أسطورة العقل العربي تتفكك : ولادة مفاهيم " الدولة اللاوطنية " و "التجمعات العشوائية" و"اللامنتمي" - صوت العرب اونلاين
المتواجدون حالياً على الموقع


الرئيسية / إفتتاحية صوت العرب / أسطورة العقل العربي تتفكك : ولادة مفاهيم ” الدولة اللاوطنية ” و “التجمعات العشوائية” و”اللامنتمي”

أسطورة العقل العربي تتفكك : ولادة مفاهيم ” الدولة اللاوطنية ” و “التجمعات العشوائية” و”اللامنتمي”

صوت العرب – هشام زهران – تورنتو

كانت الكتابة الصحفية فعل هضم سريع لما يتدفّق للعقل الواعي من صور نقوم بتجميعها على شكل لوحات فسيفساء لتظهر كترجمة فورية للحدث أو “انعكاس مباشر” لدورة “صورة خبرية” في داخل الرأس وحول العقل .

وكان الإعلامي الخبير يستطيع بكل بسالة ودقة اصطياد “التحليل الإخباري” وسرقة ما بين السطور أو ما تم محوه ليصيغه في سلسلة عبارات وأفكار لها أجنحة تحمل ملامح الحقيقة إذا لم تكن الحقيقة نفسها ،ناهيك عن كون الكتابة الصحفية كان لها جمهورا منظّما محددا يتلقّف الرسالة عن وعي ويناقشها بوعي وحرفية مع الإعلامي عبر وسائل الإعلام التقليدية ،لكن أمرا شديد الخطورة في العقد الأخير طرأ على المشهد الإعلامي تسبب في ظاهرة “الوضوح الكثيف” لدرجة ان الكاتب المخضرم شديد التهذيب صار يخجل من نفسه حين يكتب مقالا مثلا ويشير في سطوره إلى “مصدر مسؤول” او “وزير مقرّب من العائلة الحاكمة” في البلد الفلاني …أو شخصية عربية مرموقة تزور “إسرائيل”حيث أن “السوشيال ميديا” فضحت المفضوح وكشفت الأسماء فصار لزاما على من يكتب أن يكتب بدون مجاملات أو اعتبارات ،والتخلي عن وظيفة “حارس البوابة الإعلامي” لأنه لم تعد هناك بوابة إعلامية أساسا ولا بلاط صاحبة الجلالة.

الحالة الإعلامية في البلاد العربية دخلت الآن مرحلة “الزار “وحلقات “الدروشة” وارتدّت وظيفيا إلى دور “الحكواتي” الذي كان يجمع الجمهور حول حكايا” أبو زيد الهلالي والزير سالم” ولك ان تتخيل مدى “التبهير والبهرجة” التي يضيفها “الحكواتي” على المادة الخبرية لتصبح مثل “السيرك ” أو مايعرف هنا في بلاد الفرنجة بالـــ “دانس فلور” التي تتخطف أضواؤها الابصار!!

كمية المعلومات المتوفرة بين يدي الجمهور تفوق المعقول والحد المطلوب لدرجة أن “الشيخ والخطيب والفنان وبائعة الهوى وبائع الصحف المتجول وصاحب محل الانتيكا…” باتوا يمارسون نقل المعلومة ،وتنوعت وسائل نقل المعلومة بشكل خطير لم يعد معه بالامكان لمواطن بسيط أن يعرف مدى صحة ودقة الخبر ،بل تحولت حياته إلى فاصل دعائي وباقي ساعاته تلقي معلومات من عشرة مواقع تواصل اجتماعي على الأقل وصار بالإمكان مثلا إمتلاك صفحة على “فيس بوك أو قناة على يوتيوب” ودفع مبلغ بسيط للترويج وبث ما يروق لصاحب الموقع او الصفحة وحشو رؤوس الجماهير بها ….!!

نحن نعود إلى المفهوم البدائي لتأثير الإعلام الذي درسناه في الجامعة وفق نظريات “بافلوف” وجرس التنبية للكلب بأن وجبة الغداء حانت أو ما يعرف أيضا بنظرية “الرصاصة الإعلامية”!!!

وظائف الإعلام الأساسية التي درجت عليها الصحافة كانت “الإعلام بمعنى التوعية والتعليم بمعنى التثقيف والترفيه  والتوجيه الوطني على مستوى محلي” وجميع هذه الوظائف صار بالإمكان القيام بها من قبل أي موقع تواصل اجتماعي بشكل اسهل وأسرع من أي صحيفة أو محطة تلفزة أو فضائية…!!

المأزق أن هذه الحالة لم تخلق فقط “المواطن الجاهل” بل خلقت أيضا “المسؤول الجبان” الذي صار يلجأ إلى ما يعرف بالـــ “التسريبات والتغريدات” لينفي أو يؤكد معلومة بطريقة تبعد المسؤولية عنه وهنا يبرز طرق ثالث وهو ” الوسيط المأجور” بين المواطن والمسؤول والذي يمارس بث المعلومة عبر قناته بعد أن يبيع مهارته في الاتصال للطرف المسؤول….!!

الأنظمة والأجهزة الأمنية بدورها غرقت في هذا السيل ولم تعد قادرة على ان تضبط هذا التدفّق لأن التكنولوجيا تتيح تداول المعلومة “العابرة للقارات والأوطان” وهذا ما جعل الحقيقة بوجهيها الأبيض الايجابي والأسود العابث تدور حول الكرة الأرضية مرتين في اليوم الواحد…!!

من قال أن “الانترنت” سيجعل الكرة الأرضية قرية صغيرة ويقرّب الشعوب أخطأ كثيرا ….وربما لو عاش طويلا لغيّر وجهة نظره وبدّل مقولته بأن ” الانترنت” حول الكرة الأرضية إلى مكب نفايات غير مفروز المواد.

بالمحصلة فإن “العقل العربي يتفكك” وبين الفراغات تتسلل مفاهيم جديدة وثقافات سياسية ومجتمعية تمهّد لفكرة “المجتمع اللاوطني” و”الدولة اللامركزية” و” التجمعات العشوائية ” و”الانسان اللامنتمي” وهذه مفاهيم خطيرة سنتحدث عنها في مقام لاحق!!

شاهد أيضاً

يوم المرأة العالمي : حضور للمناسبة وغياب للأنثى !!

صوت العرب – هشام زهران – تورنتو حَسناً…. إنّه المطر الدافئ في آذار/مارس ويسمونه في …

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب