' rel='stylesheet' type='text/css'>

“الأزمة اللبنانية” .. كيف ساهمت النخب ومصرف لبنان في أزمة الديون الحالية؟

ديفيد جاردنر

صحفي مختص في الشئون الدولية

في غرب بيروت الأسبوع الماضي، أطلق رجلٌ بائس النار على نفسه ومات. وكان يحمل لافتةً بجملة مُقتبسة عن الملحن اللبناني زياد الرحباني: “أنا مش كافر”. وتقول الأغنية في المقطع التالي: “بس الجوع كافر”. وفي لمحةٍ أخرى عن اليأس الشديد، التقطت كاميرات المراقبة مشهداً أذاعته شاشات التلفزيون لرجلٍ مُسلّح يقتحم صيدلية من أجل الحصول على حليب أطفال، وليس سرقة خزنة النقود. بينما استهل مذيعٌ إحدى نشرات الأخبار بمقاطع مُروّعة لطوابير الطعام في فنزويلا وإيران، ثم سأل المشاهدين إن كان هذا هو لبنان الذي يُريدونه. وفي حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه؛ فهذا هو المكان الذي تتجه إليه البلاد الآن.

إذ بدأت تظهر طوابير الطعام في لبنان بالفعل. بالتزامن مع غرق الطبقة المتوسطة أكثر، بعد أن تدمّرت هذه الطبقة مالياً من قبل إبان الحرب الأهلية في البلاد بين عام 1975 و1990.

وفي العام الماضي قدّر البنك الدولي أنّ 48% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وهذا قبل الانفجار المالي والحطام الاقتصادي الناجم عن الإغلاق بسبب فيروس كورونا.

وفي العام الجاري لم تُسفر المحادثات بين لبنان وبين صندوق النقد الدولي، حول القروض العاجلة لإنقاذ البلاد من الديون المركّبة والأزمة المصرفية والمالية والاقتصادية، عن أيّ تقدّم ملموس بعد أكثر من شهرين.

ولا تُوجد الكثير من مشاعر العداء تجاه صندوق النقد الدولي في لبنان، على غير المعتاد من دولةٍ ضعيفة مُجبرة على طلب حزمة إنقاذ مالي. إذ يحتفظ اللبنانيون بغضبهم للطبقة السياسية الفاسدة -أمراء الحرب المتقاعدون وسلالات الطوائف الدينية الـ18 في البلاد-، والمنظومة المصرفية المتضخّمة التي تربّحت بشدة من تمويل تلك الطبقة.

ورغم أنّ الحكومة وافقت بالإجماع على المسوّدة الـ44 لخطة إنقاذها أواخر أبريل/نيسان، لكنّها أرسلت أربعة وفود لفتح المحادثات مع صندوق النقد الدولي. وبدلاً من المفاوضات الجادة، وجد الصندوق نفسه حكماً في مباراة مصارعة بين الوفود. وهناك الآن معسكران رئيسيان يختلفان حول كيفية جمع الديون التي شلّت لبنان وأفلسته. وهذا أمرٌ مُربكٌ بالطبع.

وأبسط تفسير هو أنّ لبنان في أعقاب الحرب عاش حياةً أكبر من إمكانياته، معتمداً على تمويل وقروض المانحين الأجانب والحوالات الخارجية من الشتات اللبناني لتغطية العجز الهائل في الحسابات الجارية. وظلّت العملة مرتبطةً بالدولار على نحوٍ غير واقعي منذ عام 1997. كما فشل البرلمان في إقرار الموازنة منذ 11 عاماً. ولم ينشر مصرف لبنان تفاصيل حساباته منذ 15 عاماً، وهو المصرف المركزي الذي اعتاد تلقّي الإشادة في السابق ولكنّه في قلب هذا الانهيار الآن. وجرى إقراض نحو 70% من أصول النظام المصرفي -الذي يمتلك ودائع بأضعاف حجم الاقتصاد اللبناني- إلى دولةٍ معسرة مبنية على نظام المحسوبية الطائفية.

وفي مارس/آذار تخلّف لبنان عن سداد دينه الخارجي للمرة الأولى. ومن المذهل أنّ لبنان استطاع تحدّي الجاذبية طيلة هذه الفترة، باستثناء ما يتعلّق بسياسات مصرف لبنان. إذ حافظ رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان منذ عام 1993، على جذب الدولارات من الشتات اللبناني في كافة أنحاء الشرق الأوسط عن طريق تقديم أسعار فائدة عالية بشكل مُدمّر -بأرقام تتألّف من خانتين حرفياً. وأطلق على هذه الاستراتيجية اسم “الهندسة المالية”. لكنّ العديدين وصفوها بحيلة بونزي، ومنهم وزراء وحكام مصارف مركزية سابقون، نظراً لأنّه واصل الاقتراض بأسعار فائدة عالية من نفس البنوك التي يُفترض أن يُسدّد لها.

وقال مصرفيون إنّ المودعين في المصارف اللبنانية، حيث تُوجد ثلاثة أرباع الودائع بعملة الدولار، عاجزون عن الوصول إلى مدخراتهم -رغم نقل المليارات إلى الخارج بواسطة النخب قبل اندلاع الأزمة في أكتوبر/تشرين الأول. وبلغ متوسط سعر الدولار في السوق هذا الأسبوع نحو 8,700 ليرة لبنانية، مقارنةً بالسعر الرسمي الذي يُساوي 1,507 ليرة فقط. وهذا التفاوت الكبير يُغذي التضخّم المتسارع، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من الضعف منذ أكتوبر/تشرين الأول.

وفي الوقت ذاته، لا يزال المعسكران عاجزين عن التوافق حول كيفية جمع ديون البلاد.

وتنتمي الحكومة إلى أحد المعسكرين. إذ جرى اختيارها بواسطة الحكومة السابقة، التي أطاحت بها الاحتجاجات الحاشدة في شهر أكتوبر/تشرين الأول. وتستند إلى التحالف الذي يُهيمن عليه حزب الله، الحركة السياسية-العسكرية الشيعية المدعومة من قبل إيران.

وتقول هذه الحكومة إنّ صافي خسائر البنوك بلغ 62 مليار دولار (بعد خصم رأسمالها الذي يصل إلى 21 مليار دولار)، بينما يقترب صافي خسائر مصرف لبنان من نحو الـ50 مليار دولار. وبجمع هذه الخسائر معاً، نجد أنّها تُساوي ضعف حجم الاقتصاد. لكن البنوك، المملوكة للسنة أو المسيحيين والمرتبطة بالنخب السياسية تكافلياً، تقول إنّ إجمالي الخسائر يُساوي نصف الأرقام المذكورة أعلاه. إذ قال كميل أبو سليمان، الذي استقال من الحكومة السابقة بسبب فشلها في الإصلاح: “الأمر أشبه بزيارة الطبيب الذي يُشخصك بالسرطان، فتقول له: أتعلم، لا تقُل إنّه سرطان، بل قُل إنّها إنفلونزا”.

وهناك مشكلةٌ حقيقية هنا حول كيفية تقسيم الخسائر الكبرى بعدالة بين البنوك ومصرف لبنان، وبين الدولة وأصولها العامة، وبين المودعين الذين قد يخسرون أموالهم. لكن استراتيجية البنوك مبنيةٌ على الخيال. إذ إنّ 80% من التزاماتها كانت بعملة الدولار وفقاً لسعر الصرف الرسمي، لكنّها تُفضّل سعر صرفٍ آخر. حيث ترغب في خفض نسبة الديون من خلال التضخم، الذي يُدمّر اللبنانيين العاديين. ويقول المسؤولون إنّ تقديرات صندوق النقد الدولي لخسائر البنوك تتماشى مع أرقام الحكومة.

واعتادت النخب اللبنانية تحدّي الجاذبية في الماضي والبقاء بمعزل وسط ثرواتها الهائلة. وربما كان ذلك يُفسّر اللامبالاة غير المفهومة من جانبهم وسط هذه الدراما القاتلة. إذ يُشبه الأمر تدافعاً من أجل حجز كرسي على سطح السفينة تيتانيك، التي تنبض بالحياة فقط حين تُحرّكها الانفجارات نتيجة اصطدامها بالجبل الجليدي.

شاهد أيضاً

يضعف نفوذ حزب الله، ويضمن صعود طبقة سياسية من الحراك.. مبادرة ماكرون لقادة لبنان

صوت العرب – بعد لقائه مسؤولين لبنانيين، التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادة الأحزاب اللبنانية، …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: