' rel='stylesheet' type='text/css'>

الحي السادس مجرد بداية.. خطة حكومية مصرية لإزالة أحياء مؤدية لطريق العاصمة الإدارية، وهذه ملامحها

الحي السادس مجرد بداية.. خطة حكومية مصرية لإزالة أحياء مؤدية لطريق العاصمة الإدارية، وهذه ملامحها

صوت العرب

استيقظ محمود صباح أحد أيام شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي على مكالمة هاتفية من موظف بحي غرب مدينة نصر يخبره بأن العمارة التي يقيم بها سوف تتم إزالتها باعتبارها مهددة بالانهيار، وأن عليه انتظار مكالمة أخرى في وقت قريب لدعوته إلى اجتماع مع أحد المسؤولين في محافظة القاهرة أو حي مدينة نصر، لسماع خطة الدولة لتعويضه.

لم يصدق محمود أن ما سمعه كان حديثا جاداً وحقيقياً، لكن جاره أخبره بأنه تلقى المكالمة ذاتها تخبرهم بضرورة رحيلهم عن سكنهم الذي ولدوا فيه بدعوى أنه مهدد بالانهيار، وهو أمر لم يسمعوا به من قبل، ولم يخطرهم الحي أو البلدية أو أي جهة حكومية أو خاصة طوال الأعوام الماضية بأن هناك مشكلة في سلامة العمارة التي يقطنون بها.

قررت الحكومة هدم الحي السادس بأكمله، وهو أحد أشهر أحياء منطقة مدينة نصر بالقاهرة، والتي تقع في الطريق إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

 والمفارقة كما يقول محمود أن العمارة التي يقطن فيها ليست شعبية ولا سيئة رغم أنها مبنية من 60 عاماً تقريباً في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر.

مشكلة محمود يعاني منها في الوقت الحالي سكان عمارات التعاونيات في الحي السادس، وهي 125 عمارة تضم 3500 شقة وتقع في مواجهة المركز الطبي لنادي المقاولون العرب على طريق الأوتوستراد، وهي منطقة باتت حيوية في السنوات الأخيرة لوجودها على طريق المحاور المرورية الجديدة المؤدية للعاصمة الإدارية، وكذلك في طريق المونوريل الذي يربط بين العاصمة الإدارية ومدينة السادس من أكتوبر.

المشكلة سرعان ما تفاقمت بعد تداول تصريحات متضاربة لميرفت مطر رئيس حي غرب مدينة نصر، والدكتور إبراهيم صابر نائب محافظ القاهرة؛ إذ قالت الأولى إن الخطة ليست إزالة عمارات التعاونيات فقط، ولكن الحي السادس بأكمله ضمن مخطط تطوير للمنطقة، وإنه تم حصر 4500 وحدة سكنية ومحل تمهيداً لإزالتها.

وذكرت أن الإزالات سوف تبدأ من قسم ثان مدينة نصر حتى محور جيهان السادات، على أن تقام أبراج سكنية جديدة مثلما يحدث حالياً في أراضي مثلث ماسبيرو وحي بولاق وكذلك تصميم محاور مرورية جديدة لحل أزمة التكدس المروري في المنطقة، فيما أكد نائب المحافظ أن كل ما يحدث هو إزالة لمجموعة من العمارات بالحي السادس، لأنها عمارات مر عليها 60 سنة وبالتالي هي متهالكة ومعرضة للسقوط.

المنطقة الملونة المهددة بالإزالة

وفي لقائه مع السكان المتضررين في الحي السادس رفض نائب المحافظ كل الاقتراحات التي عرضها السكان للبقاء في منازلهم، منها تكليف مكاتب هندسية مشهورة ومعتمدة (على نفقة السكان) لفحص عمارات الحي وتقرير مدى صلاحيتها من عدمه، أو وضع خطة لترميم ودهان كل العمارات بالحي ليكون شكلها ملائماً لسكان العاصمة الإدارية والمسؤولين خلال مرورهم على تلك المنطقة في طريقهم إلى العاصمة الإدارية وأيضاً على نفقة السكان، وتمسك الرجل بأن هناك توجيهات صارمة بضرورة إزالة العمارات وبناء أبراج سكنية جديدة عليها مع تعويض السكان.

السكان المتضررون يتساءلون.. هل تخضع مصائر المصريين لوجهة نظر السيسي وحده؟!

“صلاح هو أحد السكان الذين حضروا الاجتماع مع نائب المحافظ، وكشف بعضاً مما طرح فيه قائلاً إن كل الحاضرين شعروا بأن قرار الإزالة تم اتخاذه بالفعل، ولا توجد نية لدى أحد من المسؤولين في الدولة للتراجع أو إعادة النظر فيه.

 رفض نائب المحافظ كل الاقتراحات التي قُدمت له رغم تطوع الحاضرين للتأكيد على أن أي إجراء ستوافق عليه الدولة سيكون على نفقة السكان الخاصة؛ تجنباً لتحميل الدولة أي نفقات إضافية، وكل ما عرضه في المقابل مقترحات لتعويض السكان عن قرارات الإزالة.

وتشمل المقترحات منحهم تعويضاً مالياً بسعر المتر في المنطقة، وفقاً لتقييم “المثمن العقاري” الذي نصت عليه تعديلات قانون المنفعة العامة التي أقرها مجلس النواب في سبتمبر/أيلول من عام 2020، أو القبول بإيجار شهري لمدة زمنية معينة، والعودة إلى المنطقة مرة أخرى بعد إعادة تطويرها، أو تسلم وحدة كاملة التأثيث في مشروعات الإسكان التابعة للدولة في مدن مثل السلام والنهضة بالأسعار الجديدة للمنطقة، مع حساب الفارق بين تعويض الوحدات الخاصة بهم والسعر الجديد للوحدة.

وهناك خيار رابع يتمثل في تسلمهم وحدة سكنية جديدة بمجمع “جاردينيا سيتي” السكني التابع للقوات المسلحة بحي مدينة نصر على أن يتم تقسيط الفارق بين ثمن الوحدة القديمة، (غير محدد حتى كتابة هذه السطور) والوحدة الجديدة البالغ ثمنها مليوناً و200 ألف جنيه.

“فاطمة واحدة من السكان الذين يرفضون كل الحلول السابقة وتراها غير منطقية وغير منصفة، وقالت إن موقفها يستند إلى مثل شعبي مصري قديم وحكيم يقول “ابني في أيدي أضيعه وأروح أدور عليه”! فنحن حالياً نعيش في شقق تملكها بموجب عقود موثقة لدى الجهات الحكومية، كما أن تلك العمارات محل الأزمة ليست عشوائية ولا مخالفة فلماذا تتم إزالتها؟!

 وهل يمكن أن تخضع مصائر الناس في مصر كلها لوجهة نظر رجل واحد، وهل يعني ذلك أن الرئيس كلما مر على مكان لا يعجبه ستقوم الحكومة بإزالته؟! إذ يتداول السكان أقاويل أن قرار الإزالة اتخذه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء مروره على هذه العمارات خلال قيامه بافتتاح أحد المحاور الجديدة. لكن لا يوجد معلومة رسمية مؤكدة حول هذا الأمر.

وأضافت قائلة “إن كل الحلول التي عرضها نائب المحافظ ليست منصفة كونها تتجاهل نقطة محورية في تمسكنا بالبقاء في شققنا الحالية، وهي التعود باعتبار أن حياتنا كلها في تلك المنطقة، عمل الكثيرون منا في مناطق قريبة وكنا نختار وظائف قريبة من المنطقة حتى لو كانت بأجور أقل، وكذلك مدارس أولادنا التي اخترناها في أماكن قريبة، فضلاً عن الانتماء للمنطقة نفسياً بحكم أن أغلب السكان الحاليين ولدوا فيها وورثوا شققهم عن آبائهم، يعني ينفع تيجي لواحد أو واحدة عايش هنا بقاله 50 سنة مثلاً وتطلب منه يروح يسكن في مكان بعيد؟!”.

مفاجأة.. مسؤولو محافظة القاهرة لا يعرفون عن مشروع تطوير الحي السادس!

اعتراض السكان العنيف على قرار إزالة عمارات التعاونيات غطى على مشكلة أكبر وهي أن خطة الدولة للتعامل مع الحي السادس بأكمله وكذلك الحي السابع غير واضحة، مثلما كشف مسؤول بمحافظة القاهرة في تصريح خاص لـ”عربي بوست”، فقال إنهم ما زالوا في انتظار ورود التوجيهات بخصوص الشكل النهائي لمخطط تطوير المنطقة.

 وهل سوف تشمل الحي السادس بأكمله كما قالت رئيس حي غرب مدينة نصر، أو عمارات التعاونيات فقط؟ وهل سوف يقتصر الأمر على عمارات الحي السادس أم يشمل كل التعاونيات في الأحياء السابع والثامن أيضاً؟ وهل سوف يشمل قرار الإزالة الحي السابع كله أم لا؟ مشيراً إلى أنهم حتى تلك اللحظة يتابعون الأخبار من المواقع مثل المواطنين، وليس لديهم تصور عما سوف يحدث، مرجحاً أن يكون كل ما يقال من مسؤولين في هذا الشأن اجتهادات لا أكثر ولا أقل.

وفي رده على الانتقاد بشأن غموض الموقف حتى على المسؤولين المعنيين بتنفيذه، قال إن الأمر ليس مفاجئاً ولا جديداً عليهم؛ حيث إنهم يعملون بتكليفات عليا منذ سنوات، ويحدث في كثير من الأحيان أن يتم تكليفهم باتخاذ خطوات محدودة في موضوع ما، مثل الجلوس مع سكان عمارات التعاونيات وإبلاغهم بقرار الإزالة وخطة الدولة للتعويضات، من دون إبلاغ هؤلاء المسؤولين بباقي الخطوات التالية، وهذا ما جعل نائب محافظ القاهرة يبدو متعسفاً في لقائه مع سكان الحي السادس، لكن الحقيقة أن الرجل لا يعرف عن الأمر أكثر مما يقوله.

شركة إماراتية اشترت الأرض

أحد السكان قال إن إحدى الشركات العقارية الإماراتية اشترت الأرض كاملة من أول طريق المقطم القديم والواصل من قسم ثانٍ حتى البنزينة قبل المقطم وقبل كوبري محور المشير ومن بداية الطريق الجديد للقادم من مهبط كوبري أكتوبر من بداية ورش هيئة النقل العام بالحي السادس، حتى البنزينة قبل المقطم، لتكون الأرض ما بين الطريقين تابعة للشركة العقارية الإماراتية وأنه سيتم هدم مساكن الحى السادس والسابع لصالح الشركة.

يستكمل الرجل حديثه بانفعال لماذا لا يفهمون أن البلاد بلادنا وهم يحكمون وليس بلادهم ونحن فقط نسكنها، مشيراً إلى أن السكان لا يثقون في الحكومة وأنها تبخس الأهالي حقوقهم، وإن كان هناك تفاوض فمن الضروري أن يكون في وجود محافظ القاهرة ومدير الشركة الإماراتية خاصة أن أسعار الشقق لدى تلك الشركة تتعدى الأربعة ملايين جنيه.

وعند سؤال مصدراً مقرباً من مسؤولي الصندوق السيادي المصري حول حقيقة ما يتردد عن دخول مستثمر إماراتي في تطوير مدينة نصر ومشروعات بناء الأبراج الفخمة الجديدة في الحي السادس والسابع، على غرار ما حدث في مثلث ماسبيرو.

 فأجاب بأن الأمر غير واضح حتى الآن، وليس لدى مسؤولي الصندوق معلومة بوجود مستثمر إماراتي أو من أي جنسية أخرى، وأكد أن الصندوق ليس طرفاً في الموضوع حتى الآن أيضاً، مرجحاً أن يتم إسناد تطوير المنطقة إلى القوات المسلحة بحكم انتشار العديد من الوحدات العسكرية والمدنية التابعة للجيش في تلك المنطقة، وبالتالي من غير المنطقي إدخال مستثمرين أجانب من أي جنسية لإقامة مشروعات في أماكن مصنفة حيوية بالنسبة للجيش المصري.

ودلل على كلامه بمجمع جاردينيا السكني الفاخر في الحي السادس الذي تم إنشاؤه لحساب القوات المسلحة، وهو المجمع السكني المغلق الأول من نوعه في مدينة نصر.

قانون المنفعة العامة يبطل حق المتضررين في اللجوء للقضاء 

كثير من سكان الحي السادس جادلوا في قانونية إزالة مساكنهم وهدد بعضهم بإقامة دعاوى قضائية لوقف قرار الإزالة، لكن مستشاراً قانونياً بمجلس الدولة قال  إن مصير تلك الدعاوى هو الرفض؛ لأن ما يحدث حالياً قانوني بنسبة 100% بموجب قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة الذي أقر عام 1990، وتعديلاته في سبتمبر/أيلول عام 2020.

وقد حددت المادة الثانية من القانون المعدل 7 مشروعات تعد من أعمال المنفعة العامة، منها إنشاء الطرق والشوارع والميادين أو توسيعها أو تعديلها، أو تمديدها أو إنشاء أحياء جديدة ومشروعات المياه والصرف الصحي ومشروعات الري والصرف ومشروعات الطاقة وإنشاء الكباري والمجازات السطحية (المزلقانات) والممرات السفلية أو تعديلها ومشروعات النقل والمواصلات وأغراض التخطيط العمراني وتحسين المرافق العامة، فضلاً عما يعد من أعمال المنفعة العامة في أي قانون آخر، ويكون تقرير المنفعة العامة بقرار رئيس الجمهورية أو من يفوضه.

وأضاف أن الأخطر من ذلك أن القانون أجاز لمجلس الوزراء إضافة أي أعمال أخرى ذات منفعة عامة إلى الأعمال المذكورة، كما يجوز أن يشمل نزع الملكية عن العقارات اللازمة للمشروع الأصلي وأية عقارات أخرى ترى الجهة القائمة على أعمال التنظيم أنها لازمة لتحقيق الغرض من المشروع أو لأن بقاءها بحالتها من حيث الشكل أو المساحة لا يتفق مع التحسين المطلوب.

باحث مطلع بأحد مراكز البحوث الاجتماعية الحكومية قال تعليقاً على الأزمة إن ما يحدث ليس سوى حلقة في سلسلة مطولة من القرارات المشابهة، بدأت بتهجير أهالي سيناء بدعوى مكافحة الإرهاب، ثم تهجير سكان جزيرة الوراق التي تقع في قلب نهر النيل بعد بيع المنطقة إلى مستثمرين إماراتيين، وعندما رفض السكان التهجير تدخل الجيش لهدم المساكن وإجبار الأهالي على الرحيل، فضلاً عن إزالة المناطق العشوائية.

وأضاف أن المخطط يتضمن كما نما إلى علمه إزالة العديد من الأحياء الأخرى في مدينة نصر ومصر الجديدة وربما تصل خطة الإزالة إلى بعض مناطق التجمع ومدينة الشروق أيضاً ومنطقة القطامية، حيث يريد الرئيس المصري إعادة تخطيط تلك المناطق بشكل فخم يناسب فخامة العاصمة الإدارية الجديدة بحكم أن تلك المناطق هي المتاخمة والمؤدية للعاصمة.

وأشار إلى أن قانون إزالة الملكية للمنفعة العامة بمثابة سلاح في يد الدول ضد السكان، فضلاً عن أن ما لا يقل عن 60% من مباني وعقارات مصر الجديدة تحديداً يتجاوز عمرها مئة عام، فإذا كانت حجة الدولة لإزالة عمارات التعاونيات أن عمرها يتعدى الـ60 عاماً فهذا يعني أن يجهز سكان مصر الجديدة أنفسهم للرحيل ويبدأوا بالبحث عن سكن جديد لهم من الآن.

وتعجب الباحث من دهشة البعض من قرار إزالة الحي السادس أو مناطق فيه، وغضب البعض الآخر من ذلك القرار، مشيراً إلى أن من صمت على قرارات تهجير السكان في مناطق أخرى عليه أن يتذوق الآن وربما غداً طعم التهجير القسري.

وقال إن السيسي يريد بناء مصر جديدة على غرار دبي تتميز بالفخامة، ومن لا يليقون بتلك الفخامة عليهم الانتقال للعيش في أماكن بعيدة عن نظر الرئيس مثل مدن السلام والعبور وغيرها.


عربي بوست

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: