' rel='stylesheet' type='text/css'>

الاقتصاد السوداني . غنى الموارد وتداعيات الصراعات

محمد عمران كشادة
مدير مكتب صوت العرب
طرابلس / ليبيا

 

لا شك بان الاقتصاد السوداني يعاني من ازمة كبيرة ، ووراء هذه الازمة تقف اسباب عديدة ، من اهمها العقوبات الامريكية المفروضة على السودان منذ عام 1997م ، وهي عقوبات انهكت الاقتصاد السوداني وتسببت له في خسائر فادحة ،

في يناير عام 2017م قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني بدر الدين محمود : ” إن خسائر [tooltip text=”الخرطوم” gravity=”sw”]عاصمة السودان وقلب أفريقيا -بالنسبة لخطوط الطيران- تمتاز بموقعها الإستراتيجي عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، ما جعل منها منطقة جذب سياحي تزخر بكثير من المعالم الطبيعية والأثرية. الموقع تقع الخرطوم في منتصف المساحة المأهولة وسط السودان تقريبا -أقرب إلى الشرق- بين خطي العرض 16 شمالا و15 جنوبا وخطي الطول 21 غربا و24 شرقا. وتمتد مساحتها البالغة 20 ألفا و736 كيلومترا مربعا بين الضفة الغربية لنهر النيل الأزرق من الناحيتين الشرقية والشمالية، والضفة الشرقية للنيل الأبيض من الغرب وسهل الجزيرة تجاه الجنوب. وتتوسط الخرطوم ولايات كسلا والقضارف والنيل والجزيرة والنيل الأبيض وشمال كردفان. وهي أيضأ قريبة من ولايات النيل الأزرق والشمالية وسنار وجنوب كردفان، وتفصلها عن ولايات دارفور الكبرى أرض صحراوية جرداء. وتقع المدينة على ارتفاع 382 مترا عن سطح البحر فوق أرض سهلية مستوية السطح مع انحدار طفيف نحو مجرى نهر النيل، والمناخ فيها معتدل في فصل الشتاء مع ارتفاع في درجات الحرارة في الصيف وهطول أمطار غزيرة في موسم الخريف. وتتميز المدينة بموقعها الإستراتيجي في وسط السودان حيث التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض الذي جعل منها منطقة جذب سياحي تزخر بالمعالم الطبيعية والأثرية، ومحور نقل واتصالات محليّة وإقليمية. السكان يبلغ عدد سكان مدينة الخرطوم 2.682.431 نسمة، وتتنوع التركيبة السكانية فيها نتيجة الهجرات العديدة إليها منذ عهود قديمة، فإلى جانب الجنسيات والقوميات المختلفة التي قدمت مع جيوش محمد علي باشا وأعداد الموظفين الكبيرة من أصول غير سودانية مثل الأتراك والشركس والأرناؤوط والإغريق والسوريين والمصريين والأرمن والأكراد، وفدت مؤخرا إلى الخرطوم عمالة أجنبية شملت الأتراك والصينيين والبنغال. كما هاجرت إلى الخرطوم جماعات من البلدان الأفريقية المجاورة وغير المجاورة لأسباب سياسية واقتصادية وبسبب موجات الجفاف في بلدانها، ومن بين هؤلاء المهاجرين لاجئون من إثيوبيا وإريتريا وتشاد وزائير ومن الصومال وجنوب أفريقيا، هذا فضلا عن الهجرات الداخلية من ولايات السودان المختلفة لأسباب عديدة في مقدمتها الهجرة التقليدية من الريف إلى الحضر، وبسبب الحرب في بعضها كما في دار فور وجنوب كردفان. التاريخ يرجع تاريخ تأسيس الخرطوم -بوصفها عاصمة- إلى العقود الأولى من القرن التاسع عشر إبّان فترة الحكم التركي المصري للسودان، إلا أن تاريخها مركزا للاستيطان البشري أبعد من ذلك، فقد عاش فيها الإنسان منذ العصر الحجري، كما كان موقعها موطن حضارة قديمة عُرفت بمملكة علوة. شهد القرن الماضي أول مرحلة من مراحل ازدهار الخرطوم عندما شيدت العمارة في العهد البريطاني المصري على النسق المعماري الإنجليزي، والذي لا يزال ماثلا للعيان في الأبنية القديمة في جامعة الخرطوم وبعض المرافق الحكومية المطلة على النيل، والتي تحول بعضها إلى متاحف مفتوحة للجمهور، وفي بعض الجسور المقامة على نهر النيل التي تربط المدينة بما يحيط بها من مناطق حضرية. وقد اختلفت الروايات حول سبب تسميتها بهذا الاسم ومعنى اللفظ، ويرجح أن التسمية ترجع إلى شكل قطعة الأرض التي تقع عليها ويشقها نهرا النيل ويلتقيان فيها في شكل انحنائي يرسمان به ما يشبه خرطوم الفيل.[/tooltip] بلغت 45 مليار دولار خلال الفترة الماضية ” ، في حين رأى خبراء اقتصاديين بان خسائر السودان نتيجة العقوبات  تصل إلى أربعة مليار دولار في العام ، كما ان الحروب والصراعات التي عانى منها السودان في الجنوب وفي اقليم دارفور كان لها دور كبير في خلق الازمات والمشكلات التي الحقت الضرر باقتصاد السودان ، وليس خافيا على احد بان انفصال جنوب السودان وولادة دولة الجنوب في يوليو عام 2011م ، وخسارة السودان لانتاج وتصدير النفط الذي تقع حقوله في الجنوب قد كان له دور كبير في معاناة السودان وحرمانه من عائدات النفط لانعاش اقتصاده فقد حرم السودان من حوالي 75% من عائداته النفطية ودخل الاقتصاد السوداني في حالة الانكماش ،

الان في عام 2018م وصل معدل التضخم الى مستويات قياسية حيث بلغ 67% ، هذا ما دفع الحكومة السودانية الى اتخاذ مجموعة من الاجراءات والقرارات والسياسات الاقتصادية لانقاذ اقتصاد البلاد ، الاحد 7 اكتوبر الجاري قامت الحكومة السودانية بتحديد سعر جديد لصرف العملة المحلية عند 47.5 جنيه للدولار، وقبل ذلك بايام اعلن البنك المركزي السوداني بانه سيتم تحديد سعر الصرف اليومي من خلال هيئة مشكلة حديثا من المصرفيين ومكاتب الصرافة في إطار حزمة إجراءات لمواجهة الازمة الاقتصادية ، واضاف البنك المركزي السوداني بانه سيتم طباعة عملة جديدة من فئة 100 جنيه للمرة الاولى ، مؤكدا انها ازمة عميقة تلقي بظلالها على اقتصاد السودان البلد الغني بالموارد ، الغارق في الحروب والصراعات ، وهو البلد الذي دعم وايد كل مبادرات السلام ،

ازمة اقتصاد السودان هي نتاج تراكمات وتداعيات الحروب والصراعات منذ فترة زمنية طويلة ، ولقد كان التقارير الدولية كثيرا ما تتحدث عن ازمة الاقتصاد السوداني والمشكلات التي يعاني منها ،

في يناير عام 2017م صدر تقرير [tooltip text=”لـ صندوق النقد الدولي  ” gravity=”s”]مؤسسة مالية دولية تختص بتقديم القروض إلى الدول الأعضاء لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها، وبذلك تعمل على استقرار أسعار الصرف, وتفرض في المقابل على الدول المقترضة أن تستشيره بشأن الخطوات التي تتخذها لتحسين وضع ميزان مدفوعاتها. التأسيس تعود نشأة الصندوق إلى يوليو/تموز 1944 عندما وقعت 29 دولة على ميثاق الصندوق في مؤتمر بريتون وودز بالولايات المتحدة الأميركية في الفترة من 1-22 يوليو/تموز 1944، وبدأ ممارسة أعماله في الأول من مارس/آذار 1947. المقر يوجد مقره بالعاصمة الأميركية واشنطن ويشغل حوالي 2600 موظف. الأهداف الهدف الأساسي للصندوق هو تحقيق التعاون الدولي في الحقل الخاص بالنقود للتخلص من القيود على الصرف الأجنبي كي تستقر أسعار الصرف، وبذلك يمكن الموافقة على قبول عملات الدول الأعضاء في المدفوعات فيما بينها. وقد اتفق على أن تلتزم كل دولة من الدول الأعضاء بسعر الصرف المحدد لعملتها ولا تسمح بتقلبات هذا السعر إلا في حدود +/- 1%, وسعر الصرف المحدد يكون على أساس الدولار الأميركي، وهو بالتالي مرتبط بالذهب وفقا لسعر معين. يبلغ عدد الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي 187 دولة ويجتمع مجلس أعضائه مرتين في السنة. ويسعى إلى تحقيق تلك الأهداف من خلال آليات محددة، حيث ينص نظام الصندوق على أنه يجب على كل دولة عضو فيه أن تأخذ إذن الصندوق قبل خفض أو رفع قيمة عملتها، كما يجب عليها أن يكون لها حصة في أموال الصندوق تتكون من 25% ذهب و75% من عملة الدولة نفسها. ويختص الصندوق بتقديم القروض إلى الدول الأعضاء لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها، وبذلك يعمل على استقرار أسعار الصرف. ويرجع تحديد إمكانية الاقتراض وحقوق التصويت إلى حصة الدولة في أموال الصندوق، فأميركا مثلا لها حصة تصويت بنسبة 23%، والمجموعة الاقتصادية الأوروبية مجتمعة لها حصة تصويت بنسبة 19%. الهيكلة يمثل مجلس المحافظين واللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية ولجنة التنمية المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والمجلس التنفيذي، الهيئات العليا التي تحكم عمل الصندوق، فيما يشرف المدير العام ونوابه على المكاتب والإدارات المتخصصة والمنتشرة في مناطق مختلف العالم. من ضمن تلك المكاتب يوجد مكتب التدقيق والتفتيش الداخلي، ومكتب الميزانية والتخطيط ومكتب الاستثمار. وإلى جانب مكتب المعلومات والاتصال، لدى الصندوق عدة هيئات إدارية بينها إدارات الشؤون القانونية والأسواق النقدية والاستراتيجيات والسياسات والبحوث والإحصاءات وتنمية القدرات. كما أن لديه إدارات مختصة بشؤون المناطق الجغرافية، بينها الإدارة الأفريقية، وإدارة آسيا والمحيط الهادي ومكتب صندوق النقد الدولي في أوروبا بالإضافة إلى إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإدارة نصف الكرة الغربي. التمويل تشكل اشتراكات البلدان الأعضاء أهم مورد للصندوق، وتتمثل أهمية الاشتراك في أنه على قدر حجم التمويل يتحدد عدد الأصوات. تعد الولايات المتحدة أكبر المساهمين في الصندوق، فيما تعتبر سيشيل أصغر المشتركين. عندما تحصل الدولة على قرض يكون ذلك في مقابل تقديم قيمة معادلة من عملتها الخاصة، وعلى الدولة أن تسترد هذه العملة الخاصة بها في مدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. وقد أظهرت مجموعة الدول العشرة -التي تتكون من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا والسويد وكندا واليابان- استعدادها لدعم خط ائتماني للصندوق عندما أصبحت هناك حاجة ماسة إلى زيادة أمواله وكان ذلك في عام 1962. ومنذ عام 1972 بدأ الصندوق في توزيع حقوق السحب الخاصة على أعضائه بنسبة حصصهم في أموال الصندوق.[/tooltip]  جاء فيه: “السودان يعد بلدا هشا، منخفض الدخل يواجه قيودا محلية ودولية شديدة واختلالات اقتصادية كبيرة”، وتوقع الخبراء في التقرير تراجع معدلات نمو الاقتصاد السوداني ، وفي ابريل عام 2018م صدر تقرير عن البنك الدولي جاء فيه : ” بأن السودان لايزال يعاني من ضغوط الديون الخارجية التي بلغت 54 مليار دولار منها 85% متأخرات ” ،

وجاء في التقرير ايضا : ”  تضم قائمة دائني السودان مؤسسات متعددة الاطراف بنسبة 15% ، ونادي باريس 37% ، واطراف اخرى بنسبة 36% ، ثم القطاع الخاص بنسبة 14% ،

وفي تقرير مشترك بين البنك الدولي ووزارة المالية السودانية حول استراتيجية خفض الفقر في ورشة عمل جاء فيه : ” ان المتأخرات المستحقة للمؤسسة الدولية للتنمية بلغت 700 مليون دولار، بينما بلغت المستحقات لصندوق النقد الدولي ملياري دولار ” ،

إذن تؤكد التقارير الاقتصادية الصادرة عن المؤسسات الدولية بأن الاقتصاد السوداني يعاني من ازمة حقيقية ، الا انه ليس كل تقارير البنك الدولي والمؤسسات الدولية تقدم صورة قاتمة عن وضع الاقتصاد السوداني ،

في اكتوبر الجاري عام 2018م جاءت توقعات البنك الدولي متفائلة عن اقتصاد السودان ، جاء في توقعات البنك الدولي : ” من المتوقع أن يرتفع معدل نمو الناتج المحلي في السودان العام القادم 2019م إلى معدل 3.1% ، ثم يرتفع الى 3.5% في عام 2020م ، وهي توقعات تنسجم مع توقعات البنك الدولي بارتفاع النمو الاقتصادي في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بنفس المستوى ، وترجع الاسباب في ذلك حسب البنك الدولي الى توقعاته بارتفاع إنتاج قطاع التعدين واستقرار أسعار المعادن ، وما ينتج عنها من تعزيز للنشاط الاقتصادي في البلدان المصدرة للمعادن ، وإلى تحسن الظروف الزراعية واستثمارات البنية التحتية في بلدان أخرى في المنطقة” ،

الرهان الحقيقي اليوم لانقاذ اقتصاد السودان من ازمته يكمن في مدى قدرة الحكومة السودانية على انتهاج سياسية اقتصادية حكيمة ، وفي تنفيذ اصلاحات اقتصادية حقيقية ومعالجات تخفف من وطأة الازمة وتداعياتها على مستوى معيشة الشعب السوداني ، كما ان الشعب السوداني تقع عليه مسؤولية كبرى في ان يكون واعي ومتفهم لطبيعة التحديات التي تواجه البلاد داخليا وخارجيا ،

السودان مستهدف في امنه واستقراره ومستقبله ومنذ زمن بعيد ، فلم تكن العقوبات الامريكية المفروضة على السودان عبثا ، ولم يكن اشتعال الحروب الاهلية والصراعات في الجنوب وفي اقليم دارفور بمعزل عن تدخلات دول استعمارية كبرى واخرى اقليمية ، كل ذلك كان بهدف استنزاف السودان الغني بالموارد ،

ثروات هائلة من النفط والغاز والمياه ، والثروات الزراعية من الاراضي الخصبة والاغنام والمواشي ، ناهيك عن الموقع الاستراتيجي للسودان وامكانية استثماره في التجارة الدولية وتجارة العبور ، كلها موارد وامكانيات يحوزها السودان تقلق الدول الاستعمارية الكبرى ، والشركات المتعددة الجنسية المهيمنة على اقتصاد العالم ،

يمكن القول بان السودان يدفع ثمن مواقفه الاسلامية والعروبية ايضا ، وهو البلد العربي الاول الذي وقع ضحية سايكس بيكو الجديدة في القرن الواحد والعشرين عندما تم تقسيمه وفصل الجنوب عنه في يوليو عام 2011م ، ويراد له بان يظل منشغلا بالحروب والصراعات والازمات حتى لا يصبح قوة في المنطقة ،

ان دول الخليج العربي التي لديها استثمارات تتجاوز 23 مليار دولار في السودان ، تقع عليها مسؤولية تاريخية لدعم السودان في مواجهة ازمته الاقتصادية ،

لابد ان تقوم دول الخليج العربي وخاصة السعودية بالمبادرة لعقد مؤتمر اقتصادي عربي لدعم السودان ، لطالما وقف السودان داعما لدول الخليج العربي عندما تتعرض للعدوان ،

في حرب اليمن المشتعلة منذ مارس عام 2015م قدم السودان دعم كبير لقوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية والامارات ، وسقط الضباط والجنود السودانيين شهداء على ارض اليمن ، رغم شدة وطاة هذه الازمة الاقتصادية ، نحن على ثقة بان صانع القرار السياسي في السودان ، وخبراء الاقتصاد السودانيين ، امامهم فرص وبدائل لانتهاج استراتيجيات لحل الازمة، وانقاذ البلاد ،

السودان غني بالموارد والثروات التي تؤهله لان يصبح قوة ذات شأن في المنطقة ، ولن يفلح اعداؤه في استنزافه واخراجه من مسرح التاريخ .

 

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: