحت مسميات مختلفة.

–       والأمر الثالث يتعلق بإجراءات إتخاذ “القرار السياسي”.  فلم يٓعُد اتخاذ القرار السياسي مُقتصراً على الحكومة ومستشاريها المتعددين، بل إمتدّ الى مؤسسات بحثية وفكرية كبرى المسماة (Think Tanks )  ، فهي التي تضع السيناريوهات المتعددة لأي قرار سياسي يمكن ان تتخذه الحكومة، وتقوم بتهيأة الارضيّة لعدد من الاستراتيجيات في مجالات السياسة الداخلية والخارجية للدولة، وكذلك رسم الاستراتيجيات الاقتصادية، والمالية والاجتماعية وتقديم “النصح والمشورة” في القرار الممكن إتخاذه، خاصة فيما يتعلق بطلب القروض والتعامل مع صندوق النقد الدولي وبالاتفاقيات الاقتصادية الموسعة والتي لها تأثير على إستقلالية سياسات البلد الصناعية والتجارية.

إن خصخصة قطاعات حيوية وبهذه الأهمية سيؤدي تلقائياً الى تآكل سيادة الدولة وتهالك قواها. وكلما ضعفت قدرات الدولة، إزدادت قوة المؤسسات المالية العالمية المؤثرة والشركات متعددة الجنسيات تدريجياً، وذلك عن طريق التسلل والسيطرة – عن طريق الامتلاك الحر الكامل أو لامتلاك حصص تؤهلها الى أن تجلس في مقعد القرار –  على بعض أو جميع الخدمات الحيوية التي تشكل “سمات سلطة وسيادة الدولة” مثل خدمات تبادل “البيانات المفتوحة” وبيانات الاستخبارات، وملفات الأفراد. وحتى المؤسسات القضائية لن تفلت من ذلك (وخاصة تلك المعنية بالتجارة الحرّة كالتي أنشأتها منظمة التجارة العالمية)، ثم السيطرة على تقنيات وخدمات الأقمار الصناعية بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ والرحلات الفضائية، وشبكات الاتصالات المتنوعة. بعد كل ذلك ستجد هذه الشركات نفسها بحاجة الى حماية موثوقة، لان هذه الشركات ستنظر الى القوى الأمنية والعسكرية الوطنية على أنها قوى ضعيفة أو غير مهيأة لحمايتها، ولذلك ستعمل على إمتلاك قدرات عسكرية وأمنية لحماية “مصالحها الحيوية”. ولتحقيق ذلك فستسعى، الشركات، لتحويل القوى العسكرية والأمنية التقليدية الى حصص وأسهم تجارية يكون لها الحصة الحقيقية الفعالة من القوة الوطنية العسكرية والشرطية، إضافة الى الاشتراك في إدارة هذه القوى أو تعيين رئيس مجلس إدارة، من إحدى الشركات العملاقة، لإدارة هذه القوة العسكرية او الشرطية والأمنية.

 حين تصل المؤسسات المالية الكبرى والشركات متعددة الجنسية الى هذا الحد من التدخل في “بواطن الدولة”، ذلك لأنها لا تشعر بالأمان الكافي الذي تسعى له. ولأنها تعرف بأن الجيش الوطني والشرطة الوطنية غير معدّين للدفاع عنها. وهنا ربما، سيكون من المنطقي، أن تبدأ، هذه الشركات، بالبحث بإنشاء قوات مسلحة خاصة بها، وللدفاع عن مصالح هذه الشركات في العالم. هذا، في الحقيقة، جانب أخر من إنهاء “النموذج الديموقراطي”، وإن جاء، هو ذاته، على ظهرذلك النموذج. ليس هناك أدنى شك بأن ذلك سيزيد من حالة إنهيار أو تآكل أعمدة الدولة الأساسية. والهدف من كل ذلك هو تحجيم الحكومات جميعها، والقيام بتشكيل “حكومة واحدة في العالم” تستثمر كل موارد العالم وتتحول حكومات الدول فيها الى ما يُشبة الإدارات البلدية الصغيرة المتواجدة حالياً في المدن.  ويؤكد ذلك ما يقوله عرّاب هذا النموذج الفكري ديفيد روكفلر، متحدثا في اجتماع بيلدربيرغ في يونيو 1991 في بادن ، ألمانيا  .”نحن ممتنون لواشنطن بوست ونيويورك تايمز ومجلة تايم وغيرها من المطبوعات العظيمة التي حضر مديروها اجتماعاتنا واحترموا وعودهم في السرية ما يقرب من أربعين عامًا. كان من المستحيل بالنسبة لنا تطوير خطتنا من أجل العالم لو كنا قد تعرضنا لأضواء الدعاية خلال تلك السنوات ، لكن العالم (الآن) أكثر تطوراً واستعداداً للسير نحو حكومة عالمية”. [xii]

أعتقد بأنه اصبح من السهولة أن نتفهم بإن القوى القليلة المتحكمة بالاقتصاد والمال في العالم تشترك بذات المناهج، وبذات الأفكار، وبذات الطموحات والمصالح، ولذلك فهم يشتركون أيضاً بذات الاستراتيجيات التي تتلخص بإضعاف قوى الدولة والسلطة السياسية عبر الدخول باتفاقيات إقتصادية ومالية، من خلال المؤسسات الاقتصادية والمالية الكبرى التي تتحكم بالعالم، وهي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إضافة الى منظمة التجارة الدولية وعدد محدود للغاية من المنظمات الإقليمية التي تتشارك في الرؤى والمصالح. إن إستراتيجيات إضعاف الدولة تبدأ بالاتفاقيات الاقتصادية الكبرى وتكبيل الدول بديون ثقيلة عن طريق تشجيع قروض لمشاريع لا تمتلك أولوبة تنموية، وإعطاء منح لمنظمات غير حكومية وشركات وطنية تشجع على بناء قاعدة قوية للفساد بحيث تنتهي بنقل نفوذ وسلطات الدولة، الى تلك المنظمات والى مراكز قوة أخرى، خارج سيادة الدولة، ويجري كل ذلك طبعاً بعيداً عن الواجهة الإعلامية.  وحين يتم التوقيع على ذلك النمط من الاتفاقيات تجد الدولة بأنها مجبرة على تعديل او تغيير قوانين حماية الاقتصاد الوطني لتتوائم مع متطلبات الخصخصة. وهذا يعني وضع قوانين لاتحتاجها الحكومة ولا الشعب كما أشارت الى ذلك السيدة ميتران في كتاب مذكراتها الوارد ذكره في بدء هذه المقالة.  أي بإختصار، إختطاف الدولة وإنهاء كافة التشريعات التي لاتتوافق مع ذلك. ولكي لايظهر الحاكم كمستبد فإنه يقرر بتمرير هذه القوانين الى البرلمان، ممثلي الشعب، حتى تتحول مسؤوليتة الى مسؤولية مشتركة، أمام أنظار الشعب. وبهذا يتم الحفاظ على “ماء وجه الديموقراطية”. على أنه من المهم ملاحظة إنه لم يعد هناك إمكانية للتفريق بين برامج “يسارية” وأخرى “يمينية” فالاثنين ضحية هذا الوضع الحالي. ولعل هذا كله يستطيع ان يفسّر شكوى الرئيس ميتران حول إختطاف السلطة والتي أستشهدت بها في مستهل هذه المقالة.

وفي المحصلة النهائية، إن بدأت أنوار الديموقراطية بالخفوت أو الإطفاء، فلن يكون ذلك نهاية الحلم الإنساني قي الحرية والمساواة والعدالة. حيث أن أنوار العقل الإنساني المتوهج على مدى الزمان، في الشرق كما في الغرب، في الشمال كما في الجنوب، ستُنير طريق الإنسانية نحو عالم تسوده العدالة والمساواة، عالم يرفل بالازدهار والرفاه. ذلك لأننا محكومون، وبشكل يومي، بأن نمنح حياتنا بالمعاني القادرة على فهم الاحتمالات اللامتناهية والمنبثقة من الأسئلة المزمنة. تلك الأسئلة التي لا تتوقف عند إجابات تستدرج السهولة واليقينية والروتينية الحياتية، بل تبتعد في البحث عن منافذ الأمل في حلم الإنسانية الخالد بحياة كريمة تليق بالإنسان.

شاهد أيضاً

سوريا :سكان مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق يعودون إليه !

صوت العرب –  بدأت الدفعة الأولى من أهالي سكان مخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: