' rel='stylesheet' type='text/css'>

الحكومة المصرية تفتقد الحنكة السياسية في مخاطبة الشارع أو الترويج لما تقوم به

الحكومة المصرية تفتقد الحنكة السياسية في مخاطبة الشارع أو الترويج لما تقوم به
الحكومة تشرف على مشاريع بنية تحتية لا تمس حياة الناس مباشرة

يُحيل استقبال الشارع المصري لإشادة وفد من الكونغرس الأميركي بالجهود الحكومية لتحسين حياة الناس إلى مشكلة تعاني منها الحكومة المصرية، وهي فقدانها للحنكة السياسية في مخاطبة الشارع أو التسويق لما تبذله من مساع للقيام بمشروعات تنموية واقتصادية من شأنها الارتقاء بحياتهم.


القاهرة – صوت العرب


أظهر استقبال الشارع في مصر للإنجازات التنموية والاجتماعية، التي تحدثت عنها جهات خارجية أخيرا أن ثقة الناس في الحكومة لا تزال متدنية، والشرخ الحاصل بين الطرفين أصبح أكبر من أيّ وقت مضى، مهما كانت هناك نجاحات ومشروعات تستهدف الشرائح المجتمعية بمختلف طبقاتها.

وجاءت ردود الفعل من جانب فئات عدة، مغايرة بشكل كبير للتحركات الإيجابية التي تقوم بها الحكومة، وثمنتها جهات خارجية، حيث أشاد وفد الكونغرس الأميركي في اجتماعه مع مسؤولين بمجلس الوزراء المصري الأسبوع الماضي، بما تقوم به الحكومة من جهد تنموي واضح يستحق الثناء والتقدير، في خدمة البسطاء.

وقال وفد الكونغرس، الذي زار القاهرة، وقام بتفقد العديد من المشروعات التنموية، إن الحكومة تقوم بمجهودات كبيرة لرفع مستوى معيشة الناس، وتحسين الاقتصاد، لكن هناك من صنفوا هذه الإشادة باعتبارها مجاملة سياسية للنظام المصري بشكل عام.

وتكوّن وفد مساعدي أعضاء الكونغرس من 12 عضوا من مجلسي النواب والشيوخ، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، المنتمين إلى أهم لجان الكونغرس ذات الصلة بملفات التعاون مع مصر، وفق البيان الصادر عن مجلس الوزراء.

حتى أن مجلس الوزراء، عندما أعلن عن تحقيق مصر لمعدل تنمية مرتفع وتحقيق طفرة ملموسة في مجال تطوير التعليم، وتحسن ترتيبها العالمي واحتلالها المركز الأول أفريقيا، وفق مؤشر المعرفة الصادر عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الإماراتية، قوبل ذلك بحملة من السخرية والتنمر ضد المؤسسات التعليمية في مصر.

وقفزت مصر إلى المرتبة 53 خلال عام 2021 مقارنة بالمرتبة 72 في العام الماضي، في ملف التعليم، وعلى صعيد المؤشرات الفرعية حققت مصر تقدما ملحوظا، حيث جاءت في المرتبة الأولى عالميا في تنافسية قطاعي الإنترنت والهاتف، كما احتلت المرتبة الثالثة عشرة عالميا في حجم العمالة الماهرة.

نجاح تنموي لكن بأرقام صماء

ولا تزال أزمة الحكومة في أنها تفتقد الحنكة السياسية في مخاطبة الشارع، أو الترويج لما تقوم به على أرض الواقع لتحسين حياة الناس، ويكاد يكون الرئيس عبدالفتاح السيسي وحده الذي يقوم بهذه المهمة، وإن لم يفعل ذلك، فإن الحكومة تبدو عاجزة عن التسويق لنفسها.

وتعتقد دوائر سياسية أن مشكلة الحكومة تكمن في كونها تقوم بتحركات إيجابية في ملفات عدة، لكنها ما زالت بعيدة عن صميم احتياجات الأغلبية، مثل تدشين مشروعات تنموية في الزراعة والصناعة وقطاع الطرق وبناء الجسور العملاقة، وغيرها، في حين قطاعات الصحة والتعليم والتموين بها إخفاقات واضحة.

ويتمسك صانع القرار السياسي في مصر، بتخصيص مبالغ ضخمة للإنفاق على مشروعات بعيدة عن أولويات الشارع، وهو ما يعكس حجم التخبط في هذا الملف، فهناك مواطنون ممتعضون من التركيز على توفير الأموال في أي وقت لمشروعات اقتصادية، لكن الحكومة ترفض بشكل قاطع وضع حلول جذرية في ملفات خدمية.

فريد زهران: نجاح الحكومة يجب أن ينعكس على معيشة المواطنين

ويعاني قطاع التعليم من نقص حاد في عدد المدارس والمعلمين، مع أن الحكومة تدفع لتطوير المناهج والامتحانات بالمليارات من الجنيهات، وعندما يتذمر الناس ترد وزارة التعليم بأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بحل أزمة نقص القاعات الدراسية وتعيين معلمين جدد، وهي أزمة الأولويات التي تتعامل معها الحكومة برعونة، وتجعل الناس يستخفون بأي إنجازات.أقرب مثال على ذلك، أن ملف التعليم الذي احتلت فيه مصر المرتبة الأولى أفريقيا، وتروج لذلك الحكومة على أنها فعلت المستحيل يعاني من مشكلات عصية على الحل، إلى درجة أن الرئيس السيسي قال قبل أيام، إنه لا نتائج إيجابية وملموسة في هذا القطاع قبل مرور 14 عاما على الأقل، مع أنه من هواة تحقيق النجاحات الفورية في ملفات مصيرية.

ويرى مراقبون أن عدم إحساس الناس بالجهود التي تقوم بها الحكومة، أزمة تُسأل عنها المؤسسات الرسمية نفسها، فهي تفتقد الحد الأدنى من الخطاب السياسي الذي يمهد الطريق أمام الشارع للتماهي مع ما تقوم به، فهي بلا إعلام قوي يؤثر في الرأي العام ويقنعه بالإيجابيات، وبلا مسؤولين لديهم حنكة سياسية يتحدثون للناس بطريقة ترضيهم وتلقى قبولهم.

ويعتقد هؤلاء أن السبب الآخر يرتبط بكون الحكومة تعمل دون خطة تلامس احتياجات الأغلبية السكانية، فهي وإن أطلقت مشروعات تنموية تستهدف تحسين مستوى معيشة البسطاء، فإنها عندما تعطي باليد اليمني، تأخذ باليد اليسرى، كأن تنفق المليارات على مبادرة “حياة كريمة” للفقراء، ثم ترفع أسعار السلع التموينية المدعمة لنفس الشريحة.

ورأى فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي، أن مشكلة الحكومة أنها تقيس نجاحاتها بأرقام صماء، وتتجاهل النزول إلى أرض الواقع لتعايش معاناة الناس، أو تُدرك عن قرب، هل ما تقوم به انعكاس على حياة المواطنين أم لا، بل تعتمد فقط على تقارير ليست ذات جدوى.

وأضاف أن النجاح الحقيقي الذي يقيس به الشارع أداء الحكومة، عندما تنعكس المشروعات التنموية على معيشة المواطنين، لكن لا يمكن الإيحاء بأن هناك معدلات نمو وانخفاضا للفقر واحتلال مراكز متقدمة دوليا في قطاعات بعينها، والناس لا تشعر بذلك.

أغلبية الشعب بسطاء يعانون الفقر والبطالة

وتعول الحكومة على أن الشارع لا يمتلك الوعي الذي يؤهله للتركيز على ما وراء سياساتها التنموية، لكن البسطاء أنفسهم صاروا أكثر فهما لما تقوم به، فهي توحي بأنها تركز جهودها على تحسين مستوى المعيشة، من خلال مشروعات عدة، وفي نفس الوقت، تأخذ من جيوب المواطنين لتنفق على مشروعات أخرى، وتقول إن الظروف الاقتصادية تضطرها لذلك.

ولأن الأغلبية السكانية من البسطاء، فإن مع إخفاق الحكومة في الملفات الأساسية التي تمس حياة هذه الفئة، مثل الصحة والتعليم والتموين، لن تستطيع بسهولة إقناع الشارع بنجاحاتها على المستوى التنموي، باعتبار أن هذه الشريحة لا يعنيها الاقتصاد مهما بلغت معدلاته الإيجابية، بقدر ما يهمها توفير حياة كريمة، وتحسن المستوى المعيشي لأفرادها.

ولفت زهران إلى أن هناك خللا واضحا في استراتيجية الحكومة بشأن الأولويات، فهي تخصص 27 مليار دولار لإنشاء قطار كهربائي، وتتجاهل بناء مصانع وتحقيق طفرة اقتصادية هائلة بهذا المبلغ الضخم، ليعود بالنفع على الناس في خفض معدلات البطالة، وتتحجج بالظروف الاقتصادية في استمرار أزمات التعليم والصحة وغيرها، مع أنها تستدين لملفات أخرى تبدو غير مهمة.

وطالما أن الشارع لم يشعر بعد بنتائج المؤشرات الإيجابية التي تتحدث عنها الحكومة، أو حتى الجهات الخارجية التي تسوق لها، فإنه من الطبيعي استمرار حالة التذمر والامتعاض بين الشرائح المجتمعية المختلفة، ما يؤسس لاستمرار الاحتجاج الصامت بين الناس، وإن لم يظهر ذلك علانية خشية الاستهداف الأمني، أو الخوف من مغبات عدم الاستقرار السياسي.

وتظل المعضلة أن الحكومة تتعامل مع حالة الاستسلام عند المواطن العادي، على أنه يقدم لها شيكا على بياض بأن تستمر في نفس السياسة، ولو بالتركيز على أولويات بعيدة عن احتياجاته الأساسية وتحسين مستوى معيشته المتدهورة، لكنها مع الوقت تخسر ما تبقى لها من رصيد عن الأغلبية لوقت قد يصل فيه الغضب إلى الذروة.


العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: