' rel='stylesheet' type='text/css'>

الأشوريات على شواطيء الأطلسي!!

الأشوريات على شواطيء الأطلسي!!

[tooltip text=”هشام زهران-اونتيريو” gravity=”nw”][/tooltip]


كعادة كل الهاربين من الضوضاء…ضوضاء المرحلة وضوضاء البشر والمراقص التي تصدح بأصوات موسيقية لا تمت للجذور الطينية بصلة .. كنت انتبذ مكانا شرقيا على شواطيء الأطلسي في حديقة كبيرة ارتقي فيها كل مساء سلما نحو منارة بين الأمواج لاستمع لموسيقاي الخاصة المحمولة على اجنحة الاسطورة معي قهوتي ولغتي التي أعشق  لأجلس في مربع وسط المنارة يبعث اضواء نابضة ، فاراقب اكتمال القمر او انعكاس الدورة الشهرية له على صفحات الماء…

ولأن ثقافتي عصيّة على الإختراق افضّل في ساعات الوحدة بعد منتصف الليل مراقبة القمر وهو يهمس للامواج بحكايا لايسمعها غيري، وغالبا ما كان يدلف للمكان بعض الشبان والصبايا ليطوفوا بالمنارة ..يستمعون لموسيقاي بمرح ، بعضهم يرقص وبعضهم يحاول التحرّش لمعرفة اسم المقطوعة أو العازف ويمضي بسلام والبعض الآخر يجلس بالقرب مثل “أبو شريك” يريد ان يقاسمني طقوسي الميثولوجية فاشعر بالضجر من هؤلاء المتسللين  وأغادر نحو بقعة منعزلة على الشاطيء أراقب الأمواج..!!

ذات مساء قريب .. دافيء صافٍ صعدتُ نحو منارتي وبدأت أمارس طقوسي السريّة في مراقبة القمر والاستماع لمقطوعاتي الموسيقية من هاتفي النقّال وكانت المنارة خالية تماما إلا من بعض المتسلقين مع حبيباتهم لثوانٍ ويغادرون…!!

انتصف الليل وبدأ السحاب ينقشع عن وجه القمر الذي بات ينغلق على ذاته نحو شكل المحاق…ولوهلة تخيّلت  كمجنون اني ملك المحيط والشاطيء لولا تسلل ثلاثة ظلال خلفي لم انتبه من هم وماذا هم ..!!

جَلَست الظلال بالقرب حول صحن المنارة وبدأ حوار هامس بينها استطعت ان اكتشف أنها لكنة شرقية ولكنها ليست عربية فقلت في نفسي ..دقائق وأغادرة إذا استمر هذا الضجيج…ورمقت الظلال بنظرة سريعة لاستكشف أي المخلوقات هؤلاء…كانت الملامح بين آسيوية وايطالية …وكان الحوار يستمر بنفس اللغة التي ميّزت منها حروفا مثل حرف الخاء يتكرر..

نصف ساعة وأنا اواصل التقاط صور للقمر واواصل الاستماع للمقطوعات إلى أن قررت أن اختم “سهرتي معي”..بالنشيد المعتاد كل مساء “موطني” قصيدة ابراهيم طوقان بعزف على العود …وما كادت المقطوعة تبدأ حتى كانت كل الظلال خلفي تردد بصوت واحد حول المنارة “موطني ….الجلال والجمال والبهاء والكمال في رباك”!!

شعرت بالموج يضج ، وبالقمر يبتسم وكأنّ الزمن توقّف عند هذا المشهد ولم اتمالك نفسي من الوقوف والاستدارة نحو ظلال الفتيات الثلاث والاقتحام على غير عادتي …اسمي هشام من القدس العتيقة …وكانت حماسة الفتيات غير متوقعة …عرّفن بانفسهن انّهن اشوريات عراقيات مغتربات في كندا….!!

بدأ حوار ثقافي عميق حول الأسطورة البابلية والأشورية والرمز المتنقل والوطن والموج وحكايا البحر ودجلة والفرات وحضر ملجأ العامرية أيضاً …!!

وكم أذهلتني ثقافة تلكم الفتيات اللاتي لم يتجاوز عمر اكبرهن 30 عاما…وكم سرّني هذا الانتماء الوطني للنشيد حتى أن اصغرهن عمرا وكانت في سن السابعة عشرة عرفت مصدر النشيد ومن مؤلفه !!

الأشوريات وطن!!

على حواف الأطلسي ولبرهة …حضرت بابل وأكّد والقدس وتدمر وأوغاريت وتوراة كنعان وحضر العراق بكامل حلّته..الليل أسود ، والأمواج والعيون سوداء شرقية عراقية والشعر بلون الليل …!!

لم نشعر بدورة الزمن ولم نستيقظ من هذه الإغفاءة التاريخية إلا بعد ثلاث ساعات من الحوار المنتج والراقي حول معنى الحضارة وابنتها المدنية….


فجأة انهمر المطر بغزارة …فركضنا كالاطفال باتجاه السيارة…ونحن نردد معا وبصوت واحد …
(الشباب لن يكلّ…. همّه ان يَستقلّ… أو يبيد!!)


في لحظة اغفاءتي الأخيرة على الوسادة كان العراق العظيم بكامل ظلاله يحرس الاحلام…هذه الأوطان لن تموت…سنسترد الأسطورة!!!


لقد استعدنا أسطورة السبي البابلي!!!
هنّ حفيدات كاهنات المعابد المقدّسة في آشور وبابل!!


شتّان بين ((موتني)) و …. ((موطني))!!

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: