' rel='stylesheet' type='text/css'>

استراتيجية ترامب في سورية…. كارثية

استراتيجية ترامب في سورية…. كارثية

501a73f01cبقلم تشارلز ليستر
الباحث في معهد الشرق الأوسط؛
والخبير الدولي بشؤون الارهاب

أوضح الرئيس المنتخب دونالد ترامب للمرة الأولى منذ فوزه بالانتخابات موقفه من الأزمة في سورية. وخلال كلمته، أظهر ترامب تصميمه على تكثيف المعركة ضد داعش ووقف الدعم عن أولئك الذين يقاتلون نظام الرئيس بشار الأسد: لقد كانت وجهة نظري مغايرة للكثيرين بشأن سورية… وكانت وجهة نظري أنكم تقاتلون سورية، وسورية تقاتل داعش؛ ويتوجب عليكم القضاء على داعش. ثم هناك انحياز روسي تام الآن الى جانب سورية، ولديكم الآن ايران، التي أصبحت قوية بسببنا، متحالفة مع سورية…. وأصبحنا الآن ندعم المتمردين ضد سورية دون أن يكون لدينا أدنى فكرة عن هوية هؤلاء الناس.

ورغم كون ذلك تبسيطا غير عادي لأزمة غاية في التعقيد، لاتبدي وجهات الرئيس المنتخب حول سورية أيا من الاتساق ليس فقط ماينويه من اتساق ظاهري. يقول ترامب أنه يريد التركيز على تدمير داعش بيد أن التأثير الرئيس لما يصفه من سياسات سيكون القضاء على المعارضة المعتدلة لنظام (بشار) الأسد وتمكين التطرف.

وقبل النظر في جميع الآثار الكارثية لسياسة ترامب، يجب أن ندرس السبب في ضعف مبرره المعلن. وهناك من الدروس التاريخية المختصرة ما يكفي لاثبات افتقار نظام الأسد لمؤهلات مكافحة الارهاب. فهذه هي الحكومة التي بنى جهاز استخباراتها بشكل ممنهج تنظيم القاعدة في العراق، ثم داعش في العراق، وحولتها الى قوة ارهابية هائلة لمحاربة القوات الأميركية في هذا البلد منذ العام 2003 الى العام 2010. ولربما بقي مئات من الجنود الأميركيين أحياء لولا دعم نظام الأسد لسلف داعش المباشر.

وفي الوقت نفسه، يعتبر اقتراح ترامب بالدخول في شراكة مع روسيا لتحطيم داعش هو أكثر قليلا من مجرد افادة متضاربة، نظرا للتركيز الروسي شبه الثابت على كل شيء فيما عدا الجماعة. فوفقا لبيانات الرصد الأخيرة الخاصة بالغارات الجوية عبر سورية، تنتمي 8 % فقط من المناطق التي استهدفتها الغارات الجوية الروسية بين 12 أكتوبر و8 نوفمبر لـداعش. وباستثناء حادثة واحدة قصيرة وهي الاستيلاء على تدمر من قبضة داعش خلال وقف للأعمال العدائية فُرض دوليا ينصب التركيز الروسي القاطع والمستمر على محاربة المعارضة السورية الرئيسة، وليست داعش كما تتعلق العديد من عمليات الاستهداف الروسية بأعضاء المعارضة السورية ذوي الصلات بالولايات المتحدة.

وخلافا لبيان ترامب تعرف الولايات المتحدة بدقة هؤلاء الناس المتلقين للدعم الأميركي. فوكالة الاستخبارات المركزية تدير شبكة معقدة من العلاقات مع العشرات من الجماعات المعتدلة داخل الجيش السوري الحر منذ أواخر العام 2012. ولايزال هذا البرنامج، الذي يطلق عليه شجر الجميز، يقدم الدعم الى 80 من تلك الجماعات المفحوصة جيدا عبر سورية بالتنسيق مع حلفائها الدوليين والاقليميين، الى اليوم. وقد ضمن الدور الأميركي في هذا الجهد متعدد الأطراف قدرا من السيطرة على اتساع الدعم الدولي للمعارضة السورية وخطر سيطرة المتطرفين على أسلحة المعارضة أو مقاتليها.

وفي الواقع، وخلافا للرواية التي تزداد شعبيتها، فان المقاتلين في هذه المجموعات المفحوصة جيدا، مع استثناءات قليلة جدا لا يقومون بتسليم الأسلحة الأميركية الى الارهابيين أو الانضمام الى صفوف المتطرفين. ويتمثل حجر الزاوية في جهود الاستخبارات المركزية بتزويد الجماعات المتمردة بالصواريخ الموجهة بي جي ام 71 تاو المضادة للدبابات والتي تضمن بقاء المعارضة المعتدلة في الصراع. وحتى الآن، وفقا للمعلومات المتاحة للجمهور، أُرسل مالايقل عن 1073 من صواريخ التاو الى سورية وتم استخدامها في المعارك، فيما وقعت 12 منها فقط في أيدي جماعات غير معلومة مايعني معدل انتشار منخفض بشكل لافت بلغ 1.1 %. ومن بين جميع المجموعات التي تمتعت بوضع تدقيقي هُزم اثنان فقط من قبل جماعات على صلة بتنظيم القاعدة وسُحبت واحدة من البرنامج للشك في أنشطتها.

تمكين القاعدة وروايته

يستعد فرع القاعدة الفعلي في سورية لجني الفوائد المترتبة على انخفاض الدعم الأميركي للمعارضة المعتدلة فقد قضت جبهة فتح الشام المجموعة التي عرفت في السابق بـجبهة النصرة أكثر من أربع سنوات في ترسيخ مكانتها في الثورة السورية وتقديم نفسها الى جماعات المعارضة والمدنيين كشريك ومدافع عن حركتهم الوطنية. وقد ضمنت تلك الجهود أن سلطتها ستزداد بقوة اذا عانت الجماعات الأكثر اعتدالا انخفاض الدعم. بعبارة أخرى، الوصف الحالي الخطأ للتيار الرئيس للمعارضة باعتبارهم متطرفين في العموم سينتج عنه نبوءة محققة لذاتها ويخلق تهديدا أعظم مما شكله داعش في العام 2014.

 

[highlight color=”black”]تشجيع الحلفاء الاقليميين على العمل بمفردهم[/highlight]

من شأن قرار أميركي بالتبرؤ من المعارضة السورية أن يقوض حلفاءها الأوروبيين ويثير غضب شركائها الاقليميين والواقع أن الدعم الأميركي هو ما ساعد في تنظيم المعارضة المسلحة. فمنذ أواخر العام 2012 فصاعدا فرض دور الولايات المتحدة في غرف العمليات متعددة الجنسيات في تركيا موم وفي الأردن موك بعض السيطرة على تدفق المعدات العسكرية والمالية. ويخاطر انهاء هذا الدور الأميركي باعادة احياء حالة الفوضى والاقتتال التي سيطرت على الأيام الأولى من الأزمة السورية ولكن هذه المرة في سياق يتخذ فيه المتطرفين وضعا يؤهلهم من استغلال الوضع بسرعة.

كما يجعل الاسم الجديد لـالقاعدة (جبهة فتح الشام) والذي حظي بتغطية اعلامية جيدة، منها متلق مرجح على نحو متزايد لدعم الدول الاقليمية الغاضبة. وبالنظر للادعاء الظاهري لـجبهة فتح الشام بالتخلص من علاقاتها الخارجية بتنظيم القاعدة فلن يكون من المستغرب اذا قامت دول بتحويل الجزء الأكبر من الدعم لـفتح الشام وجماعات مماثلة اذا ما توقفت الولايات المتحدة عن دعم المعارضة ورغم عدم افصاح دول المنطقة الصريح عن القاء ثقلهم الكامل خلف جبهة فتح الشام تشير القدرات المتنامية للجماعة ومستويات المعدات الفتاكة وغير الفتاكة وخصوصا منذ تغيير اسمها، الى قدر من الدعم الرسمي المباشر وغير المباشر.

وقد تشعر دول المنطقة أن ارسال أسلحة مضادة للطائرات مثل منظومات الدفاع الجوي المحمولة لأقرب وكلائها على الأرض في سورية وكسر التابو الأميركي، أمرا مبررا. والى حد ما، قد بدأ هذا التدفق غير المشروع للأسلحة المضادة للطائرات فعليا ردا على تصورات عن عضلات أميركية غير كافية في منع الاعتداء الوحشي على المناطق الشرقية المحاصرة من حلب ووفقا لمصادر مطلعة داخل المعارضة دخلت ثلاث شحنات من منظومات الدفاع الجوي المحمولة على الأقل الشمال السوري منذ أواخر العام 2015.

إعطاء داعش فرصة أخرى

على الرغم أن التحالف الأميركي الروسي قد يزيد من المخاطر على داعش في سورية، على الأقل في المدى القصير ستكون هذه الشراكة بمثابة النعمة الكبيرة لدعاية الجماعة على المدى الطويل فاذا ما قامت روسيا بتبني نفس التكتيكات التي استخدمتها في محاولتها سحق المعارضة السورية فستضمن عواقب تلك الانتصارات رواية جاهزة لـداعش يحاول من خلالها استرجاع العزيمة مع بعض مستويات القبول الشعبي أو حتى الدعم. تحدث ترامب كثيرا عن المخاطر التي يشكلها الارهاب المحلي ولكن يمكن للشراكة الأميركية الروسية المحتملة في سورية أن تزيد من نشاط دعوات داعش بشن هجمات ضد أهداف بالغرب، ولاسيما في الولايات المتحدة. وقد احتفظت داعش بقدرة قوية على الهام الهجمات الخارجية خلال وقت نجاحها ولكن لا ينبغي أن نقلل من احتمال اثارتها لتهديد ارهابي داخلي أكبر وهي في حالة تقهقر وبالاقتران مع امكانية ادخال ترامب لسياسات داخلية قمعية حديثة خاصة بالهجرة وغيرها من المسائل ذات الصلة بالعرق والدين ينذر هذا السيناريو بتهديدات أكبر ليست أميركا الأكثر أمنا.

تعزيز ايران

وبوصفه معارضا قويا للاتفاق النووي الايراني ستنقذ سياسات ترامب المقترحة بشأن سورية، على نحو مستغرب ايران من هزيمة في مجال الجغرافيا السياسية وتعزز من نفوذها الاقليمي فعلى مدى السنوات السابقة للربيع العربي مثلت سورية الغراء الوجودي الهام الذي يحفظ تماسك مجالات النفوذ الايراني من طهران الى بغداد الى دمشق ويرجع ذلك لسبب واحد فقط: من شأن هزيمة الأسد في سورية تفكيك امبراطورية ايران الاقليمية تاركة ثغرة كبيرة في قلبها. ومن شأن ذلك أيضا أن يمثل تهديدا كبيرا لحزب الله، المنظمة الارهابية الوحيدة في العالم المعترف بقواتها المسلحة كفاعل شبه عسكري في دولة قومية.

تشجيع المذهب الروسي

أشار ترامب الى أنه يعتقد أن فلاديمير بوتين رجل عظيم ووصف الى أي مدى يقوم بوتين بعمل عظيم في اعادة بناء صورة روسيا متجاهلا بذلك حقيقة أن بوتين يسعى لتحقيق نهضة روسية على حساب القوة والنفوذ الأميركي، وليس في شراكة متكافئة معهما. بوتين استراتيجي ماهر تفوق دائما على ادارة أوباما المعروفة بتأييدها المداولات المطولة عند مواجهتها القضايا المثيرة للقلق في الخارج. وعندما يواجه ترامب الذي يقول انه يريد قصف الجحيم بالارهابيين والانسحاب من الأوضاع المكلفة في الخارج يعتبر بوتين في وضع جيد لتقديم علاقة تعاون يعرف أنها ستفيد موسكو بدرجة أكبر من واشنطن.

وستكون النتيجة الحتمية للشراكة بين الولايات المتحدة وروسيا في سورية هي محاولتهم النهائية للتفاوض على تسوية قصرية للحرب الأهلية. وبالاقتران مع اقتراح ترامب الخطأ أن مواجهة الأسد ستضر بجهود مكافحة الارهاب ضد داعش سوف تخلص المعارضة الى أن شركاءهم المفترضين في المعارضة سينتظرون منهم الاستسلام وقبول انتصار الأسد.

ان السعي لتحقيق مثل هذا الهدف سيفشل قبل أن يبدأ ومن شأنه أن يعطي الأسد وروسيا وايرن وحزب الله والميليشيا المتحالفة معها العذر- بالتواطؤ الأميركي الهادئ- بالتعامل مع المعارضة السورية بالكامل كما لو كانت لا تختلف عن داعش ومن شأن ذلك أن يشجع المزيد من جرائم الحرب وجعل اجراء أي مفاوضات في سورية أمرا مستحيلا من الناحية العملية وزيادة جرأة روسيا العدوانية ويعطيها الثقة في العمل مع الافلات من العقاب وهو ما يتعارض مباشرة مع المصالح الأميركية.

تفاقم أزمة اللاجئين

سيؤدي اقتران كل أو بعض السيناريوهات المذكورة أعلاه الى ديناميات ستزيد دون شك من تفاقم أزمة اللاجئين في سورية، تاركة ما لا يقل عن 5 ملايين سوري خارج حدود بلادهم بشكل دائم. ومع بقاء الأسد في السلطة وتأمين العديد من داعميه مسألة الدفاع عنه فمن غير المرجح تماما عودة ربع سكان سورية ما قبل الحرب الى ديارهم وهو مايعني أن تترك الدول المجاورة لتتحمل تكاليف ايوائهم الباهظة في حين سيقوم الكثير من اللاجئين بمحاولات يائسة للوصول الى أوروبا.

وقد تقزم الهجرة الجماعية نحو أوروبا تحركات اللاجئين المنهكة كما شاهدنا في العام 2015 و2016 الأمر الذي قد يعطي دفعة اضافية للحركات الشعوبية اليمينية المتطرفة في أوروبا ما يتسبب في المزيد من عدم الاستقرار فضلا عن فرص الارهاب وعداء الحكومات على حد السواء كما سيعاني كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

قد يأمل ترامب في الحد من الالتزامات المالية والعسكرية للولايات المتحدة في الخارج ولكن مخاطر هذا التصرف تزيد بشكل كبير من العبء الملقى على عاتق الولايات المتحدة. وكشريك منتظر في انهاء هذه الأوضاع فمن المتوقع أن تلعب الحكومة الأميركية دورا قياديا في تمويل ودعم التدابير اللازمة لتحقيق الاستقرار في سورية وفي البلدان المجاورة وفي أوروبا. كما ستزداد الضغوط على الولايات المتحدة لزيادة حصتها من عبء اللاجئين. ورغم أنه لايزال من الممكن أن يتخلص الرئيس ترامب من قراءته المبسطة على نحو خطير للأزمة السورية فيجب تفهم مخاطر انتهاج سياسة تستند الى فهمه المحدود وكما أظهرت خمس سنوات من الفشل السياسي في عهد الرئيس اوباما فلن تؤدي معالجة أعراض الأزمة بدلا من الأسباب الجذريه لها- ديكتاتورية الأسد- الا الى مزيد من النزوح والخراب.

وبوصفه رئيسا منتخبا تحظى كلمات ترامب حول الأزمة السورية بأهمية حقيقية فحلفاؤنا في المعارضة، وخصومنا في الأماكن الأخرى يولونها اهتماما خاصا يجب على ترامب أن يقر بسرعة بالتهديد الكامن وراء سيطرة الأسد المستمرة على السلطة فاذا اختار التخلي عن المعارضة السورية المعتدلة والتساهل مع النظام، فستصبح الولايات المتحدة مساهما مباشرا في نمو التطرف العنيف.. ليس فقط في سورية.

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: