' rel='stylesheet' type='text/css'>

الجنس المشكل والخدعة الفنية..في نص (طرشقانة) للكاتبة التونسية مسعودة بوبكر.

الجنس المشكل والخدعة الفنية..في نص (طرشقانة) للكاتبة التونسية مسعودة بوبكر.

د.رشا ناصر العلي: صوت العرب – سوريا

 

ينتمي نصّ (طرشقانة) إلى مجموعة السّرديّات النّسوية بالنّظر إلى مصدر إنتاجه، لكنّه ينفرد عنها بموضوعه الخاصّ، لأنّه موضوع إشكاليّ يتجنّبه كثير من المبدعات والمبدعين، وإشكاليّته تتأتى من الشّخصيّة المركزيّة التي تفجّرت منها مجموعة الوقائع والأحداث، هي شخصيّة (مراد) الذي جمع بين طبيعتين متقابلتين على صعيد واحد، فعلى مستوى التكوين الخارجيّ، يحوز تكويناً ذكوريّاً، وعلى مستوى التكوين الباطنيّ يحوز طبيعة أنثويّة، أي أنّ البطولة في هذا النّص الرّوائيّ لا تخلص للأنوثة ولا للذكورة، وإنّما يستحوذ عليها جنس ثالث، امتزجت فيه الذكورة بالأنوثة فامّحت الفواصل بينهما واضعة صاحبها (مراد) على مفترق حالين متناقضين اجتمعا في جسد واحد، إذ اجتمعت جينات وخلايا (الذكورة والأنوثة) على سبيل المخالفة أو الموافقة لتحققا جنساً طارئاً عبّر عنه المصطلح الفقهيّ بـ (الخنثى المشكل).

وعبّر عنه النّص بلقب عامّي تونسيّ، وهو أحد الألقاب التي تُطلق على المخنّث الذي اختلطت فيه خلايا الأنوثة والذكورة فدخل دائرة الإلباس، هو لقب (طرشقانة)، الذي أُلصق بمراد، فأصبح اللقب علامة اسميّة دالّة على جنسه الملبس.

وعلى هذا الأساس، فإنّ المتابعة التحليليّة للرّواية سوف تلاحق هذه الشّخصيّة المركزيّة، في علاقتها بذاتها (المتناقضة) أوّلاً، ثمّ علاقتها بمجتمعها المباشر وغير المباشر ثانياً، ثمّ ردود الفعل التي صدرت من المجتمع بالرّفض الغالب , والقبول على غير الغالب.

ومن مهمّة التحليل أن يراعى الخديعة السّرديّة التي تعمّدتها الكاتبة، ذلك أنّها عملت على تقديم شخصيّة مراد تقديماً صاعداً ومتنامياً، بدءاً من مرحلة الميلاد فالطفولة والصّبا والشّباب، أي مرحلة النّضج والاكتمال، وقد مرّت كلّها ومراد يلبس شخصيّته المزدوجة.

ثمّ تأتى الخديعة، عندما يحقق مراد هدفه في التحوّل من هذه الطبيعة المختلطة, ليدخل منطقة الأنوثة كليّاً، والمتلقي يتابع كلّ ذلك واعياً بهذه المراحل التي مرّ بها مراد في المتن الرّوائي، دون أن يعطي عناية كبيرة لبعض الإشارات التي تهزّ ثقته في مصداقيّة المرحلة الأخيرة، مرحلة التحوّل، لكنّه يُفاجأ بأنّ هذه المرحلة لم تجرِ – على الحقيقة – وإنّما جاء تحققها في مخيّلة (نورة) زوجة ابن عم مراد.

وهذا يعنى أننا أمام نصّ روائيّ ذي طبيعة مزدوجة وملتبسة، إذ يقدّم السّرد إشكاليّة مبدئيّة في علاقة هذا الجنس المشكل (مراد) مع ما حوله، ويستحضر هوامشها الثقافيّة والبيولوجيّة والاجتماعيّة، ومعاناة مراد قبل التحوّل، وسعيه إلى تحقيق إنسانيّته المتكاملة، وحقّه في أن يمتلك جنساً واضح الملامح والهوية، مهما كان حجم المعوقات التي تحيطه.

كما يستحضر السّرد حال مراد بعد التحوّل (ندى)، وذلك من خلال المستوى الآخر للرواية إذ تقوم نورة (كاتبة داخل النّص) بكتابة مسوّدات لرواية جديدة، يكون بطلها أو بطلتها (ندى)، وهو الاسم الذي اختارته لمراد بعد التحوّل، وتعرّضت لما يمكن أن يعانيه هذا الجنس من عدم التوافق النّفسيّ والعقليّ والمجتمعيّ، فهو إن نجح في امتلاك جسد أنثى وجمالها وجاذبيّتها، فإنّ هناك حقيقة لابدّ أن يراها واضحة، هي عدم قدرته على ممارسة وظائف الأنثى في الإنجاب والأمومة.

وهذا يعنى أنّ هناك مستويين للسّرد، قبل التحوّل (على لسان مراد)، وبعد التحوّل (على لسان نورة)، بحسب ما أملته عليها مخيّلتها في الرّواية التي تعدّها للنشر.

واللافت أنّ مراداً السّاعي إلى هذه المرحلة – التحوّل إلى أنثى – بكلّ طاقته النّفسيّة والماديّة، لم يكن راضياً عمّا فعلته (نورة) في نصّها الرّوائيّ الذي أطلع عليه مصادفةً، وقرأ فيه أنّها تابعت مسيرته، وحققت أمنيته في أن يتحوّل إلى أنثى (ندى)، لأنّه كان تحوّلاً منقوصاً، ذلك أنّ (ندى) كانت عاجزة عن ممارسة حياتها الأنثويّة ممارسة كاملة، بل إنّ تحوّلها كان عاجزاً عن بلوغ طبيعة الحمل والولادة.

معنى هذا أنّ الخديعة الفنيّة -عن وعي أو عن غير وعي – استبقت الشّخوص على حالها الذي كانت عليه، فالأنثى أنثى، والذكر ذكر، والخنثى خنثى.

ومن المفيد أن نشير إلى أنّ النّص قد وظّف (تقنيّة الرّسائل) بصورة لافتة، لتحقيق خديعته الفنيّة وإدخال المتلقي في دائرتها، وكانت في معظمها بين ثلاثة أسماء (ندى – مراد – أنوشكا)، وبلغت اثنتي عشرة رسالة، أي أنّها رسائل تخصّ المتن الرّوائيّ الأصليّ (طرشقانة)، كما تخصّ المتن الرّوائيّ الدّخيل الذي كتبت مسوّداته (نورة)، بالإضافة إلى بعض الرّسائل الهامشيّة من أحمد الشواشي (والد مراد) إلى سيمون، وأخرى من جورج حازم إلى ندى.

وكانت مهمّة الرّسائل تحويل مسار النّص من الخطّ الأفقيّ الذي يربط الأحداث بمنطق الزّمن وتسلسله، إلى مسار (بندولي) يتحرّك للأمام والوراء، وقد يتوقف عند الحاضر، وكلّ ذلك كان فاعلاً في إثارة دهشة المتلقي ويقظته من ناحية، وإدخاله الخديعة الفنيّة التي أشرنا إليها من ناحية أخرى، وقد كان عليه أن يوجّه اهتمامه إلى لحظة الحاضر وعلاقة مراد بأنوشكا (قريبته من أمه الفرنسيّة)، ثمّ فجأة يسرع إلى الزّمن الآتي ليتابع علاقة ندى بأنوشكا (كما تخيّلتها نورة في روايتها)، دون أن يدرك توحّد الشّخصيتين.

لكن بالرّغم ما أحدثته الرسائل من إلباس، قدّمت للنّص بعض الظّواهر النّفسيّة لمراد التي صاحبته قبل التحوّل، والتي حلّت به بعده، مما صبغ النّص بدراميّة حادّة بين الظّاهر (الذكوريّ)، والباطن (المؤنّث)، وبين الواقع والمتخيّل، وبين ما حدث، وما يمكن أن يحدث.

والملاحظ أنّ السّرد قد بثّ هذه الرّسائل خلاله دون ربطها بتتابع الوقائع؛ مما أوقع المتلقي في غموض وإلباس، يوازي الغموض والإلباس الذي أحاط بالشّخصيّة المركزيّة (مراد)، ولم تتكشف الحقيقة إلا قرب النّهاية، ومع النّهاية تحوّلت حيرة المتلقي إلى نوع من عدم التقبّل لمثل هذه الخديعة التي جعلته يعيش لحظة انتظار طويلة، ودفعته إلى طرح الأسئلة:

هل سينجح مراد في تحقيق هدفه وتصحيح هويته؟ وهل سيكون التحوّل كاملاً، أم منقوصاً على نحو ما صوّرته نورة؟ وهل سيتقبّل المجتمع الصّورة الجديدة (لمراد / ندى)؟ سواء في ذلك مجتمعه العربيّ الذي ينتمي إليه، أم مجتمعه الفرنسيّ الذي استكمل مسيرته (الرّوائيّة) فيه؟

إنّ كلّ ذلك يجعلنا في مواجهة (نصّ مفتوح) بكلّ المقاييس، لأنّه لم يقدّم يقيناً يمكن الاستراحة إليه، بل كل ما قدّمه هو (عدم اليقين)، أو لنقل: إنّ كلّ ما قدّمه شيء يقع (بين اليقين وعدم اليقين)، أي أنّه قدّم حقيقة (خُنثى) شبيهة بخنوثة مراد.

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: