' rel='stylesheet' type='text/css'>

أدوية سرطان ومنشطات جنسية في طرود دبلوماسية..تعرف على طرق تهريب الأدوية المستوردة لمصر

أدوية سرطان ومنشطات جنسية في طرود دبلوماسية..تعرف على طرق تهريب الأدوية المستوردة لمصر

صوت العرب – حالة من التجاهل تعاملت بها الجهات الحكومية المصرية مع تقارير فرنسية كشفت عن شبكة لتهريب أدوية التأمين الصحي “المجانية” في فرنسا، لتباع في السوق السوداء في مصر دون رقابة من أي جهة صحية أو حتى تسعيرية.

 زعمت التقارير وجود ما يمكن تسميته بـ“عصابات منظمة” تجند أشخاصاً من المستفيدين من نظام التأمين الصحي في فرنسا، عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً سناب شات، لصرف أدوية معينة باهظة الثمن تستخدم في علاج أمراض السرطان والقلب، بعد تزويدهم بوصفات طبية مزورة يتجهون بها لصرف الأدوية مجاناً من الصيدليات التابعة للتأمين الصحي، ثم يسلمونها لمندوبين من تلك العصابات لقاء مبالغ زهيدة لا تتجاوز مئتي يورو للعلبة الواحدة، ثم تقوم العصابات بتهريب الدواء إلى مصر، حيث يباع بأسعار خيالية، استغلالاً للنقص الموجود في هذه الأدوية في السوق المصري، وانخفاض كفاءة الأدوية المحلية البديلة.

ورغم محاولات الوصول إلى أحد المسؤولين في وزارة الصحة أو نقابة الصيادلة للتعليق على التقارير الفرنسية، فإنه لم يتلقَّ رداً من أي جهة رسمية أو مسؤول، كما رفضوا التعليق على ربط شبكة التهريب الفرنسية بالأخبار التي تنتشر بين حين وآخر في مصر، عن مصادرة كميات كبيرة من الأدوية المهربة، ولم يقدموا توضيحات عن كيف دخلت تلك الأدوية إلى البلاد، ومن هو المسؤول عن تهريبها.

علمنا من مصادر بمجلس الوزراء أن رئيس الحكومة المصرية د. مصطفى مدبولي مستاء من السوق الموازي للأدوية، الذي يصل حجمه بحسب بعض التقديرات إلى عشرات المليارات، وطالب بوضع حد له بدعوى أن الدواء المهرب لم يمر بأي مرحلة من مراحل التجريب والاختبار، وبالتالي إثبات الفاعلية، ما يحمّل الحكومة أعباء مضاعفة في العناية بمن تعرضوا للأذى جراء تناول هذه الأدوية المهربة في حال فسادها، كما أن حجم التداول المالي في سوق الأدوية المهربة من الضخامة بمكان، بحيث يثير لعاب الحكومة لإدراجه بشكل رسمي، وتحصيل العوائد والضرائب المقررة عليه.

وكان د.علي عبدالله، رئيس المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء، قد ذكر أن حجم الأدوية المهربة والمغشوشة يبلغ نحو 15% من سوق الدواء الرسمي، وهناك دراسة نشرها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في يونيو/حزيران من العام 2020، قالت إن حجم سوق الدواء في مصر يقدر بنحو 400 مليار جنيه، ما يعني أن الدواء المهرب يصل حجم التداول فيه إلى 60 مليار جنيه.

الحكومة متهاونة مع صيدليات السلاسل

وتعجّب عدد من أصحاب الصيدليات الصغيرة من تهاون الحكومة المصرية مع ممارسات صيدليات السلاسل، التي اعتبروها المسؤول الأول عن انتشار الأدوية المهربة، وقال أحدهم : “غريب أن الحكومة التي باتت تمد يدها في جيب المواطن المصري وتستنزف ممتلكاته، لا تتصدى لسلاسل الصيدليات، رغم دورها في ضرب صناعة الدواء الوطنية، إلى جانب ابتزاز المريض، والأهم من كل ذلك تفويت فرصة على الحكومة لتحقيق عوائد طائلة إذا ما تم إغلاق سوق التهريب وجرى التعامل مع الأدوية المستوردة عبر الطرق الرسمية”.

المخلّص الجمركي يلعب دوراً كبيراً في تسهيل دخول البضائع المهربة إلى مصر 

حاول فريق التقصي عن مراحل تهريب الدواء إلى داخل البلاد حتى وصوله إلى الصيدليات ومنافذ التوزيع في مصر، والمقابل الذي يحصل عليه من يُسهم في عملية التهريب في المطار والجمارك.

مصدر مسؤول بمكافحة التهريب بميناء الإسكندرية كشف عن أن التعليمات الدورية التي تأتيهم شهرياً تؤكد على أن أبرز الموانئ التي تأتي منها الأدوية المهربة إلى مصر هي الهند والصين وتركيا، لكنه لم يسمع بانضمام فرنسا إلى الموانئ التي تتورط في تهريب الأدوية، ومن الممكن أن ذلك بسبب عدم تصدير تلك الأدوية من فرنسا إلى مصر مباشرة، وإنما تهريبها من خلال منفذ ثالث، سواء في دولة عربية أو أوروبية، عن طريق شركات أو تجار كبار في هذه الدول.

وبناء على التعليمات الدورية، يولي مسؤولو الجمارك المصريون أهمية فائقة لتفتيش الحاويات القادمة من الموانئ الثلاثة “المشبوهة” تفتيشاً دقيقاً ويدوياً، لمنع تهريب الأدوية إلى داخل البلاد، لكنه يعترف بأن المنع التام بالغ الصعوبة على أرض الواقع، لأن ميناء الإسكندرية على سبيل المثال تصل إليه عشرات الشاحنات المحمّلة بمختلف البضائع يومياً، يختار مندوبو الجمارك منها عينات عشوائية لمطابقتها للمواصفات المسجلة في أوراق الشحنة، ولا يجري الفحص اليدوي إلا في الحاويات المشتبه فيها، لأنه يحتاج لوقت، ولا يوجد في جمرك الميناء موظفون كافون لتفتيش كل الحاويات يدوياً وإنجاز العمل في نفس اليوم، واستحالة تعطيل الإفراجات الجمركية إلى أيام، لأن ذلك سيؤدي إلى تراكم الحاويات وتعطيل العمل، وبالتالي يتم تفتيش أغلب الحاويات بالأجهزة الحديثة التي وردت للجمارك مؤخراً، مثل “الإكس راي”، وهو جهاز يمر على كل حاوية ليرصد ما فيها، لكن تلك الطريقة ليست دقيقة مثل التفتيش اليدوي.

وكشف المصدر عن عدة طرق يلجأ إليها المهربون لإدخال بضائعهم المهربة (وداخلها الأدوية) إلى داخل البلاد، أولها تزوير تصاريح بأسماء شركات كبيرة لها سمعتها واسمها في السوق المصري، للفرار ببضائعهم وعدم خضوعها للتفتيش، وثانيها تزوير مستندات التخليص الجمركي على أحد الطرود، بوصفها لإحدى السفارات الأجنبية، عن طريق مزور بارع لتقليد أختام هذه السفارة وتوقيعات المسؤولين فيها بشكل لا يثير الشكوك، وبدورنا لا نُخضع الأوراق المقدمة لخبراء تزوير إلا إذا كان هناك بلاغ ضد الشحنة.

وأكد أن المخلص الجمركي، وهو الوسيط بين المستورد ومصلحة الجمارك، يحرص على تنفيذ تعليمات المستوردين، إما طمعاً في الحصول على عمولات كبيرة تزيد كلما كانت البضاعة المطلوب تمريرها من الجمارك ممنوعة، أو خشية من انتقام المستوردين في حالة مصادرة البضاعة بمعرفة الجمارك.

 وفي الحالتين يلعب هؤلاء المخلصون دوراً كبيراً في تسهيل دخول البضائع المهربة، بصرف النظر عن ماهيتها وخطورتها على حياة المواطنين، وذلك من خلال التلاعب في الأوراق والمستندات المقدمة للجمارك، كما يملكون طرقاً خفية للتواصل مع بعض مسؤولي البوابات من ضعاف النفوس الذين يساعدون في خروج الحاويات من الميناء مقابل مبالغ مالية يتحصلون عليها، حيث تقوم عصابات بنقلها بسيارات مجهزة وفي الطريق، وقبل دخولهم حدود المحافظات يتم تفريغ الحمولة وتوزيعها على حقائب أو صناديق، حتى لا يُثيروا الريبة إن مروا على دوريات تفتيش أثناء نقلها إلى القاهرة، ومنها للمحافظات المختلفة، وأحياناً تنتظر الحاويات مطولاً في الميناء حتى هدوء الوضع، وفي هذه الحالة تفسد الأدوية، ومع ذلك يتم بيعها للمرضى، وفي الغالب لا تُسبب أضراراً، لكنها تفقد فاعليتها الدوائية.

حجم عمليات تهريب الأدوية والمنشطات الجنسية إلى مصر يقدر بالمليارات ونسبة الربح 400%

يقول المصدر إنهم في إحدى المرات تلقوا إخطاراً من مباحث الميناء، يفيد بمحاولة مسؤولي إحدى الشركات إدخال أصناف دوائية محظور دخولها للبلاد، داخل حاوية قادمة من دولة الصين، تحمل أقمشة طبقاً للمستندات المقدمة من المخلص الجمركي، لكن السلطات قامت بتشكيل لجنة “أمنية- جمركية” لفرز مشمول الحاوية، أسفرت أعمالها عن العثور على 162 ألف قرص لمقويات جنسية.

وأشار إلى أن حجم عمليات تهريب الأدوية والمنشطات الجنسية وغيرها، يقدر بالمليارات، ولا تقل نسبة الربح فيها عن 400% كلها تصب في صالح مهربين ومستوردين للأدوية (غير مسجلين بوزارة الصحة)، حيث نشطت تجارتهم في الفترة الأخيرة، ونجحوا في إدخال كميات كبيرة من الأدوية المهربة، بالرغم من أنها تضر بالاقتصاد المصري، وهناك خوف من الإبلاغ أو التصدي لمثل تلك العمليات، خاصة بعدما تم إطلاق النار على مدير الجمارك بميناء العين السخنة في محافظة السويس في عام 2016، بسبب تصديه لعمليات التلاعب التي يقوم بها المخلصون الجمركيون، حيث أطلق مجهولون الرصاص عليه، مؤكداً علمه بوجود موظفين يعملون تحت إمرته يعلمون أساليب المهربين، لكنهم لا يبلغون عنهم خوفاً على حياتهم.

بعيداً عن الموانئ البحرية يوضح رشدي.أ، بجمرك مطار القاهرة، طريقة ثانية للتهريب عن طريق المنافذ الجوية، وهي تتم عن طريق مجموعة من الشباب المتخصصين في التهريب، ممن يملكون تأشيرات صالحة إلى الدول التي يتم شراء الأدوية منها، حيث يسافرون بشكل دوري إليها، ويحملون كميات من الأدوية الغالية في حقائب السفر التي لا تزيد غالباً عن 35 كيلوغراماً، ويتم تمريرها من المطار بالاتفاق مع بعض الموظفين وأفراد الشرطة دون تفتيش، حيث يدفع المهرب 2000 جنيه للكيلوغرام من المواد المهربة عن طريق الجو، وهي تسعيرة مرتفعة نسبياً عن باقي طرق التهريب، لكن ذلك لأن نقل الأدوية جواً يضمن صلاحيتها وسرعة وصولها للمخازن، على عكس الأدوية التي يتم تهريبها من خلال الموانئ أو الحدود البرية، ويفسد جزء منها في الطريق قبل وصولها، ومن أشهر أنواع الأدوية المهربة أدوية القلب والسرطان والسكر.

رغم ذلك يظل التهريب عبر الحدود البرية هو الأسهل كما يقول إسماعيل. ص، موظف بقطاع التهرب الجمركي، بسبب إمكانية تهريب كميات كبيرة، وخاصة الحدود المصرية مع ليبيا أو جبال البحر الأحمر، موضحاً أن المهربين ينقلون الشحنات إلى ليبيا وأحياناً السودان خاصة، من جميع بلدان العالم، مستغلين تدهور الظروف الأمنية هناك، ثم يتم نقلها إلى مصر، ويساعدهم على ذلك أن الشحنات الكبرى لا يتم تفتيشها بطريقة دقيقة، إلا إذا تقدم أحد الأشخاص ببلاغ ضدها، وبالتالي يسهل على المهرب إخفاء الأدوية وسط البضائع، أو التحايل عن طريق رصّ الأدوية المهرَّبة في الجزء الداخلي، وتغطية الجزء الخارجي بسلع أخرى دون أن يكتشفها أحد، ويتم “ترضية” الموظفين لتسهيل الإجراءات، ويدفع المهرّب 400 جنيه للكيلو.

لكن نبيل محمد (محامٍ)، يرى أن السبب الأساسي في ازدهار نشاط مافيا تهريب الدواء ليس الأرباح الطائلة فقط، ولكن ضعف العقوبات على المهربين، ففي حال ضُبط أحدهم يكون عليه التنازل عن الأدوية المهربة، أو دفع غرامة لا تتجاوز 15 ألف جنيه، بينما يصل ربحه في كل عملية تهريب إلى ملايين الجنيهات.

شاهد على التهريب.. 90% من مخازن الأدوية غير مسجلة 

عمليات التهريب تجري بشكل منظم وصارم، يبدأ بدور المهربين الذين يتولون استيراد الأدوية المطلوبة من الخارج وتهريبها من الجمارك، بعد ذلك يبدأ دور المخزّنين الذين يتولون تخزين الأدوية في مخازن خاصة وسرية، ثم يأتي دور المروجين الذين يتولون توزيع أدوية السكر والضغط والقلب والسرطان على الصيدليات.

 وهناك أدوية مهدئة ومخدرة ومنشطات يتم توزيعها عن طريق صبية عاطلين، لأنه ممنوع تداولها بسبب إدراجها بجدول المخدرات، وبعض السلاسل تخشى على سمعتها، بينما هناك صيدليات صغيرة بالمناطق العشوائية تسعى للحصول عليها، وهناك أيضاً ما يُطلقون عليه التاجر الحر، وهو شخص يقوم بشراء مجموعة من الأدوية من المخازن لحسابه الخاص، وبسعر معقول، ويبيعها من خلال علاقاته بأسعار مرتفعة.

توصلنا إلى حارس لأحد تلك المخازن السرية، وهو شاب ثلاثيني، عرّفنا باسمه المستعار (مصطفى)، وحاصل على بكالوريوس كلية علوم، لكنه لم يجد عملاً مناسباً حتى عرض عليه زميل سابق له في الكلية العمل كحارس مخزن أدوية براتب جيد بإحدى العمارات السكنية بشارع القضاعي بمنطقة شبرا (غير مرخص من قبل وزارة الصحة).

في البداية رفض الحديث معنا رغم أننا ذهبنا إليه عن طريق أحد أقربائه، لكنه عندما اطمأن إلى أن المقصود من الحديث هو رغبتنا في شراء مخزن مجاور تكلم بتحفظ.

يقول مصطفى إن المخزن غير مرخص كحال أغلب مخازن الأدوية غير المسجلة رسمياً، ويفسر ذلك أنه لا تتوفر لديهم اشتراطات الترخيص، لأنها تُكلف كثيراً، وبالتالي لا يستطيع التاجر تحقيق أرباح طائلة في ظل الالتزام بالضرائب أو الاشتراطات الصحية المطلوبة لترخيص المخزن، والغريب أن الحارس لا يعرف هوية صاحب المخزن، بل إن هناك اتفاقاً ضمنياً على تحمله المسؤولية أمام الجهات الأمنية إذا تمت مداهمة المخزن، وذلك مقابل الراتب الكبير الذي يحصل عليه.

يوضح مصطفى أن الفرق بين سعر الدواء المهرَّب بالمخازن والسعر الذي يباع به في الصيدليات يصل إلى آلاف الجنيهات في العلبة الواحدة، وعندما سألناه عن سعر علبة دواء NEXAVAR، قال إن صاحب المخزن يخرجها بسعر 10 آلاف جنيه، لكن الصيدليات تبيع العلبة بأكثر من ضعف السعر، لافتاً إلى أنه يتعامل مع أطباء وصيدليات من نخبة المجتمع، حيث ترسل إليه إحدى سلاسل الصيدليات الكبرى بانتظام مندوباً للحصول على الكميات المطلوبة، وهناك أيضاً أطباء مشهورون بمستشفيات خاصة وحكومية، وآخرون لهم عيادات بمناطق مختلفة يتعاملون مع المخزن.

وكان خبراء الدواء  قد اتفقوا على أن سلاسل الصيدليات هي المتهم الأول في ظهور “الأدوية المهربة” في مصر، وذلك بسبب رغبتها في تحقيق الكسب المالي السريع، وبالفعل نجحت في الاستحواذ على نسبة لا تقل عن 30% من حجم سوق الدواء في مصر.

سلاسل الصيدليات باب خلفي للأدوية المُهربة التي لا تخضع للرقابة

عضو بشعبة الصيدليات بالاتحاد العام للغرف التجارية، قال إن سلاسل الصيدليات باب خلفي للأدوية المُهربة، التي لا تخضع للرقابة، وتدخل لمصر دون تسجيلها أو تسعيرها، ويتحكم في سعرها من يوزعها، لافتاً إلى أن هناك نوعين من الدواء المستورد المهرب، الأول تطالب نقابة الصيادلة بإدراجه بقوائم وزارة الصحة، ويتم تسجيله بشكل رسمي حتى يتم استيراده بشكل منتظم من قبل الدولة، وعدد أصناف هذا النوع نحو 200 صنف، تم الاتفاق عليها، والنوع الثاني لا بد من وضع قيود عليه، وأغلب أصنافه من المنشطات الجنسية، التي غالباً ما تكون مغشوشة. وهذا في حد ذاته غش تجاري، بالإضافة لمخالفات التهرب الضريبي.

وتم رصد أساليب بعض الصيدليات لإخفاء الدواء المستورد عن أعين التفتيش، منها تأجير شقة صغيرة بجوار الصيدلية، أو إنشاء مخازن خفية داخل الصيدليات، ويتم وضع كميات من الدواء المهرب بها، لأنه كما قال لنا أحد الصيادلة هناك لجان دورية تقوم بالتفتيش على الصيدليات، للكشف عن الدواء المستورد المهرب وغير الرسمي، وتصل الإجراءات القانونية ضد الصيدليات التي تضبط بها أدوية مهربة إلى إغلاقها وربما سحب رخصتها.

حصلت النقابة العامة للصيادلة على أحكام بشطب 14 صيدلياً، أعاروا أسماءهم لسلاسل صيدليات، بدعوى أن هذه كيانات غير قانونية، وصدر ضد عدد من أصحابها أحكام قضائية بالشطب نهائياً من جدول نقابة الصيادلة.

وكانت نقابة صيادلة القاهرة قد أعلنت في وقت سابق أنها تجهز لاستدعاء أصحاب سلسلة يشاع تبعيتها لجهاز سيادي مصري للتحقيق معهم، على إثر ظهورهم على إحدى القنوات الفضائية، واعترافهم بامتلاك سلسلة صيدليات بالمخالفة للقانون.

وأعلنت الإدارة المركزية للشؤون الصيدلية، التابعة لوزارة الصحة والسكان، أن إدارة التفتيش الصيدلي، نجحت في ضبط أدوية مهربة وغير مسجلة بوزارة الصحة والسكان، وكشفت الإدارة أن إحدى صيدليات السلاسل قد خالفت قانون مزاولة مهنة الصيدلة وقانون منع الغش والتدليس، إثر تعاملها وتخزينها وبيعها للأدوية المهربة وغير المسجلة بوزارة الصحة، وإدارتها لمخازن أدوية غير مرخصة.

يوضح أحمد عامر، رئيس لجنة الدخلاء بنقابة الصيادلة، أن السلاسل تنشأ من خلال التحايل على القانون، من خلال تحرير عقد مع إحدى الصيدليات الحاصلة على الترخيص حديثاً، تحت مسمى شركات إدارة الصيدليات، وهو المسمى المعتمد لدى وزارة الاستثمار.

وتصدر له ترخيص لذلك الغرض، شريطة ألا يتم التعامل به إلا بعد الحصول على موافقة وزارة الصحة، وبناء عليه تتحول الصيدلية إلى أحد فروع السلسلة، لكن ذلك مخالفة صريحة للقانون رقم 127 لسنة 1955، الذي منع بشكل صريح في 5 مواد منه إنشاء الكيانات المسماة بسلاسل الصيدليات، أو بانتقال الترخيص إلى غير صيدلي، أو استخدام العروض والخصومات على الأدوية للإضرار بباقي الصيدليات الأخرى، وهو ما يُسمى بمبدأ حظر المنافسة.

الدولة كانت تصرف الأدوية المستوردة لمرضى السرطان قبل استبدالها بالبدائل المحلية الأرخص!

خضنا تجربة البحث عن الأدوية المهربة مع شيماء، وهي طالبة بكلية الألسن، بعدما اكتشفت أن أدوية والدتها المريضة أوشكت على النفاد، عندما فتحت حافظتها لتناول الجرعة اليومية من أقراص NEXAVAR نكسافار 200 مليغرام لعلاج سرطان الكبد (الجرعة المعتادة هي قرصان يومياً)، وتحتوي العبوة على 60 قرصاً، وسعرها 15873 جنيهاً، وكانت الأم اشترت علبتين منذ شهرين من إحدى الصيدليات بسعر يزيد عن السعر الأصلي بألفَي جنيه، فضلاً عن نفاد أمبولات “بريماكور” (سعر العبوة 1453 جنيهاً مصرياً)، الموصوفة كعلاج لقلب الأم المريض.

أسرعت الفتاة إلى هاتفها لتتصل بأقرب صيدلية لمنزلها تطلب منها الدواء، لكن الصيدلي أجابها بـ”أن الدواء غير متوفر لأنه مستورد”، حاولت البحث عنه في أكثر من صيدلية، لكن الإجابة نفسها تأتيها دائماً “الدواء غير موجود، لكن متوفر بديله المصري”.

بحثت الفتاة في العديد من الصيدليات لإيجاد الدواء المستورد دون فائدة، لتعود لطبيب والدتها الذي أعطاها رقم تليفون مندوب للأدوية المستوردة “المهربة” يتعامل معه مثل كثير من الأطباء، وبالفعل لم تمر ساعة حتى وصل المندوب إلى منزلها حاملاً معه علبتي الدواء، بسعر يزيد عن ضعف ثمنه الحقيقي.

المغالاة في السعر دفعت الفتاة للبحث عن الدواء بسعر مناسب، حتى دلّها أصحاب الخير إلى صيدلية صغيرة بشارع النبي دانيال في محافظة الإسكندرية، تبيع نفس الدواء بسعر أقل بكثير عما أعطاه لها مندوب الأدوية، أو السعر المعلن في بعض سلاسل الصيدليات الشهيرة بالقاهرة.

حال الأم المريضة هو حال الكثيرين من مرضى السرطان والأمراض المزمنة في مصر الذين يعانون الأمرّين، ما بين معاناة المرض وآلامه وبين البحث عن الدواء المستورد غير المتوفر غالباً من ناحية أخرى، وبعدما كان هؤلاء المرضى يحصلون على أدويتهم المستوردة من وزارة “الصحة” فرضت عليهم الحكومة الأدوية البديلة الرخيصة، لأن المستوردة مرتفعة السعر، لكن ظل الميسورون منهم يشترون الدواء المستورد على حسابهم.

وسائل الحكومة البدائية في تسجيل الأدوية دفعت الصيدليات الكبرى للجوء إلى مافيا التهريب 

يشير باحث بالمركز المصري للحق في الدواء إلى أن الأدوية البديلة أقل فاعلية، ضارباً مثالاً بمرضى اللوكيميا في مصر، والذين يقدرون بـ13 ألف مريض، هؤلاء كان مقرراً لهم من الدولة علاج اسمه (جليفك)، سعر العلبة الواحدة منه يصل إلى 12 ألف جنيه، لكن من دون مقدمات أقرت وزارة الصحة في 2016 دواء مصرياً بـ500 جنيه كبديل للدواء المستورد، وهو الأمر الذي أدى لتدهور حالات الكثير منهم، وأصاب المرضى بحالة استياء ويأس، وتساءل الباحث كيف يمكن تخيل أن دواء سعره 500 جنيه يحمل نفس فاعلية دواء سعره 12 ألف جنيه؟! خاصة أنه لا توجد أية دراسات أو أبحاث أو تجارب، فالمرضى هم فئران التجارب للأدوية البديلة، ومنهم من توفي بعد تناولها.

وأكد الباحث أن الأدوية المهربة بالسوق المحلي غالبيتها من النواقص في أدوية هامة لمرضى السرطان والكلى والقلب، وتصل إلى المستهلك المصري عبر منصات إلكترونية منتشرة لبيع الأدوية “أون لاين” دون رقابة، وبعضها ينشئ App خاصاً يبيع من خلاله كل ما هو مهرب ومغشوش ومسرب من السوق الشرعي، الذي يعاني بقوة بسبب الاحتكار من صيدليات السلاسل العملاقة، التي تتحكم في أسعار هذه الأدوية، فضلاً عن أن الصيدليات الصغيرة لا تتوفر فيها إلا عبوة أو اثنتان فقط من كل منتج مهرب، وعادة ما يحتفظون بها للزبائن المقربين.

شريف مصطفى (صيدلي)، ينتقد طريقة تعامل الحكومة مع ملف الصحة بشكل عام، موضحاً أنها فتحت الباب لمافيا التهريب وتحكمها في المرضى، فوزارة الصحة تتبع وسائل بدائية في تسجيل الأدوية، والإجراءات قد تستغرق 5 سنوات، لذلك لا تجد بعض الشركات الكبرى إلا اللجوء للتهريب لإدخال الدواء إلى مصر.

الأمر نفسه كان قد أكده الدكتور محيي الدين عبيد، نقيب الصيادلة السابق الذي قال في تصريحات صحفية وقت أن كان نقيباً إن أدوية السرطان الموجودة في صيدليات السلاسل الكبرى جميعها مهربة من الخارج، وبعضها غير مطابق للمواصفات، مؤكداً أنه سيتم اتخاذ إجراءات ضد هذه السلاسل، وبالرغم من مرور سنوات على هذا التصريح فإنه لم تتخذ جهة ما في الدولة أية إجراءات ضد أي من هذه السلاسل، التي لا تزال تتوسع في نشاطها، ويبدو أن نقابة الصيادلة لا تقوى على مواجهة أصحاب السلاسل.

تقرير : عربي بوست

إقرأ ايضاً

تابعوا اخر الأخبار على صوت العرب

Translate » ترجم الموقع لأي لغة في العالم
%d مدونون معجبون بهذه: