' rel='stylesheet' type='text/css'>

الثقافة بين العولمة والكوْرَنة.

علي ماجد شبو : صوت العرب – عمان.

لم يستفق العالم من الاحتفالات الكونية المدهشة المعدّة للإستقبال والدخول في القرن الحادي والعشرين حتى نهض قافزاً من سكونه مذعوراً على وقع الهجوم الإرهابي الكبير الذي أصاب مركز التجارة العالمي في نيويورك. هكذا اذن، بدأ هذا القرن الجديد، بهذه المأساة الكبيرة. وحين تكون المأساة كبيرة يجب البحث عن عدو كبير. وهكدا فقد أسست هذه المأساة حالة من الرعب والفوبيا من الاسلام ومن العرب، وبات على كل مسلم في العالم وكل عربي (حتى لو لم يكن مسلماً) ان يثبت بانه غير إرهابي. وبذا شكلت هذه الحادثة لحظة إنطلاق فعلية وشرسة “لعولمة الخوف” والترهيب لكل مالايتناسب وأساليب حياة وقيم الغرب. هذا الاحساس ،مضافاً اليه إنهيار العلاقات السياسية المتوازنة، كان كافياً لعولمة  قيم وأساليب المعيشة الغربية ونقلها الى البلدان العربية كما لبقية بلدان العالم، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة كثيراً. هذه هي العولمة، أو جزء منها، لكن هذا كلّه شكّل إطاراً لثقافة كونية يشترك فيها العالم. عالم مابعد انهيار مركز التجارة العالمي.

أين مصير الثقافة الوطنية اليوم بين هذه العولمة وما نمرّ به من كوْرَنَة، ( نسبة الى وباء كورونا Coronazation) هذا هو مجال الجدل الذي يسعى لفتحه هذا المقال، وهو يرمي الى التنبيه بأن هناك ثقافة من نوع آخر هي الآن في طور التكوين، هذه الثقافة هي وليدة التصاهر الهجين بين العولمة وبين الكْورَنة. ثقافة تستهين بالأسئلة ولاتمنح أجوبة بل شروطاً لتكبيل الأسئلة.

سأستعرض بإيجاز مفاهيم الثقافة والعولمة وعلاقة كل منهما بالآخر وأثر ذلك على الثقافة الهجينة التي يمكن ان تكون وليدة لإنحراف العولمة او لإنحراف الثقافة. غير ان المستفيد الاساسي من هذه الثقافة الهجينة هي جملة سرديات وباء كورونا التي خطفت الثقافة الأصيلة وأستولدت هجينها.

إن الثقافة مفهوم واسع ومتنوع، لا يتوقف عند زمن معين بل يكون منفتحاً وغير جامد وفي حالة تطور دائم. والثقافة تشير أولاً الى الناس ومختلف ممارساتهم وآمالهم، كما تُشير الى مجموعة المعارف، والمعتقدات والقيم التقليدية، وإرث الماضي. وهي أيضاً ذاكرة للشعوب وأرشيفها التاريخي، والثقافة أيضا أسلوب حياة، كما هي تبرز باللغة وبالأدب وبالفن والإبداع وأخيراً بالأخلاق التي يمارسها أفراد المجتمع حيث ان ذلك كلّه هو الذي يشكل الوجود المتناسق الإنساني الجمعي في المجتمعات المتباينة. ومع ذلك فإن الثقافة تحمل في طيّاتها الشك والخوف من معاني الوجود، فالثقافة هي الرادار الأكثر دقة الذي يترصد المخاطر التي تهدد الوجود و الكيان الاجتماعي. ولذا، فقد حملت الثقافة، في طيّاتها، ملامح لهذا الوجود من خلال تشخيص هوية منيعة وواضحة، هي هوية ال”أنا” وال”نحن”. وهذه الهوية تتناسخ الى هويّات أخرى لتكّون المجتمع أو الأمة بمعناها الواسع.  ويكفي أن نتساءل ماذا لو قامت هذه الهويات بالإنطواء على نفسها او إنعزلت او تعالت على غيرها من هوّيات؟ الجواب،  ستنشأ إختلافات ثقافية عميقة، وتصبح مصدر للصراعات القاتلة، وهناك أمثلة عديدة تؤكد بأنه، على مدى التاريخ الحضاري البشري، حدثت الصراعات على قاعدة الخلافات الثقافية، أو بالأحرى، الاستعلاء الثقافي  بين الأفراد أو المجتمعات أو الأمم، وأبرز الأمثلة على ذلك في التاريخ الحديث للمنطقة العربية هو التسلل الاستعماري للبلدان المختلفة بحجج الثقافة والمدنية ولكن بمعايير إستعلائية.

الثقافة، اذن، هي محيط المعرفة الديالكتيكي ذو القوى الحيوية القادرة على التغيير، ولذلك فهي منفتحة ومتطورة دائماً، ولاتلتزم بما هو راكد،  ولا تأخذ بالهياكل الثابتة ولا بالمعايير الجامدة. لأن المجتمع الذي ينتج هذه الثقافة يكون دائم الحيوية، والتطور، مجتمع ديناميكي يتقبل الافكار ويتأثر ويؤثر بها. وهكذا، فإن “تسلل” العولمة الهادئ الى المجتمعات كان دائماً مُرحّباً به، خاصة وأن هذا التسلل بدأ من خلال وسائل الثقافة الترفيهية، فمن خلال السينما واشكال الترفيه المختلفة، ثمّ من خلال الانتقال السريع لرؤوس الأموال، والشركات متعددة الجنسية، وبالتالي تدفق العمالة الأجنبية،  كل ذلك خلق تأثيرات شديدة ودائمة على بنية الثقافة الأصيلة المحلية، تأثيرات تمتد من الملبس العادي، حيث ان عولمة رأس المال جلبت معها شركات ومعامل ومعارض متنوعة للألبسة والجلود والأحذية والساعات والعطور وماشابه، مروراً بنوع الأطعمة ونوع القهوة التي يجب تعاطيها، كذاك، من خلال شركات المطاعم والمقاهي العالمية المتنوعة، بل وحتى حلاقة الشعر لها موضات تبدأ من الغرب وتنتقل الى ابعد حلاق في القرية. وعلى الصعيد الفردي أو على صعيد خلية العائلة، تقدم العولمة خيارات عديدة في مجالات الترفيه والمعرفة العامّة من خلال محطات التلفزيون المؤدلجة، سواء كانت عالمية او محطات إقليمية تستخدم الأسلوب “المعولم” حيث حولت اخبار وفواجع المجتمعات، وما اكثر فواجع المجتمع العربي، الى احداث ترفيهية مؤقته. لعل هناك، في ماذُكر، بعض السخرية، ولكن أليست السخرية هي النظرة التي تحمل في طيّاتها شدّة التمعّن لأدق تفاصيل الواقع، وماهو يومي ومعاش؟

ماهو إذن سرّ العولمة، ذلك القادر على النفاذ في ثقافات الامم وفي التأثير على هوية الأفراد والجماعات؟ تتفق أدبيات التنمية عموماً على إن ظاهرة العولمة قديمة في التاريخ ولكنها أتخذت منحىً جديداً جذرياً، وذلك بتأثيرات إنتهاء الثنائية القطبية السياسية في العالم، وهيمنة القطب الواحد، وتحرر التبادل الاقتصادي والتجاري، وتزايد تدفقات رأس المال، وإنخفاظ تكلفة النقل والاتصالات بفضل تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. “ان ظاهرة العولمة تعكس نظاماً رأسمالياً يقوم على الكفاءة الاقتصادية، ولكن هذا النظام ليس مصدراً للعدالة الاجتماعية ولا يختبر آثاره الجميع بنفس الطريقة. إذ يرى البعض ان العولمة ساعدت في ظهور مبادئ ديمقراطية عالمية ومبادئ إقتصاد السوق  على الصعيد العالمي، بينما يرى آخرون إتساعاً في أوجه عدم المساواة”.   ” فَهم العالم،  تأليف أستاذ الفلسفة باسكال بونيفاس” (Comprendre le Monde, Pascal Boniface, Ed: Armand Colin, Paris, 2019) ، وليس بخفي أن للعولمة آثار متعددة، على البيئة، وعلى الثقافة، وعلى النظم السياسية وعلى التنمية الاقتصادية وماتهدف اليه من إزدهار، وعلى الرفاه المادي للإنسان في مختلف المجتمعات حول العالم. ولكن، وعلى عكس مايُشاع، إن العولمة لم تجعل الحدود بين البلدان بالية تماماً، فالحدود الجغرافية للبلدان كانت دائماً موجودة ومصانة، إنما بسبب قدرة العولمة الخارقة على النفاذية، تضاعفت سبل الحماية كما تضاعفت الحدود المادية الجديدة بما في ذلك الاستخدام المتزايد لبناء الجدران، مثال ذلك جداريّ الفصل العنصري، الاول في الاراضي الفلسطينية والثاني بين أمريكا والمكسيك.

ومع ذلك، فقد حملت العولمة معها قيم عديدة، غير الهيمنة التجارية والاقتصادية والمالية، من بين هذه القيم، تشكيل “سلوك” آخر و “ذوق” آخر للمجتمع، أي تثبيت قيم مجردة من الخصوصية ، ولكنها حاملة بذور “توحيد هذه القيم” في الشكل والمضمون “كثقافة كونية” . فمثلاً في “السلوك” تبدأ بوضع محددات  للسلوك الاجتماعي يشتمل على نمط إدارته لشؤونه، وهذا يعني إشراك المجتمع في السلطة السياسية التنفيذية، بمعنى أوضح، إن نشر قيم مثل إحترام مبادئ حقوق الإنسان ثم تجزأته الى حقوق قطاعية، مثل حقوق المرأة، وحقوق الطفل وماشابه ثم جعل هذه المبادئ والحقوق كأرضية للانتخابات المحلية (على صعيد المدينة) ولإنتخابات وطنية، شاملة كامل تراب الوطن. وهي، أي القيم، تدعو الى حرية  تعدد الاحزاب،  والتداول السلمي للسلطة. وتقنين مفاهيم الحرية بمطلقها، ثم حرية الرأي وحرية التعارض وحرية التظاهر الى آخر ذلك. وقبل ان انتقل الى “الذوق” أودّ ان اذكّر بان هذه القيم بمجموعها، والتي تشكل جوهر محور قيم الغرب، عند انتقالها الى البيئات العربية، تدخل بمأزق أخلاقي يُفشل مصداقية هذه القيم. أما في “الذوق”، فالمفارقة تبدأ بنوع محطات التلفزيون التي “يجب” مشاهدتها، ونوع الاخبار، ونوع الحوارات المتلفزة وبرامج الترفيه المعولمة من قُبيل سلسلة “العرب لديهم مواهب Arabs got talents ” وتمّر بعد ذلك الى صلب الحياة اليومية للمجتمعات، فمطاعم الوجبات السريعة الامريكية والأوربية واليابانية والصينية والمقاهي الامريكية والأوربية، التي انتقلت الى جميع البلدان العربية تقريباً، تؤكد سلوك “الترف” الاجتماعي ومدنية الأفراد الذين يستخدمونها. وهذا يمتد ليشمل ماركات الملابس والعطور والجلود وحتى النظارات.

أعود قليلاً الى المفارقة الخاصة بمشاهدة محطات تلفزيون معينة ونشرات اخبار وبرامج حوارية معينة. فقد أثبتت هذه المحطات المؤدلجة بصورة معولمة، أي بطريقة تضع حدوداً هلامية وغير واضحة لإيديولوجياتها، مقارنة بما تبثة من إيديولوجيا غاية في الوضوح على الصعيد المحلي. (أبرز مثال على ذلك محطة تلفزيون CNN التي لها ايدولوجيا محلية داخل الولايات المتحدة الامريكية وأخرى أكثر مرونة على صعيد العالم، لكن الإيديولوجيتان لايختلفان جوهرياً).  وهذا ايضا ينطبق على المحطات العربية ذات التوجه الدولي والمحلي.  مرة أخرى، إن المجتمعات العربية عموماً،  تعي و تُدرك مدى التدهور المريع في تطبيقات القيم الغربية، أي أن المجتمعات العربية، حتى تلك المنحسرة بعيداً عن المدن العربية الكبيرة أصبحت تؤمن بآن ما يُنادى به من مبادئ وقيم للإشتراك بها مع الغرب، تدخل بمعيار الكيل بمكيالين مدنياً وحضارياً، وإقتصاديا وماليا وسياسيا واستقلالياً. هذه “اللايقينية” التي تفجّرت من وعي المجتمعات، هي الآن التي تركل أسس العولمة وقيم الإنصاف والعدالة القائمة على إنعدام المصداقية الأخلاقية. ولعل هذه اذن، بعض المبررات الحقيقية التي دعت بعض المفكرين والكتاب الى التبشير بنهاية العولمة. وهي ذات الأسباب التي تسمح بفهم جذور الخلاف بين الحضارات المختلفة وخاصة حضارتي شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط والتي هي جوهر إهتمامنا

ومن طرف آخر، فإنه حين يكون نُضج وتكامل الخصوصية المحلية للمجتمعات قد شكّل سوراً منيعاً ضد الإختراقات، فإن العولمة لن تتمكن من إختراق تلك الخصوصية إلاّ عبر فرض شكل من أنماط التغيّير المرحلي والمتدرج، بإعتبار أن ذلك تطور متسلسل وطبيعي للمجتمعات، وبهذا المعنى فإن ما يحصل (من قِبَل العولمة) يعتبر تقدم إجتماعي واقتصادي وثقافي. هنا، يجب التنبه الى ان الظاهرة التاريخية في تأسيس المجتمعات مبنية على فرادة الإنسان، وفرديته وخصوصيته، وهي فرادة تحدّ من آليات وحركة العولمة وخاصة في المجال الإجتماعي والثقافي. والسبب، ببساطة، أن الانسان هو ذاته محرك التطور وهو الفاعل في آليات التغيير. وإن مجموع التراكمات لهذا التطور، وهذا التغيير يشكل الارتقاء المديني والحضاري في سلّم التاريخ، وإن حركات التاريخ هذه، بشكلها النوعي الفاعل،  تُشكّل التدرجات الجوهرية والهامة في تاريخ حضارات الأمم والمجتمعات المتباينة.

يتساءل الكاتب جون توملنسون، وهو أستاذ الاجتماع والثقافة في جامعة نونتنجهام ترنت،  عن مدى ترابط الثقافة كمفهوم، وككيان، بالعولمة. والجواب الشائع ان الثقافة تشكل “بُعداً” من أبعاد العولمة “فالثقافة مهمة بالنسبة للعولمة، فهي تشكّل الجانب الجوهري من عملية الترابط المعقدة برمتها، ويمكننا ان نذهب أبعد من ذلك بأن الثقافة هي في الواقع التي تنشأ الحالة التكوينية للاتصال المعقد في العولمة” (العولمة والثقافة، جون توملنسون، Globalization and Culture, John Tomlinson ,Ed: Polity, London 2013) . هذا الرأي يستوجب التنبيه الى أننا هنا نتكلم عن العولمة، بعيداً عن رأس المال وعن التبادل الاقتصادي والانتقال التجاري وإحلال العمالة الأجنبية وما الى ذلك من مكونات اكثر بروزاً في فضاء العولمة الواسع.

وللعولمة أيضاً، جانب خفيّ شديد القسوة، ينمّي الحس المازوشي وجلد الذات عند الأفراد والمجتمعات، وذلك بإضعاف، وبعض الأحيان مصادرة، القيمة الأخلاقية المحفّزة للكرامة، الفردية أو الجمعية، خذ مثلاً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، لا أعتقد بأن هناك وسيلة إعلامية عربية (معولمة) كانت بمنأى عن حمّى نقل أخبار سفر الخروج، الذي أمتد الى عدة أعوام، بشكل يومي،  وكأن مصير العرب كان مرهوناً بذلك. بمقابل ذلك، كيف تصرف الاعلام العالمي والعربي (المعولم) عند خبر خروج أو تجميد عضوية سوريا من الجامعة العربية، وكيف تعامل الاعلام العالمي والعربي مع مشاكل مصيرية كمشكلة المياه في مصر والسودان وسوريا والعراق. هذا ليس مجرد إعلام، بل هذه بعض من الجوانب الخفية من أيديولوجيات العولمة. فالعولمة هنا، وبفعل مبدأ الكيل بمكيالين، والتراجع الحاد بالمصداقية الاخلاقية، تأخذ شكلاً غاية في القسوة من الضغط على الكرامة الفردية والجمعية، وتنشيط الاحساس بعقدة النقص وبالتالي الأخذ بجَلْد الذات.

وبالعودة الى أيام الوباء هذه، فإن “كورونا” ليس فقط فايروس أو وباء، بل هوأيضاً حدث سلطوي وحدث سياسي يقوم، بسرعة فائقة، بتدريب المجتمعات والأفراد على قوانين الطوارئ وإلتكيّف معها.  هذا الحدث أثبت بإن ليس هناك شيء لا يمكن تغييره، فلا المعايير ولا السلوك ولا حتى الموارد وأساليب الإنتاج قادرة على الصمود أمام وتيرة التغيير المتسارع. إنه حدث متسلط وقسري ولكنه أيضاً مثير ومدهش في آن واحد.   خلال هذه الفترة من وباء كورونا، تغيّرت العولمة بشكل شبه جذري، من تيار إقتصادي ومالي وثقافي وقيمي وترفيهي، الى عولمة أخرى، فجاءت العولمة هذه المرة وهي تحمل وباء كورونا الذي أُصيبت هي أيضاً به، وهي تنقله الى مجتمعات الارض. وفجأة، تنبّه العالم على الإقفال غير المسبوق، والواسع للنشاط التجاري والاقتصادي والمالي والسياحي والثقافي وعلى ركود الحياة اليومية وإنكماشها وإنغلاقها، وبدأ العالم يتحسس فعلا هشاشة العولمة غير القادرة على التنفس في جو الانغلاق، عولمة منكمشة على ذاتها، أنجبت عولمة الكورونا، ولان هذه الاخيرة تدخلت بشراسة بخصوصيات وهوية الأفراد والمجتمعات، إستطاعت أن تبلور، وبوقت قصير ثقافة خاصة بها، ثقافة تعادي الحركة والانفتاح والتسامح والإنصاف. إنها الثقافة الهجينة التي في طور التكوين، إنها ثقافة الكَوْرَنَة.

ومن جوانب أخرى، وبناءً على ماذًكر، فإن العولمة تفرض على المجتمعات مجموعة من المحدّدات، ذات الطابع، الذي يبدو مطاطاً، ولعل أهم المحدّدات، على الإطلاق، هي تلك التي تعني بالهوية على الصعيدين الفردي والجمعي وإنعكاسات ذلك على بنية الثقافة الوطنية. غير أن مراحل وآليات التطور الثقافي تستند الى هيكيلية معقدة إنما حيوية، وديناميكية، ومنفتحة، وحرة لإنها غير مغلقة على زمن بعينه. أي أن الثقافة لكي تكون كذلك، يجب ان تُحافظ على الزمن مفتوحاً، دون تجاهل الماضي والتاريخ الذي أنتج هذه الثقافة. ففي الوقت الذي يمكن للعولمة ان تكون جسراً للترابط بين مختلف المجتمعات وان تكون عاملاً للتكامل فيما بينها، من خلال تدفقات رأس المال، وتوفير فرص عمل جديدة لمئات الآلاف بل الى ملايين من البشر. غير أن للعولمة أيضاً قوى مختلفة، ذكرتُ بعضها كمحدّدات تعمل على تآكل ميزة “التفرد” في الثقافة المحلية وهو مايؤدي بالضرورة الى “تشويه الهوية” والدخول بصراعات تُعرف بداياتها ولكنها  تظل مجهولة النهايات. في حين ان التعامل مع الجوانب الإيجابية من العولمة، وأعني بذلك الفوائد التي تساهم بتنمية المجتمع ورفاهه وازدهاره، والحد من الأخطار الناجمة عن قوى العولمة الاخرى وخاصة على الثقافة وعلى الهوية واحترام التفرد، كما احترام التنوع الثقافي، هما الارضيّة الواقعية للحوار المتبادل بين الحضارات. ذلك الحوار الذي، تزاداد الحاجة اليه كل يوم، يقود، إن كان جاداً، الى السلام العالمي.

وبما ان المنطقة العربية كانت المفجّر الأساسي ومهد الحضارات الأولى التي قادت المجتمعات المختلفة في العالم القديم، ليس فقط الى التطور، بل الى “أنسنة” تلك المجتمعات، وذلك بإخراجها (أو المساهمة) من الوضع المتوحش والهمجي الذي كان يسود المجتمعات الأولى الى مجتمعات مدنية متفتحة، على الأقل، بمعايير ذلك الزمان.  وهذه الخصوصية، شديدة الندرة، تستوجب من هذه المنطقة أن تحمل، وهي تقف على ماضٍ وحضارة صلبيبن، كل دوافع الولوج نحو المستقبل. هذه هي وظيفة الثقافة، وبدونها ستتقزم بنية وأبعاد الثقافة پإنشغالها بمحفزات وبدوافع ظرفية وآنية للمجتمع، أي أن تلغي ماهو أساسي في بنية الثقافة: شرط المستقبل.

حافظت المجتمعات العربية على قيم ثقافية متنوعة ومنسجمة ومتوافقة بمرونة وإنفتاح على إمتداد جغرافية المنطقة العربية. هذا التنوع في القيم الثقافية ساعد بشكل فعّال في بلورة تنوع في القيم الاجتماعية، مما زاد من مبررات التقارب والترابط بين هذه المجتمعات. إنما المفارقة البارزة هنا هي، إن هذا الانسجام وهذا الانفتاح والتنوع في القيم الثقافية والاجتماعية عند مختلف المجتمعات لم يواكبه مايوازيه في السلطات الحاكمة لهذه المجتمعات. بل بالعكس من ذلك، فقد تشكلت السلطات بعيدة عن النسيج الثقافي والاجتماعي، ومعاديةً، في غالب الأحيان، لروح التسامح والتنوع، فلذلك جاءت كسلطات “متعصبة بأقنعة مرنة”، إما سياساً وحزبياً، أو دينياً، أو مذهبياً وطائفياً. أي أن حكّام هذه المجتمعات كانوا في حالة إنسلاخ وتغريب تام (Alienation) بعيداً عن روح المجتمعات التي يحكمونها. ولهذا نجد أن من النتائج المنطقية لهذا الانسلاخ عن المجتمع والإحساس بالاغتراب عنه، أن يتحسس الحكام شعوراً حاداً بعدم الأمان، والذي بدوره يقود الى الإستقواء بالآخر من خارج هذه المجتمعات. وهكذا، يصبح الانفتاح التلقائي في الثقافة المجتمعية، شيئاً فشيئاً، إنفتاحاً إنتقائياً بفعل ضرورات الحاكم. مع أن الإنفتاح الانتقائي لا يستكمل شروط فعاليته الحقيقية إلاّ بضمان ممارسة “حريته الواسعة” التي تصون الحفاظ على الهوية المجتمعية، أي الحفاظ على “الكرامة المجتمعية”. ولذلك فإن أي خلل في هذا الفعل الاخير هو الذي يُوقد الانتفاضات والثورات في المجتمعات العربية.

ما أن رحلت الدول الغربية من الدول العربية تباعاً حاملة إرثاً إستعمارياً ثقيلاً، حتى تبرعمت أجيال عربية تحلم بممارسة الحرية كاملة وبتطبيق الديموقراطية، بمفهوم إشراك المجتمع بالقرارات السياسية ضمن أُسس الانتخابات العادلة والنزيهة، ثم التداول السلمي الفعال للسلطة. شابت (كبُرت) تلك الأجيال وأخشوشن حلم الحرية والديموقراطية في ذاكرتها.  فالدول الاستعمارية التي رحلت من هذه الدول العربية، عادت اليها بإعتبارها دول مانحة أو مساهمة بإستقلال البلاد. والاستقلال، هو رمزية عاطفية ووطنية، كان الهدف الأكثر قبولاً عند المجتمعات العربية المتعطشة لاستعادة هوياتها الوطنية. مع ان هذا “الاستقلال” أتى مُغلّفاً بنسيج ثقيل من “الإستغلال”. فتلك الدول (المستعمِرة سابقاً) تدخل البلاد لمساعدة الاقتصاد ثم تتدرج عبر منظمات غير حكومية في مفاصل عديدة ومختلفة من فعاليات المجتمع، بعد ذلك، تساهم في إستخراج وتسليع وتوزيع الثروات الوطنية، وبخلفية كلّ ذلك مصادرة حرية واستقلال القرار السياسي. وهكذا، يتحول الاستقلال تدريجيا، الذي تبرعمت عليه أجيال عربية الى “إستغلال” (وبمساعدة سياسيّ البلد العربي ذاته) يُكبل أجيالاً من العرب ويُهجر أجيالاً أخرى عبر المتوسط الى حيث يفقد البلد الاصيل (الُمنجب لهذا الجيل) ثروته البشرية ومستقبل شعبه.

هناك أمثلة عديدة في المنطقة العربية، إنما المثال الأقرب والأبرز على التسلل الاستعماري وتآكل الإستقلال الوطني هو ما جرى مباشرة بعد فاجعة بيروت الكبرى، بعد مآسي إنفجار مرفأ بيروت. ففي حين كان القادة العرب لايزالون يتساءلون عن الخبر، كان الرئيس الفرنسي يزور موقع الانفجار ويسير بين الناس ويتحدث اليهم في زيارة “المنتصر” الذي طالب بتغيير “قواعد اللعبة السياسية”، وتغيير الحكومة وإيصال المساعدات عن طرق وخيارات متعددة ولكن ليس من بين هذه الخيارات الاعتماد على الحكومة. إستقبل اللبنانيون الزيارة بترحاب كبير خارج الحسابات الأيديولوجية من أليسار واليمين. والتساؤل الذين يُعيدنا الى موضوعنا هو ألم يكن سياسيوا البلد، ذاته، (وهم المغتربين والمنسلخين عن المجتمع) هم نفسهم اللذين ساعدوا على تآكل إستقلال بلدهم؟

وهكذا، علمنا التاريخ أن الأوبئة لها أوقاتها وأزمنتها التي فيها تكون فعّالة وقاتلة للبشر، كما علّمنا حتمية إنتصار العقل الإنساني على هكذا أوبئة. إن وباء كورونا، او كوفيد 19، شكّل ظاهرة استثنائية، بكل المعايير،في حياة المجتمعات حول العالم. غير إن كورونا، كوباء، سيتلاشى تدريجيا ويزول في نهاية المطاف. ولكن إختفاء هذا الوباء لن ينهي تأثيراته على الثقافة المحلية وعلى القيم والسلوك الاجتماعي بل وحتى على أخلاقيات التبادل الإنساني.

ولذلك، نلاحظ بان تأثيرات كورونا قد خلّفت ظواهرعديدة، أهمها قاطبة، هي نشوء أخلاقيات جديدة من حيث التعامل والتواصل الإنساني والاجتماعي، حيث ان هذا التواصل اصبح مقنناً بالأمتار، إضافة الى أحاسيس التردد والحذر من الآخر (أي مايزيد نسب تراكم الحذر، الموجودة أساساً،، فيما بين الأفراد في المجتمعات الغربية) وما افرز ذلك من طرق جديدة للتحية بين الناس عوضاً عن المصافحة والتقبيل المعروفة منذ مئات أو ربما آلاف السنين. أخلاقيات التعامل هذه تمتد لتشمل بروتوكولات الجلوس في المقهى، وفي المطعم، وفي السينما، وفي المسرح، وفي دار الأوبرا، وفي الطائرة، والقطار، والمترو بل وحتى الجلوس على شواطئ البحر. لان كل ما سبق لم يعد كما كان بعد كورونا. فزيارة المتاحف والقصور القديمة والمناطق الأثرية خضعت هي الاخرى لمنطق (وثقافة) كورونا، وأصبحت مقننة من حيث العدد الذي ينخفض الى الثلث او الربع من العدد الاستيعابي الطبيعي الذي كان يسمح به قبل الوباء. كلّ ذلك وعلى الأفراد جميعاً أن يرتدوا كمّامات للوقاية من الوباء. ولكن الطرافة في ان ذلك جعل من المجتمع بأكمله يتحجب في وقت كان يعادي فيه السيدات المحجبات، المسلمات، داخل ذات المجتمع. إضافة الى تغيير قواعد العمل في المكاتب والشركات والبنوك والجامعات والمدارس والالتزام بالعمل عن بعد عن طريق التواصل الرقمي المباشر. والإلتزام، بقدر الإمكان، بثقافة المكوث في البيت. هذا عالم جديد لم يسبق ان خبرته البشرية، عالم يدعونا جميعاً الى التدّرب عليه للتمكن من التكيّف معه من أجل مواصلة العيش.

اليست هذه الدلائل كلها تشير الى تكّون بطيئ، لكنه أكيد، لثقافة جديدة تشمل كل تشوهات العولمة وإنحرافات الثقافة التي ينبع منها قيم جديدة هي الاخرى في طور التكوين؟ سأسرد هنا الجانب الاخر من النشاط الرأسمالي في فضاء العولمة وفي زمان كورونا.

خلال فترة إغلاق البلدان، برزت الثقافة والفنون كنافذة حيوية نحو الحياة، كما هي مصدر للتواصل الاجتماعي لمئات الملايين، وربما مليارات، من البشر. مع ان الثقافة كانت من أوائل الضحايا خلال فترة الإغلاق حيث ان معظم، أو جميع مصادر الثقافة تعتمد بالأساس على تواجد جمهور من المتابعين (قد يكبر أو يصغر العدد حسب نوع النشاط الثقافي)، ولكن بإغلاق المدن وأنشطتها الثقافية تأثرت اقتصاديات الثقافة بشكل مباشر وخطير، فمثلاً إن أكبر شركة ترفيهية ( entertainment ) في العالم هي شركة Cirque du Soleil في كيبك، كندا. والشركة تضم، إضافة الى العروض المسرحية والموسيقية الإستعراضية، عروضاً ومنتجات للسيرك التقليدي الشهير “سيرك الشمس”. أضطرت هذه الشركة الى الاستغناء عن 95  بالمائة من الفنانين والعاملين في الشركة منذ نهاية آذار/مارس 2020. وكلما زادت فترة الإغلاق كلما كان هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر وملموس على الثقافة ومصادرها المنتجة واعني بشكل خاص الفنانيين العاملين في مجالات المسرح والأوبرا والحفلات الموسيقية، يلي ذلك الفنانين العاملين في السينما والتلفزيون. فالإغلاق يؤثر بشكل مباشر على عمل الفنانين، فالحفلات الموسيقية أُلغيت، والمهرجانات المسرحية والسينمائية أُجلت وتأخر إطلاق البومات الموسيقى، وعلّق العمل في انتاج الأفلام والدراما التلفزيونية والمسرحيات وأغلقت دور السينما والمسرح.

بطيعة الحال كلّ هذا كان له آثار مدمرة على سبل عيش الفنانين. (كما رصدت ذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، اليونسكو، في تقريرها الدوري عن تأثير وباء كورونا على الثقافة حول العالم الصادر في نيسان/أبريل 2020). إضافة الى تسريح مئات الآلاف، وربما الملايين، من العاملين في قطاعات مختلفة، وإغلاق عدد من الشركات متعددة الجنسية وتسريح موظفيها حول العالم. في مقابل هذه الوقائع المأساوية، نلاحظ بأن مؤسس شركة أمازون Amazon الامريكية، الملياردير جيف بيزوس Jeff Bezos تمكن من تسجيل رقم قياسي في الأرباح، حيث حقق مكاسب بلغت عشرة مليارات جنيه أسترليني (حوالي ثلاثة عشر مليار دولار أمريكي) خلال يوم واحد فقط !! وهو يكون بذلك قد سجل أكبر حجم أرباح يتم تحقيقه في يوم واحد ولشخص واحد في تاريخ البشرية ( كما ذكرت ذلك جريدة ديلي مرر البريطانية ( Daily Mirror ) في عددها المؤرخ في 25 تموز/ يوليو 2020) (والمنشور أون لاين)، طبعا لم يكن بيزوس وحيداً في هذه الأرباح الخيالية، فمؤسس فيسبوك، مارك زوكربيرج   Mark Zuckerberg زادت ثروته خلال فترة الإغلاق، أي منذ مارس/آذار وحتى تموز/يوليو  بمبلغ خمسة وخمسين مليار دولار لتصبح ثروته إثنان وتسعون مليار دولار. واكتفي بهذين المثالين الهائلين على حالة إنعدام الإنصاف الذي يتسم به عالمنا. كما ان هذين المثالين يمكن أن يُؤشرا بوضوح الى مستقبل التجارة الإلكترونية في مختلف مجتمعات العالم. كما يُؤشرا الى التكوين، القسري، البطيء للثقافة الهجينة التي على المجتمعات تبنّيها: ثقافة كورونا.

في هذه الأوقات الحرجة من مسيرة المجتمعات، تقف الثقافة والفنون في لحظة فارقة من التاريخ الإنساني. فهما يلعبان دوراً محورياً في المجتمع، حيث ان الثقافة والفنون تمهّدان الطريق نحو التفكير النقدي. كما توفركلّ منهما فضاء إبداعي للمجتمع تطرح فيه قضاياه اليومية كما تطرح قضاياه المصيرية بأساليب الجمال الفني والإبداعي ومصادره المتنوعة. كما تلعب الفنون والثقافة دوراً حيوياً آخر، ففي أوقات الأزمات السياسية بين المجتمعات المختلفة وإنقطاع الصلات، تقوم الفنون والثقافة بمقام الجسر بين هذه المجتمعات، كما تساهم في ردم الهوة السياسية بينها. فالثقافة والفنون تساهم بشكل حقيقي وفاعل في رسم شكل المجتمع وتحديد إتجاهاته. ومع ذلك شغل قطاع الثقافة المرتبة الأدنى في أولويات التنمية المستدامة في المنطقة العربية. ولكن اللافت في تقرير منظمة اليونسكو (المذكور أعلاه) مايستحق التنويه له.  ففي الفترة بين مارس/آذار وأبريل/نيسان 2020  رصدت منظمة اليونيسكو مساهمة ثمانية بلدان مالياً في قطاع الثقافة.  فقط ثمانية بلدان، من كل بلدان العالم.  وبرز أسم تونس (الجمهورية التونسية) كبلد وحيد من بين الدول العربية الذي ساهم بضخ مبلغ 17 مليون دولار في قطاع الثقافة على الصعيد الوطني، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وبخلاصة القول، مهما كانت شدّة انحرافات العولمة، ومهما توسّع الفضاء الذي تتمدد به، فإن في الفضاء الثقافي والفني والإبداعي يكون التشكيك و اللايقينية هما المعيار الأساسي للنظر لما هو أبعد من الحاضر، اي لما هو “مستقبلي”، وماهو مستقبلي في الثقافة والفن، ومجالات الإبداع كافة، لايقتصر إطلاقاً على ماهو ممكن ومتاح، بل على مايُطمح اليه وأكثر من ذلك. ففي الفن يسعى الإبداع لوضع إشارات الممكن على مواقع المستحيل.

وأختتم بمقولة من المهاتما غاندي “… أُريد أن تهبّ كل ثقافات الارض قرب منزلي، بكل حرية، إن أمكن ذلك، لكني أرفض أن أتقلّب من جراء رياحها العاتية”.

شاهد أيضاً

ترامب يغوص في الوحل .. وأمله بالدولة العميقة..!!

ميشيغان – صالح الراشد – صوت العرب – خاص  كلما تحرك أو تكلم يجد نفسه …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: