' rel='stylesheet' type='text/css'>

(أسواطُ الوَاعِظينَ)

(أسواطُ الوَاعِظينَ)

بغداد – علي الجنابي

ماذا يريدُ منّي هذا الواعظُ المنتصبُ أمامي في مسجدي ليوعظني فيهديني؟

نصفُ قرنٍ عل ظهرها ومارأت عيني، ولا سمعت من الواعظينَ أُذُني سوى ملامةٍ توبّخني، ثمّ ثبورٍ وتقريعٍ وتهديدٍ باللحدِ والكفن!

كأنّي بربّي الكريم أتى بي لهذه الدنيا زحلقةً كي يورّطني! ولكأني فيها مجرمٌ وطريدٌ، والموت في درابينها يطلبنـي !
فمالِ هؤلاء الواعظين جعلوني غريبـاً ، وحـال غربتـه الدهـر ينهـره بالـذل والمحـن، وصيّروا سفري بعيـداً، وزادي لـن يبلغنـي، وقوتي ضعفت والمـوت يطلبني، حتى كرهتُ الحياةَ، وكرهتُ فيها نبض المقيمين في الأوطان والسكن، من ذنـوب لسـت أعلمهـا، والله يعلمهـا فـي السـر والعلن.

أيها الوعّاظ قد سألتكم مسألةً ولكم أن تجيبوني ولا حرجَ عليكم لو تهجرونني:
أنّى ليَ – بعد تقريعكم هذا- ان بنعمةِ ربّيَ أحدّثُ جليسي إن سامرني وحدّثني.

وواعجبي! إنكم ..

صوّرتمُ ليَ الدنيا زلةً كُتبـت فـي غفلـةٍ نُدِبت، وسوّرتمُ قلبي بحسراتٍ تأكلني وتحرقنـي!

وثوّرتمُ حلمَ الله عنـي حيـث يمهلنـي، وقد تماديت في ذنبـي ويسترنـي! وأن ساعـات أيامـي تمرُّ بـلا نـدم ولابكـاء ولاخـوف ولاحــزن!

وكوّرتموني بأنّي الذي غلـق الأبـواب مجتهـدا على المعاصي وعين الله تنظرنـي.

واهٍ!

ماهكذا كلّمني ربي، وماهكذا هداني بلطفٍ وحنانٍ من لدنهُ فأرشدني! فإن كان ربي لفرعون قد قال قولا ليّناً، أفيدخرُ غليظ قوله لي فيقرعني ويزجرني!

كلا ! إنه ربي وبكمالِ القولِ قال ليَ :
إن ذكرتُهُ ذكرني،
وإن شكرتُهُ شكرني،
بل وبجمال القول قال: إن كفرتُه فهو طبيبي الذي يطيبني.

ثمّ ما هكذا بيّنَ ليَ النبي الهاشمي المُتَبَسّمِ المُبتسمِ، وماهكذا وعظني وماهكذا علّمني!
أفنسيتم أن ربيَ الكريم، وإذ من خلطةِ الفجور والتقوى خلقني فسواني فَعَدَلني؟

أفتناسيتم أنه (الكريم) إذ يخاطبني (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ) وإذ سبحانه يعاتبني؟
إيتوني -أيها الواعظون- بواعظ معصومٍ لا ذنب عنده، كي يواجهني فيفحمني.

و(قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ) فلا حاجةَ ليَ بوعظٍ منكمُ يؤرقني ويُقنّطُني.

إنّ الحياةَ -أيها الواعظون- لهي النعمةُ الكبرى، ولولاها لما كانت هنالك كلماتُ قرآنٍ تُزكيني وتطهّرني.

وإن الحياة -أيها الواعظون- لهي المنّةُ العظمى، ولولاها لما كانت هناك رحمةُ رسولٍ مهداة تُعلّمني بلين قولٍ ولا تنهرني.

كفّوا عني – أيها الواعظون – سوط وعظكم، وفي كل آنٍ أراه يجلدني فيلسعني.

دعوني أنازعُ نفسي اللوّامة، على الشهوات عوّامة، وعلى النساء حوّامة، وفي البنين هوّامة ، وفي قناطير الدنانير سوّامة، وفي الصلوات غير قوّامة، وفي العبادات غير دوّامة، وتراهل عن التهجدِ نوّامة، وهكذا أوجدني ربي، وسيُعينني في نزاعي ويلطفني. ولن يجعلَ لشيطانِ الملذاتِ من سبيلٍ ليغلبني.

دعوني أذهب لربي بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، وآتيه بظنٍّ كريم ، وكتفٍ مُحَمَّلٍ ب(قراب الأرض خطايا)، ليقولَ ليَ قولاً يطمأنني ويؤنسني:
” سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ” .

ذلكَ القولُ من ذي الطول، قولٌ لن يقدرَ على قيله إلا الَّذِي خَلَقَنِي ويُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي، والذي إِذَا مَرِضْتُ فرغمَ تلال أثامي فهو يَشْفِينِي، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِي ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين.

كفاكم – أيها الواعظون- جلداً لظهري فما عادَ الجلدُ يروعني ويؤلمني،

مهلاً أيها الواعظون ليس بعد:
دونكم ظهر(زعيمِ بلادنا الفاجر) فأجلدوه، فإنَّ أعظمَ الجهادِ كامنٌ في جلدِ ظهرهِ، وجلدُكم له سيُتحِفُني وسيفرحُني، وربما من كثيرِ ذنوبٍ ربما سيُحرّرني.

 

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: