' rel='stylesheet' type='text/css'>

البحث عن طاغية!؟ 

البحث عن طاغية!؟ 

*د.خالد شوكات :صوت العرب – تونس.

 

كان الأستاذ الطاهر لبيب، عالم الاجتماع والمثقف العربي التونسي البارز، (ابن بلدتي ولا فخر)، قد كتب خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي دراسة هامّة للغاية عنوانها “براديغم الطاعة” نشرت حينها في مجلة “المستقبل العربي” (التي يصدرها منذ 1978 مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت)، ومن تجليات هذا البراديغم كما شرح ذاك “السوسيولوجي” المتميّز العارف بخبايا العقل السياسي العربي والملم بالشخصية العربية الاسلامية، أن  الناس في عالمنا مولعة بالطغاة، ولكنهم ليسوا أوفياء لهم، فبمجرد خروج الطاغية من الحكم، لسبب طبيعي كالموت والمرض، أو غير طبيعي كالانقلاب والاغتيال والثورة، يهلل الناس ويكبرون لمن جاء في مكانه وورث السلطة عنه، هكذا ظهرت أمثال شعبية من قبيل “الله ينصر من أصبح”، و”مات الملك عاش الملك”، تترجم النظرة السائدة في التعامل مع الملوك والسلاطين.

لكن الناس في بلادنا لا يطيعون الطغاة فحسب بل يعشقون الطغاة، فقد ألفوا المستبدين وتطبّعوا بالركون الى الطغاة، ولا يَرَوْن الحاكم إلا طاغيا مستبدا، وهو ما عبّر عنه المفكر العربي الثائر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه ذائع الصيت “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، الذي شرح فيه كيف أنَّ “العوام هم قوة المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، اذا أسرف في اموالهم يقولون كريما، واذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيما، يقودهم الى الموت فيطيعونه حذر التبويخ”.

الكواكبي ايضا يشير إلى أن الاستبداد يزرع كل الرذائل، اي انه يدفع الناس الى ثقافة النفاق والازدواجية والكذب والخديعة وعدم الوضوح وعدم الوفاء وغيرها من المعايب، ومن هنا فان المعاناة الكبرى تظهر عندما يزول حكم المستبدين، وقيام أنظمة سياسية تحترم الحرّيات وحقوق الانسان، ستجد نفسها متورطة في مجتمعات وعقليات بنيت وخربت وانحرفت في ظل الأنظمة الاستبدادية السابقة، وفي مراحل الانتقال الديمقراطي مثلا نجد ان أهم معضلات المجتمع وأخطرها  هي الأزمة الاخلاقية المستفحلة جراء مواطن تشكل عقله وثقافته وشخصيته وفقا لشروط العيش تحت حكم الطغاة.

الدكتور إمام عبد الفتّاح إمام الكاتب المصري المعروف، نشر في بداية التسعينيات أيضا كتابا شديد الاهمية في معالجة موضوعنا، كان عنوانه “الطاغية.. صور فلسفية من الاستبداد”، شرح فيه الأمراض النفسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والسياسية التي تقف وراء انتاج الطاغية وتفسر استمراره، في سياق تاريخي وجغرافي أَلِفَ الاستبداد والطغيان لقرون.

لقد قلت مراراً، وكتبت تكراراً، كيف علينا كتونسيين أن نتواضع ولا نتسرع ونصبر لأن نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس يحتاج نفسا طويلا وشاقا وتضحيات كبيرة، فالانتقال الديمقراطي ليس مجرد انتقال سياسي أو قانوني أو دستوري فحسب، بل هو أعمق من ذلك، انه قطيعة ابستمولوجية ونفسية وثقافية مع نمط من الحكم استمر مهيمنا قرونا طويلة، اذا ذهب هرقل جاء هرقل، وكلما رحل طاغية صفّق الناس لطاغية جديد.

ولا يقتصر أمر الانشداد لحكم المستبد على العوام، بل ان كثيرا من النخب والمثقفين، أي الخاصة، ممن ألفوا خدمة الأنظمة الاستبدادية، لا يجدون حرجا في التنظير لهذا الحنين وتزكية صور “النوستالجيا” الخادعة التي تسوّق شيئا فشيئا للماضي الاستبدادي كلما ابتعدنا عن لحظة سقوطه، بل لا حرج لدى هؤلاء في ركوب موجات الردة واستثمار الأوضاع الانتقالية الصعبة لتقديم مشاريع نكوصية مادامت ستؤمن لهم عودة إلى رِكاب السلطة، ولو على حساب المستقبل والمصالح العليا واتجاه التاريخ الانساني، وليس أدل من هؤلاء الذين يخرجون علينا بين الفينة والأخرى ليقنعونا بأفضلية حكم الطاغية، ويثبتون لنا أن أفضل المؤهلين لهذه “الوظيفة الوطنية السامية” في أعادتنا الى نادي المستبدين، هو “الطاغية الجديد” المحتمل الذين يدعمونه.. فاشي أو شعبوي أو أمني أو عسكري.. المهم أن يكون فيه بعض من ريحة المرحومين “الزعيم بورقيبة” و”الرئيس بن علي”.

قدرنا برأي هؤلاء أن يقودنا طاغية، فنحن قوم كما يعتقد هؤلاء لا نرهب إلا العصا ولا نحترم القانون إلا بالعصا ولا نتقدم أو نزدهر أو نبني أو نعمر أو ندرك تنمية إلا بالعصا.. عبيد نحن هكذا ولا يصلح بِنَا ان ننال الحرية والخبز معاً.

*باحث ووزير سابق.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: